موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، قداس أحد القيامة في كنيسة القيامة. وفي عظته أكّد أنّه في القبر المقدّس لا نقف أمام رمزٍ بل أمام خواءٍ حقيقيّ يعلن عن سرّ القيامة. فالقبر الفارغ ليس غيابًا بل إعلانًا بأن الله لا يُحاصر في توقعاتنا، وأن القائم من بين الأموات لا نجده حيث وضعناه، بل يسبقنا ويدعونا إلى الخروج من منطق الخوف واليقينيات المغلقة نحو رجاءٍ جديد. «نحن لا نحمي الله، بل الله يحرّرنا»، وهكذا يبدأ الفصح لا كتفسير بل كتحوّلٍ يزعزع قلوبنا قبل أن يعزّيها.
وأكد أن قيامة المسيح ليست فكرة بل حياة جديدة تُدعى إلى أن تُعاش: «ليس من يبقى في القبر منطق الإيمان»، بل من يقوم ويتحرّك. فالحجر المدحرج والأكفان المطويّة يعلنان أن لا شيء نهائي، وأن الموت لم يعد الكلمة الأخيرة. ومن أمام القبر الفارغ وجّه غبطته النداء: أن نخرج من قبور اليأس والاستسلام، ونعيش كأبناء القيامة، لأن المسيح قام وهو يتقدّمنا دائمًا إلى الحياة والرجاء والسلام.
أيها الإخوة والأخوات،
هنا، داخل هذا القبر المقدس، لا نقف أمام رمزًا، بل خواءً حقيقيًا؛ خواءً لا يعبّر عن غياب، بل إعلان. فراغٌ يزعجنا، لأنه ينتزع من أيدينا ما نرغب التمسك به. هكذا يبدأ عيد الفصح: لا بتفسير، بل بانتزاع؛ لا باندفاع عاطفي، بل بسؤالٍ يثير الحيرة.
يحثّنا إنجيل اليوم على التحرك. تصل مريم المجدلية «في الصباح الباكر»، عندما لا يزال الظلام مخيّمًا. وتتجه إلى المكان الذي تعتقد أنها ستجد فيه يسوع. إنها لفتة مفعمة بالحب، ولكنها أيضًا محكومة بالعادة: فهي تبحث عنه حيث تركته، حيث وضعه الموت. فتجد الحجر قد دُحرج، والقبر مفتوحًا، والأهم من ذلك أنها لا تجد جسده. عندها تنطق بعبارة تُعدّ، في جوهرها، مصدر كل إيمان حقيقي: «لا نعلم» (يو 20: 2)..."لا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه".
هنا ندرك حقيقة عيد الفصح الذي يتحدى ويستفز تفكيرنا: في هذا المكان الأكثر قداسة، والأكثر هشاشة في ذاكرة الإيمان المسيحي، الله لا يمكن التحكم به. القائم من بين الأموات ليس حيث توقعناه، ولا يقتصر على حدود يقيننا البشري، بل ينهض ويسير أمامنا. هذه هي الرسالة الأساسية لعيد الفصح: نحن لا نحمي الله، بل الله هو الذي يحرّرنا من قيودنا.
نحن نريد إيمانًا لا يهزّ معتقداتنا، نريد أن نجد يسوع "أين وضعناه": داخل تصوراتنا وكلماتنا، وفي أطرنا الدينية التي تتحوّل أحيانًا إلى قيود حنين تكبّلنا. لكن في عيد الفصح، يفعل الله شيئًا لم نتوقعه: يختفي من القبر، ليس ليهرب، بل لينقذنا من فهم خاطئ مفاده أن الإيمان شيء يمكن امتلاكه، أو التحكم فيه، أو عرضه كدليل للآخرين.
لهذا تركضُ مريم، ولهذا يركضُ بطرسُ والتلميذُ الآخر. فالإيمان، حين يكون حقيقيًّا، لا يبقى ساكنًا، بل يدفع إلى الحركة، كبحثٍ عن غيابٍ بدأ يتحوّل إلى وعد.
يدخلون القبر، فيرون علاماتٍ واضحة: اللَّفائف، والمنديل—كلّ شيء موضوع بعناية. هذه ليست تفاصيل ثانوية، ولا مجرّد تزيينٍ للمشهد، بل رسالة واضحة: لم يعد الموتُ ثوبًا يُخفي، بل ثوبًا طُويَ عن قصد، ولم تَعُد هناك حاجةٌ إلى ارتدائه.
وكأنّ الإنجيل يقول لنا: انظروا جيّدًا، فالقيامة ليست حدثًا غامضًا أو سحرًا، بل بدايةُ حرّيةٍ جديدة. لم يُخرَج يسوع من القبر، بل خرج بنفسه. لم يعد الموتُ، بالنسبة إليه، سجنًا، بل صار شيئًا متروكًا خلفه—كثوبٍ مطويّ، لا سلطان له.
وهنا، ونحن نقف أمام القبر المقدّس، يكلّمنا هذا الواقع بقوّة. فهناك حجارةٌ ما زالت تخنق الحياة، وهناك أحكام “حتمية” نُطلقها بسرعة: نقول إن الفشل لا مفرّ منه، وإن الجرح لا يُشفى، وإن الذنب والخوف والكراهية والعزلة مصيرٌ لا يمكن تجاوزه.
لكنّ قصة الفصح المجيد تكشف لنا أمرًا آخر: الحجر ليس مجرّد حجر، بل رمز لكلّ ما نظنّه نهائيًا ومسدودًا بلا منفذ. ومع ذلك، تأتي قيامة الرب لتقول لنا بوضوح: ليس الأمر كذلك.
لا تعدنا قيامة الرب بحياة سهلة، بل تعدنا بحياة حرة. ولهذا، غالبًا ما يضطر الله أولًا إلى أن يسلب قناعتنا الراسخة. وهكذا تثير قيامة الرب الاضطراب في نفوسنا قبل أن تُعزّينا وقبل أن تملئنا، تجردنا من ذواتنا؛ قبل أن تعطي، تنتزع. تنتزع منّا فكرةَ إلهٍ يمكن تقييده بتفكيرنا البشري، وتحرّرنا من دينٍ محصورٍ في العادات والتقاليد، ومن رجاءٍ لا يجرؤ على المخاطرة.
وعندها نفهم كلمات بولس إلى أهل قولسّي: "فاسعَوا إلى الأمور التي في العُلى" (كول 3: 1). هذا لا يعني التخلي عن حياتنا على الأرض، ولا عدم الاكتراث الى آلام العالم، بل يعني ذلك تغيير محط أنظارنا: أن لا نعيش ونظرنا مثبت على القبور – حتى قبورنا الداخلية – والتعلّم كيف نعيش كأبناء القيامة، قاموا من الموت بالحق لأن الكتاب يقول: "حياتُكم مُحتَجِبَة مع المسيح في الله" (كول 3: 3)، أي أن حياتكم لا تقتصر على خطاياكم، ولا مخاوفكم، ولا خساراتكم، بل هي محفوظة مع القائم من بين الأموات، في الله. ولهذا السبب بالذات يمكنها أن تنفتح من جديد الى الحياة، هنا وفي هذه اللحظة.
كما أن القراءة الأولى، من سفر أعمال الرسل، تعطينا مفتاحًا آخر: يعلن القديس بطرس أن يسوع قد مرّ وهو يصنع الخير، وأنه قُتل، وأن الله أقامه؛ ويضيف أن هذه البشارة هي للجميع، دون تمييز:" اللهَ في الحَقيقةِ لا يُفَضّلُ أحدًا على أحدٍ" (أع 10: 34). لا يوجد شعب، ولا لغة، ولا تاريخ مستبعد عن هذا الرجاء. فإذا تم التغلب على الموت، إذاً لا يوجد حياة ضائعة بحيث لا يمكن استعادتها. عيد قيامة الرب هو عيد عالمي لأن حدث في مكان معروف وحقيقي – هنا – ولهذا السبب بالذات يمكنه أن يصل بشكل ملموس إلى العالم بأسره.
هذه ليست فكرة مجردة. نحن نقف في المكان الذي رُفع عنه حجر القبر، ومع ذلك نعلم جيدًا أن هناك حجارة كثيرة لا تزال تحيط بنا وتخنقنا. فقد تم حفر العديد من القبور بفعل الكراهية والعنف والانتقام. وفي هذه الأرض المقدسة، التي هي أم الإيمان والتي أصبحت أيضًا محط صراع مستمر، يتردد السؤال بقوة درامية: "لا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه؟". يبدو كأننا نعيد وضع الرب في القبر كلما اعتقدنا أن الموت له الكلمة الأخيرة في تاريخنا، وكلما استسلمنا لمنطق العدو؛ كلما أطلقنا كلمة "سلام" على هدنة مسلحة، و"العدالة" على عملية استرداد ما سُلب.
لكن عيد الفصح يقول لنا: إن القائم من بين الأموات لا يخضع لاستراتيجياتنا البشرية في الدفاع عن الحياة. فهو ليس محدود في منطقنا ولا في خوفنا. لقد خرج بالفعل، وهو يسبقنا. يسبقنا في الشجاعة على البدء من جديد، وفي التعرف عليه في الآخر، وفي نزعِ العنف من القلب قبل انتزاعه من اليد. لذلك، بينما لا تزال أصوات الموت تعصف من حولنا، لا نملك سوى هذا القبر الفارغ كسلاح: يُعلن أن لا شيء نهائي، وأنّ الكلمةَ الأخيرة ليست لصُنّاعِ الموت، بل لِمَن ينهضون من جديد. لقد قام الرب، وهذه ليست فكرة بعيدة، بل تمرد على الاستسلام. إنه الرجاء الوحيد الذي يمكنه، هنا والآن، أن يفتح باب السلام الحقيقي.
وهنا يكمن التحدي الثاني الذي يقدمه لنا عيد الفصح وهو: أن القائم من بين الأموات ليس مجرد محط للعبادة؛ بل هو حي ويدعونا. لا ينبغي أن نكتفي بالنظر إليه والتأمل في حياته، بل يجب أن نتبعه. لا ينبغي أن نعيق عمله فينا، بل يجب أن ندعه يسبقنا ويسير أمامنا. حتى مريم كان عليها أن تتعلم ذلك، وحتى التلاميذ كان عليهم أن يتعلموا ذلك. واليوم، القائمين في هذه الأرض المقدسة، المختومة بمحطات من حياة المسيح، علينا أن نتعلم ذلك بروح من التواضع: فحتى الأماكن المقدسة يمكن أن تتحول إلى متاحف إن لم تصبح مكانًا للخروج من العبودية، والليتورجيا يمكن أن تتحول إلى مجرد روتين إن لم تولد التوبة في قلوبنا، والإيمان بالرغم من حقيقته يمكن أن يصبح عقيمًا إن لم يتحوّل إلى شجاعة حقيقية.
لهذا السبب في هذا اليوم المبهج ومن أمام القبر الفارغ، أود أن أذكرنا بعبارة واحدة وهي: أن القائم من بين الأموات ليس حيث وضعناه: إنه يتقدمنا. إنه يتقدمنا عندما يدعونا للخروج من قبورنا: ليس فقط قبور الموت الجسدي، بل قبور الاستسلام، والمصالح الشخصية، والحياد. إنه يسبقنا عندما يدعونا للتوقف عن حصر الناس بأخطائهم، أو التاريخ بأوجاعه، أو أنفسنا في إطار تاريخ خطايانا. إنه يتقدمنا عندما، حتى لا يعطينا إجابة جاهز بل يقودنا في رحلة بحث مستمرة.
وعندها نفهم أيضًا معنى علامات القبر الفارغ: الحجر المدحرج، والأكفان المطوية، والقبر المفتوح. إنها رسالة تركت خصيصًا لنا: لم يعد بإمكان أي أمر أن يحد الحياة. لا يتعلق الأمر بـ«النظر إلى السماء» للهروب من الأرض، بل بالنظر إلى الأرض بأعين جديدة، بنظرة من أدرك أن ما بدا ك «نهاية»، هو بالفعل «بداية».
عيد الفصح ليس عبارة نكررها؛ إنه باب يجب أن نعبره. لقد دُحرج الحجر. اصبح الطريق مفتوحًا، لكن علينا أن نقرر ما إذا كنا سنبقى في الداخل أم سنخرج.
الخروج يعني: اختيار الغفران عندما يكون من الأسهل أن نقسّي قلوبنا؛ واختيار قول الحقيقة عندما يكون من السهل أن موافقة الآخرين؛ واختيار الرجاء عندما يشير كل شيء إلى عكس ذلك؛ واختيار فعل الخير على مثال يسوع الذي «كان يجول يفعل الخير»، حتى لو يقدر أحد ذلك.
لأن هذا هو الحكم الذي يصدره قيامة الرب علينا: لا يسألنا إذا كنا نعرف كيف نتحدث عن عيد الفصح؛ بل يسألنا إن كنا نعيش كأبناء القيامة. لا يسألنا إن كانت كلماتنا ملائمة، بل إذا ما زالت نفوسنا حية. لا يسألنا إن كنا نعرف كيف نجد الله في الأماكن المقدسة فقط، بل إن كنا ندرك حضوره الحي من حولنا وفي حياتنا اليومية، حيث تتقاطع الحياة والموت كل يوم.
وهكذا، مرة أخرى، هنا في القبر المقدّس، في النقطة نفسها التي تغيّر فيها مسار التاريخ، لا نكتفي بإلقاء كلمات مجاملة للمناسبة. بل نتخذ قرارًا. ونعلن إعلانًا يتجاوزنا ويسبقنا: المسيح قام! ولأنه قام من بين الأموات، فلن نجده أبدًا في المكان الذي وضعناه فيه. بل سنجده أمامنا، يدعونا للخروج من قيودنا.
أتمنى لكم فصحا مجيدا!