موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إذا كانت التكنولوجيا تحفظ ما هو مرئي، فإن مهمة الإنسان تبقى الحفاظ على ما هو غير مرئي، أي الذاكرة، حيّةً ومتجددة. فلم تحظَ إلا قلّة من الحبريات بهذا التأثير الكبير على الذاكرة الجماعية المصوّرة للعصر الحديث كما حظيت بها حبرية كارول فويتيوا.
فعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، رافقت الصور خدمة البابا يوحنا بولس الثاني، ووثّقت لقاءات تاريخية ورحلات ومحطات حاسمة في تاريخ الكنيسة. ومن أجل ضمان الحفاظ الدائم على هذا الإرث البصري الاستثنائي وإيصاله إلى الأجيال المقبلة، أطلقت دائرة الاتصالات في الفاتيكان عملية شاملة لأرشفة هذا الأرشيف وترميمه.
يوثّق الأرشيف حبرية القديس يوحنا بولس الثاني الممتدة 27 عامًا بكثافة استثنائية. فهو لا يضم فقط صور 104 رحلات رسولية و146 زيارة راعوية، بل يشمل أيضًا عددًا لا يُحصى من اللقاءات العامة والاحتفالات الليتورجية واللقاءات مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم.
ويبلغ عدد الصور المحفوظة أكثر من 4.7 ملايين صورة فوتوغرافية، وهي شهادة استثنائية على حبرية اتسمت بحضور دولي واسع ومميز. كما يعكس العدد الهائل من الصور تنامي أهمية التصوير الفوتوغرافي في نقل رسالة البابا وأعماله إلى العالم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
تعود بدايات الأرشيف إلى عام 1977. ففي ذلك الوقت، ولتلبية الاحتياجات المتزايدة لصحيفة الفاتيكان «لوسيرفاتوري رومانو»، أُنشئ استوديو تصوير مؤقت في غرفتين صغيرتين، كانت إحداهما تقع حتى تحت درج. ومن هذه البداية المتواضعة، نشأ عبر السنوات أحد أهم الأرشيفات الفوتوغرافية في تاريخ الكنيسة الحديث.
ويشمل المشروع عدة مراحل مترابطة؛ تبدأ بتحويل الأفلام والصور الفوتوغرافية الأصلية إلى صيغة رقمية، مع فهرستها علميًا، ثم اختيار الصور وفق معايير تحريرية، قبل الانتقال إلى ترميم المواد الأصلية وحفظها في ظروف مناسبة وتأمينها على المدى الطويل. وعند الحاجة، ستُجرى أعمال ترميم خاصة للحفاظ على الأفلام الفوتوغرافية الأصلية المتضررة.
ويشارك في هذا المشروع، إلى جانب دائرة الاتصالات، المصوّر الفوتوغرافي والقيّم الفني الفاتيكاني فرانشيسكو سفورتسا، الذي رافق بعدسته حبريات البابوات من بولس السادس حتى لاون الرابع عشر. كما يساهم في المشروع مركز الترميم المرموق «إيمّاجيني ريتروفاتا» التابع لمؤسسة الأفلام في بولونيا، الذي يتولى التنسيق العلمي وأعمال الترميم، إضافة إلى شركة بُكاب التي توفر التكنولوجيا اللازمة لتنفيذ عملية الرقمنة.
يحمل المشروع، إلى جانب البعد التقني للرقمنة، أهمية رمزية كبيرة أيضًا. فقد وصف باولو روفيني، عميد دائرة الاتصالات في الفاتيكان، المبادرة بأنها «تعبير عن الانتقال من العالم التناظري إلى العالم الرقمي». وأوضح أنه في عصر تلعب فيه الصور دورًا أساسيًا في تشكيل الذاكرة الثقافية، هناك خطر أن تتلاشى الذكريات التي لا تمتلك شهادات بصرية تحفظها.
وشدد روفيني على أن التكنولوجيا الحديثة لا ينبغي أبدًا أن تُستخدم بمعزل عن الخبرة الإنسانية والذكاء البشري، مؤكدًا أن نظرة الإنسان تبقى عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه، ولا سيما في مجال التصوير. وأضاف عميد الدائرة الفاتيكانية أن الحفاظ على إرث الذين سبقونا أمر مهم، لأن المستقبل يُبنى من خلال النظر إلى الماضي.
من خلال رقمنة أرشيف صور القديس البابا يوحنا بولس الثاني، سيولد أرشيف رقمي فريد لذاكرة الكنيسة. فملايين الصور التي طبعت حقبة كاملة لن تُحفظ فقط بصورة دائمة، بل ستصبح متاحة مستقبلًا للباحثين ووسائل الإعلام والمهتمين حول العالم، كشهادة حيّة على حبرية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.