موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
زار البابا لاون الرابع عشر، صباح السبت، مركز المرافقة والاندماج الاجتماعي «بيت بخيتة» في باريس، مستهلًا اليوم الثاني من زيارته الرسولية إلى فرنسا. وأكد أن المركز يشهد أمام المدينة بأن من الممكن أن يلتقي الناس ويعيشوا معًا بكرامة وسلام، مشيدًا بجهود الأبرشية والراهبات والعاملين والمتطوعين الذين يقدمون خدمات الاستقبال والإصغاء والتنشئة والصداقة.
وفي كلمته خلال الزيارة، شدد البابا على الدور الأساسي للنساء في بناء مجتمع أكثر إنسانية، قائلًا إن اسم القديسة بخيتة «يحفّزنا على أن نعترف بدور النّساء الأساسيّ في بناء حضارة المحبّة، بدَلَ ثقافة تفتّت الجماعات وتجعل المدن مريضة بالعزلة».
وأوضح أن التاريخ لا يصنعه بالضرورة أصحاب القوة والنفوذ، بل الذين يفسحون المجال للآخرين ويعملون من أجل السلام، مؤكدًا أن تاريخ الكنيسة والبشرية «لم يكتبه الذين يبدون وكأنّهم هم المنتصرون، فيفرضون أنفسهم ويحتلُّون المكان، بل يكتبه الذين ”يتركون المكان“ ويهيّئونه لغيرهم، ويطلقون مسارات السّلام، ويولّدون الثّقة، ويشجّعون على الحياة».
وأضاف أن هذا الالتزام يتجاوز المشاعر إلى قرارات عملية واستثمارات تسير عكس التيار، مشيرًا إلى أن القديسة بخيتة تدعو إلى الاهتمام بالأشخاص الذين يتعرضون للاستعباد والتهميش، وإلى الاعتراف بكرامة كل إنسان، قائلًا: «إنّ القدّيسة بخيتة تدعونا إلى أن نرى الذي لا يُرى، وأن نحرّر الذين يجعلهم الاقتصاد والثّقافة اليوم عبيدًا، وأن نولي كلّ أخ وأخت كرامته اللامتناهية، ففيهم يقرع يسوع نفسه أبوابنا».
واستشهد البابا بإرشاده الرسولي «لقد أحببتك»، مؤكدًا أن الاهتمام بالفقراء ليس مجرد نشاط اجتماعي، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان المسيحي، إذ قال: «الواقع هو أنّ الفقراء بالنّسبة للمسيحيّين ليسوا فئة اجتماعيّة، بل هم جسد المسيح نفسه».
وأوضح، في الاقتباس ذاته، أن الإيمان بسر تجسد المسيح يدعو المؤمنين إلى التعرف إليه في الأشخاص الذين يعانون الجوع والعطش والمرض والسجن. وأشار إلى أن المسيح الفقير والمصلوب يتيح للمؤمنين اللقاء به ومحبته في الرجال والنساء الذين يدعونهم إلى الخروج من ذواتهم والتحلي بالشجاعة في ممارسة المحبة.
وتوقف البابا عند مبدأ العطاء المتبادل الذي تقوم عليه رسالة المركز، مؤكدًا أن كل إنسان قادر على تقديم شيء للآخرين، بصرف النظر عن ظروفه الاجتماعية أو المادية. وقال: «فلا أحد فقير إلى حدّ أنّه لا يملك شيئًا يعطيه. ولا أحد غنيّ إلى حدّ أنّه لا يوجد شيء لا يحتاج إليه».
وشدد على أن الحياة تزداد غنى عندما ينفتح الإنسان على حضور الآخرين، وأن الإيمان بالفداء يساعد المسيحيين على عدم البقاء أسرى المعاناة التي دخلت التاريخ، بل على إدراك إمكانية التجدد والمشاركة في الحياة الجديدة بالمسيح.
واستشهد في هذا السياق بتعليم القديس بولس الرسول حول وحدة أعضاء الجسد وتكاملها، مذكّرًا بأن الأعضاء التي تبدو أضعف هي الأشد ضرورة، وأن الله منح مزيدًا من الكرامة للأعضاء التي تفتقر إليها، لكي يهتم الجميع بعضهم ببعض.
وفي ختام كلمته، أعرب البابا عن تقديره للعاملين والمتطوعين ولجميع الذين يقدمون خدمات مماثلة في المؤسسات المنتشرة في أنحاء فرنسا. ودعاهم إلى مواصلة رسالتهم من خلال الاستقبال الأخوي والتنشئة والحوار مع المجتمع، قائلًا: «واصلوا الشّهادة على هذه العناية بعضكم ببعض التي تسمو بالرّوح وتزيد العالم إنسانيّة، وذلك بالاستقبال الأخويّ، ومسارات التّنشئة، والحوار مع المدينة».
واختتم البابا كلمته طالبًا شفاعة القديسة بخيتة وشهود المحبة الذين أسهموا في ترسيخ حضور الكنيسة في فرنسا، ولا سيما خلال مراحل التغيير والاضطرابات، مانحًا بركته لجميع الحاضرين.