موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الأربعاء، ٦ مايو / أيار ٢٠٢٦
الحرس السويسري البابوي: زيّ النهضة بين التاريخ وإعادة الابتكار

أبونا :

 

يتميّز الحرس السويسري بزيّه الشهير ذي الخطوط الزرقاء والحمراء والصفراء، وبأكمامه المنتفخة وخوذته المزينة بالريش، وهي صورة أصبحت جزءًا من الذاكرة البصرية العالمية للفاتيكان. وقد ارتبط هذا الزي، في تقليد شائع، باسم ميكيل انجيلو بوناروتي، غير أن المعطيات التاريخية المتوافرة تشير إلى رواية مختلفة أكثر دقة، تعود إلى بدايات القرن العشرين.

 

فبحسب مصادر الحرس نفسه، فإن تصميم الزي الحالي يُنسب إلى القائد جولي ريبوند، الذي تولّى القيادة بين عامي 1910 و1921، وشرع في صياغة نموذج جديد للزي في مطلع القرن العشرين، قبل أن يُعتمد رسميًا عام 1914. وقد اعتمد ريبوند، وهو ضابط ذو تكوين عسكري ومهتم بتاريخ الجيوش وأيقونات عصر النهضة، على دراسة دقيقة للمصادر البصرية، ليقدّم تصورًا تاريخيًا مستلهمًا من فنون النهضة، دون أن يكون مطابقًا لشكل موحّد أو موثّق من القرن السادس عشر. ويصف بعض الباحثين هذا العمل بأنه مثال على «ابتكار التقليد»، أي بناء حديث يستحضر الماضي ويعيد تشكيله بصيغة رمزية.

 

ويُعدّ فن رافائيل، ولا سيما لوحة «قداس بولسينا» في غرف الفاتيكان، من أبرز المرجعيات التي استُلهم منها التصميم، حيث تظهر فيها الشخصيات بملابس تتضمن سراويل واسعة عند الركبة وجُبَبًا ضيقة حتى الورك، وهي عناصر جرى تطويرها لاحقًا لتشكّل أساس الزي المعاصر.

 

تاريخيًا، تعود بدايات الحرس إلى عام 1506، عندما دخل أول فوج من السويسريين إلى روما بطلب من البابا يوليوس الثاني، وكان أفرادهم يرتدون في ذلك الوقت ملابس عسكرية اعتيادية تشمل القمصان الواسعة والجوارب والدروع المعدنية، إضافة إلى الرمح والسيف. أما الزي المميز الذي نعرفه اليوم، فقد جاء في مراحل لاحقة من تطور الفيلق.

 

ويرتبط تاريخ الحرس السويسري ارتباطًا وثيقًا بـ«نهب روما» عام 1527، حين قُتل 147 من الحرس أثناء دفاعهم عن البابا كليمنضوس السابع، ما أتاح له الفرار إلى قلعة سانت أنجلو. ولا يزال هذا الحدث يُستحضر سنويًا في السادس من أيار خلال مراسم أداء القسم الجديدة، بوصفه لحظة تأسيسية في ذاكرة الفيلق.

 

أما على مستوى الألوان، فيعتمد الزي على مزيج الأزرق والأحمر والأصفر، والتي تُفسَّر تقليديًا على أنها إشارة شعارية: فالأصفر والأزرق يرتبطان بعائلة ديلا روفيري، أسرة البابا يوليوس الثاني، بينما يُنسب الأحمر إلى عائلة ميديتشي. ومع ذلك، لا تقدم المصادر تفسيرًا نهائيًا وحاسمًا لاختيار الألوان هذا، الذي يُعتقد أنه يعكس عمومًا رمزية العائلات البابوية في عصر النهضة.

 

ويُعد الزي الاحتفالي من أكثر الأزياء تعقيدًا، إذ يتكوّن من أكثر من 154 إلى 156 قطعة قماش تُفصّل بدقة عالية. وقد شهد تطورًا تقنيًا في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الخوذة (الموريون) تُصنع منذ عام 2019 من مادة PVC مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، فيما بقيت عناصرها التقليدية مثل الريش والخوذة المعدنية جزءًا أساسيًا من المناسبات الرسمية الكبرى.

 

وبالإضافة إلى الزي الملوّن، يعتمد الحرس نظامًا متكاملاً من الأزياء بحسب الوظيفة والسياق: فهناك الزي الأزرق الداكن المخصص للتدريب والخدمة الليلية، والعباءة الثقيلة المستخدمة في الظروف الباردة أو الماطرة، إلى جانب الزي الأسود الرسمي الخاص بالضباط. كما يرتدي عازفو الطبول زيًا مميزًا بالأصفر والأسود، فيما تعتمد الوحدات الأمنية زيًا عمليًا حديثًا مصنوعًا من مواد تقنية.

 

ورغم الطابع الاحتفالي اللافت للزي، فإن الحرس السويسري يؤدي مهامًا أمنية فعلية تشمل حماية البابا، ومراقبة المداخل، وتنفيذ البروتوكولات الأمنية، والتدريب على استخدام السلاح والدفاع عن النفس. وبهذا يصبح الزي ليس مجرد عنصر رمزي أو تاريخي، بل واجهة بصرية لوظيفة أمنية مستمرة، تجمع بين الإرث التاريخي والممارسة العملية اليومية داخل الفاتيكان.