موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٧ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
المطران جلّوف: مسيحية اليوم ينقصها قلوب ملتهبة متحمسة شغوفة بالمسيح كبولس
ألقى المطران حنا جلّوف، النائب الرسولي للاتين في سوريا، عظة خلال احتفاله بالقداس الإلهي بمناسبة عيد اهتداء القديس بولس. وفي هذه المناسبة، انتهز سيادته الفرصة للتعبير عن مشاعر التقدير والامتنان للكاردينال ماريو زيناري، السفير البابوي في سوريا، بمناسبة انتهاء خدمته الرسولية في البلاد.

المطران حنا جلوف :

 

قال البعض عن القديس بولس ان بولس هو المسيحية. وتجرأ آخرون فقالوا أن بولس هو مخترع المسيحية. فالسيح بشّر وعلّم. لكن بولس هو أرسى القواعد و شيّد بناء الكنيسة في اطار علمي وعقائدي. ولا شك أن بولس بفضل ثقافته اليونانية أضفى على المسيحية إطاراً منطقياً مترابطاً. وصحيح هو القول ان المسيح أسس ديانة أدبية، انجيلية، بسيطة، أما بولس فأسس ديانة عقائدية ولاهوتية.

 

المسيح هو كل شيء لبولس "أنا حي لا أنا بل المسيح حيٌّ فيَّ" وما يقوله بولس عن المسيح وعن ارتباطه به، وعن شغفه بشخصه وتكّرسه لخدمته يبعد كل تفكير عن تباعد بولس عن المسيح. فهو رسول وتلميذ ومبشر كبير بالمسيح. في بولس يتجسد قول يسوع: "لا يمكنكم أن تفهموا كل شيء الآن، ولكن الروح القدس سيشرح لكم كل شيء".(يو14/26) وأحد اللاهوتيين قال عن تأثير بولس على المسيحية "أن الروح القدس شرحها بواسطة بولس". كل هذا لبيان مكانة بولس في المسيحية وفي تاريخها: إن الإنجيل يبين ناقصاً بدون رسائل بولس وكذلك المسيحية.

 

هو الشاهد الأعظم والمفكر النابغة والرسول الذي تعب أكثر من الكل.  هو إمام لكل السائرين في طريق الحياة. بين كتّاب العهد الجديد هو الكاتب الأكثر حيوية، وكمالاً، صوته ينادينا من بعيد الى المسيح.

 

هناك ارتباط بين موت استفانوس واهتداء بولس. فبولس رأى شهادة الدم وهذه تفاعلت في قلبه وحملته على الارتداد. ظل بولس طيلة حياته يذكر هذه الحادثة المروعة فيقول:    " كيف اضطهدت كنيسة الله..."."وحين سفك دم استفانوس كنت أنا أيضاً موافقاً على قتله وحافظاً لثيابه".  هكذا فهم بولس، أن لا شيء دون دم ولا انتصار دون دم. إن المسيحية تثبت بواسطة الدم وعاشت حتى تكمل ما نقص من الآم المسيح. (اكو24،1).  بعد موت استفانوس اصّر بولس على اضطهاد المسيحية. فجاء الى دمشق وصدره ينفث تهديداً وتقتيلاً لتلاميذ الرب (أع9/1) وإذ اقترب من دمشق إذا نور في السماء قد سطع حوله فسقط على الأرض وسمع صوتاً يناديه: شاول، شاول لماذا تضطهدني. فقال من انت يا سيدي. قال له انا يسوع الذي انت تضطهده... وهو على الطريق كانت تمثل امام عينيه صورة استيفانوس.

 

أجاب بولس على النداء ماذا تريد يا رب أن أعمل. قهره الروح، وصرعه على الطريق ولم يتردد وهو طيب القلب عن تلبية النداء.  كان بولس رجلاً عنيفاً جداً (قلبه لا يسعه كما يقال). التهب قلبه غيرة على دين أبائه وذهب الى البعيد فاضطهد كل من يقاوم هذا الدين.

 

هذه أول ملامح بولس: قلب ملتهب، نفس متحمسة، لا يخمد لهيبها ولا ترضى بالقليل.  ولأنه عنيف استعمل الله معه العنف للارتداد. كان يجب ان يتحول القلب الكبير من حب شريعة موسى الى حب شريعة المسيح بطريقة عنيفة. إن الله يستعمل طرقاً مختلفة للارتداد. كل شيء يقود الى الله.  لكن الارتداد تهيأ في قلب بولس: رؤية القديس استفانوس، منظر المسيحين المتحمسين لدينهم حتى الموت، تأملات طويلة وعميقة في التوراة، أقوال معلمه جملائيل، كل هذا هيأت قلب بولس للدعوة. وعندما سمع الدعوة لم يتردّد.

 

إن كل اهتداء هو نتيجة حتمية لمأساة في القلب. هكذا كان القديس أغسطينوس وهكذا كان القديس فرنسيس وهذه المآسي لم تجدلها حلاً إلا في يسوع المسيح.  فالمسيح الذي ولد في قلب بولس هو مسيح جديد.

 

منذ أن اكتشف بولس المسيح اندفع في خدمته وتفانى في التبشير به. فتحوّل وتبدّل وأصبح له المسيح كل شيء. هو حي به، لا شيء يفصله عنه، و مستعد للموت في سبيله. المسيح أصبح لبولس كل شيء وهو أصبح في كل شيء "أعطيت الله كل شيء لكي أنال الله عوضًا عن كل شيء". لا يذكر التاريخ شخصًا عمل لقضية المسيح وكرّس نفسه لخدمة المسيح ولنشر الانجيل كبولس. هو الجندي الأمثل والمجاهد حتى الموت. فتراه مدة ثلاثين عامًا لا يهدأ له فكر ولا حال. يتنقل وينشر ويعظ ويؤسس الكنائس المسيحية بعد أن كانت ديانة بسيطة ورغبة في خدمة المعلم، مع بولس أصبحت عقيدةً وأسلوبًا. كان إيمانه راسخًا كالجبال. لا هدوء في حياته ولا توقف. هو مثال للرسول الذي لا يعرف الكلل ولا اليأس.

 

عالم اليوم ينقصه رجال متحمسون كبولس اكتشفوا المسيح وتحمسوا لقضيته.

 

مسيحية اليوم وكنيسة اليوم لا ينقصها علم ولا مال ولا كنائس ولا رجال ولا كهنة رغم قلتهم. ولا ينقصها شيء. ما ينقصها هو قلوب ملتهبة متحمسة شغوفة بالمسيح كبولس.

 

بولس هو: أعظم رسول لثورة الصليب، واليوم تعليم بولس هو تعليم حي، عصري، موافق ممكن أن يكون مبادئ ثورة صحيحة حقيقية ضد الظلم واللامبالاة والإلحاد وعدم الاكتراث الديني.

 

 

تقدير للكاردينال زيناري

 

في أجواء الاحتفال بالذبيحة الإلهية في عيد اهتداء القديس بولس، انتهز سيادة المطران حنّا جلوف، النائب الرسولي للكنيسة اللاتينية في سورية، هذه المناسبة ليعبّر عن مشاعر التقدير والامتنان تجاه الكاردينال ماريو زيناري، السفير البابوي في سورية، بمناسبة انتهاء خدمته الرسولية في البلاد.

 

وقد قدّم المطران جلوف هدية رمزية إلى الكاردينال زيناري باسم الكنيسة اللاتينية والرهبانيات والمؤمنين المنتمين إليها، عربون وفاء وامتنان لما بذله من جهود رعوية ورسولية طوال سنوات خدمته، مؤكداً أن الكنيسة في سورية ستظل تحمل له في قلبها ذكرى طيبة وشكرًا عميقًا على حضوره الأبوي ورسالة المحبة التي جسّدها بين المؤمنين.

 

فيا أيها القديس بولس أنر قلوبنا كي نسير على دربك بإيماننا بأن المسيح هو كل شيء في كل شيء. آمين