موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
البابا: مليارات تُنفق على السلاح فيما يمكن استخدامها لمواجهة الجوع والسكن والبطالة
لاون الرابع عشر يدعو روسيا وأوكرانيا إلى الجلوس إلى طاولة الحوار: «هذه الحروب لم يعد لها معنى»

أبونا :

 

دعا البابا لاون الرابع عشر قادة روسيا وأوكرانيا إلى الجلوس إلى طاولة الحوار والبحث عن سبل لحل النزاع، محذّرًا من استمرار سباق التسلّح ومن الأصوات التي تعود للحديث عن الأسلحة النووية والحروب الأكثر تدميرًا، فيما تُنفق مليارات الدولارات على الصناعة العسكرية كان من الممكن توجيهها لمعالجة الجوع والسكن والبطالة وغيرها من الأزمات التي يعاني منها العالم.

 

وجاءت تصريحات البابا خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده على متن الطائرة أثناء عودته من ميتز إلى روما، في ختام زيارته الرسولية إلى فرنسا، حيث أجاب عن أسئلة الصحفيين المرافقين له، وتناول الحرب في أوكرانيا، وسباق التسلح، والذكاء الاصطناعي، وأزمة السكن، وقضايا الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، إلى جانب حصيلة زيارته إلى فرنسا.

 

 

قليلون يزدادون ثراءً من صناعة تشجّع الحرب

 

وفي حديثه عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا، شدّد البابا على مبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة، التي تدعو إلى الابتعاد عن العنف والكراهية والسلاح، محذرًا خصوصًا من عودة بعض القادة إلى الحديث عن الأسلحة النووية، ومن حروب تزداد قدرتها على التدمير، ولا سيما على صعيد الخسائر البشرية.

 

وأشار إلى استمرار التسلّح والإنفاق الهائل على الصناعة العسكرية، قائلاً إن عددًا قليلًا من الأشخاص «يزدادون ثراءً بشكل هائل من صناعة تشجّع الحرب»، فيما يمكن استخدام هذه المليارات لمعالجة مشكلات مثل الجوع في العالم والسكن والبطالة. وأضاف أن العالم يحتاج إلى صوت يقدّم طريقًا مختلفًا عن الدعوات إلى المزيد من الإنفاق على الأسلحة، لما يحمله ذلك من زيادة في التوترات وخطر اندلاع حروب ونزاعات جديدة.

 

وأكد البابا أن الكنيسة ستواصل الدعوة إلى الحوار، قائلًا إن من مسؤوليتها الدفاع عن كرامة الإنسان وأهمية الحياة، والتشجيع على توجيه مزيد من الموارد نحو الصحة والتعليم بدلًا من السلاح. وأضاف قداسته أن الكنيسة ستواصل دعوة قادة روسيا وأوكرانيا، وكذلك قادة الدول الأخرى، إلى «الجلوس والحوار والبحث عن سبل لحل المشكلات من دون الاستمرار في هذه الحروب التي لم يعد لها معنى»، مشددًا في الوقت نفسه على أن الكنيسة لا تستطيع إجبار أحد على الاستجابة لهذه الدعوة، لكنها ستواصل رفع صوتها وإعلان الإنجيل.

 

 

أزمة السكن: «ما الخلل في النظام؟»

 

وتطرّق البابا أيضًا إلى أزمة السكن، بعدما سأله صحفي إسباني عن قضية امرأة تبلغ 87 عامًا وتعاني من إعاقة، أُخرجت من منزلها في العاصمة الاسبانية مدريد بعدما لم تعد قادرة على دفع الإيجار إثر ارتفاعه بشكل كبير.

 

وأوضح لاون الرابع عشر أنه لا يعرف تفاصيل القضية، لكنه اعتبرها مثالًا يستدعي البحث عن حلول أكثر عدالة، متسائلًا عن كيفية السماح بإخراج امرأة مسنّة تعاني من إعاقة أو صعوبات أخرى من منزلها. وقال إن على الجيران والجماعة والرعية والأبرشية والدولة أن تتساءل في مثل هذه الحالات: «ما الخلل في النظام الذي يسمح بحدوث ذلك؟».

 

وربط البابا القضية بما تصفه الكنيسة بـ«ثقافة الإقصاء»، مؤكدًا ضرورة إيقاظ حسّ إنساني أكبر تجاه آلام الآخرين ومعاناتهم. وأقرّ بأن أزمة السكن أكبر من قدرة رعية أو أبرشية أو حتى الكنيسة وحدها على حلها، داعيًا القادة السياسيين والسلطات إلى البحث عن حلول، وعدم انتظار وقوع الحالات الطارئة للتحرك، بل دراسة الأسباب البنيوية التي تقف وراء تفاقم المشكلة.

 

 

الاعتداءات الجنسية: مسؤولية خاصة تقع على الكنيسة

 

وفي سؤال حول لقائه في لورد سبعة أشخاص تعرضوا لاعتداءات جنسية، قال البابا إنه طلب منهم مساعدته في إيصال استعداد الكنيسة، واستعداده الشخصي، للإصغاء إلى الضحايا والسير معهم في طريق البحث عن الشفاء، مع الاعتراف بالألم الذي تركته الاعتداءات في حياتهم.

 

وأوضح أن بعض الذين التقاهم تحدثوا عن اعتداءات «ممنهجة»، لكنه يفضّل التمييز في استخدام هذا التعبير، مشيرًا إلى وجود مؤسسات داخل الكنيسة تصرفت أحيانًا بطريقة يمكن وصفها بأنها نظام مسيء. وشدّد على أن الاعتداء الجنسي هو أولًا مشكلة إنسانية، لكنه عندما يقع داخل الكنيسة يكتسب بُعدًا إضافيًا، لأنه يجرح حياة الإيمان لدى الأشخاص وقد يؤدي أحيانًا إلى تدميرها. وأكد أن على الكنيسة مسؤولية خاصة في مرافقة الضحايا ومساعدتهم في البحث عن الشفاء، مع الاعتراف بالمسؤولية التي تتحملها في الحالات التي وقعت داخل مؤسساتها.

 

 

البابا: الدفاع عن الحياة ليس تدخّلًا في السياسة

 

وفي معرض حديثه عن مواقفه المتعلقة بقضايا نهاية الحياة خلال زيارته إلى فرنسا، رفض البابا اعتبار تعليم الكنيسة بشأن الدفاع عن الحياة تدخلًا في السياسة الفرنسية. وقال إن الكنيسة، عندما تتحدث عن الدفاع عن الحياة وعن قضايا تعليمها الاجتماعي، فإنها لا تدخل المجال السياسي الحزبي، بل تطبّق الإنجيل على حياة الناس. وأضاف أن زيارته إلى فرنسا كانت في المقام الأول لإعلان الإنجيل والبشارة، وإعادة التأكيد على ما يعلّمه المسيح.

 

وأشار إلى النقاشات الجارية في فرنسا ودول أوروبية وأماكن أخرى حول قضايا نهاية الحياة، لافتًا إلى أن لورد بصورة خاصة تكشف معنى مختلفًا للحياة، حيث يأتي المرضى وذوو الإعاقة والمتألمون بحثًا عن معنى أعمق، وتؤكد الكنيسة قربها منهم وقيمة حياتهم حتى وسط المرض والألم.

 

 

الذكاء الاصطناعي: «لست في حالة ذعر... لكن المخاوف جدية»

 

وفي ملف الذكاء الاصطناعي، قال البابا لاون الرابع عشر إنه ليس في «حالة ذعر»، مضيفًا: «أنام ليلًا»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أخذ المخاوف التي يطرحها الخبراء والمتخصصون في هذا المجال على محمل الجد.

 

ودعا إلى حوار يجمع القادة السياسيين وقادة شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات والجمعيات الاجتماعية لدراسة ما يحدث حاليًا وما يمكن أن يحدث مستقبلًا، معتبرًا أن تجاهل المخاطر والقول ببساطة إنها لن تقع ليس تصرفًا مسؤولًا.

 

وكشف أن الفاتيكان أنشأ لجنة خاصة بالذكاء الاصطناعي، بدأت بتنسيق كيفية استخدام هذه التكنولوجيا داخل الكرسي الرسولي ودراسة فوائدها ومخاطرها، قبل أن يتوسع الحوار مع جهات من مجالات متعددة. وأعرب البابا عن تفاؤل نسبي بإمكان ضبط هذه التكنولوجيا، لكنه أكد ضرورة مواصلة العمل حتى لا يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يمكن أن يهدد فيها البشرية أو «يُخرج الإنسان من الحوار».

 

 

زيارة فرنسا: «أربعة أيام مليئة بالبركات»

 

وكان البابا قد استهل المؤتمر الصحفي باستعادة أبرز محطات زيارته الرسولية إلى فرنسا، واصفًا الأيام الأربعة بأنها كانت «مليئة بالبركات»، ومشيرًا بصورة خاصة إلى زيارته لورد ولقائه المرضى والمتألمين، حيث رأى كيف يمكن لحضور الله أن يلمس القلوب ويغيّر حياة الأشخاص ويعيد الكرامة إلى المرضى والمسنين ومن يتعرضون للإقصاء في المجتمع.

 

كما توقف عند لقائه بالشباب، ولا سيما الأمسية التي جمعت نحو 80 ألف شاب وشابة في استاد فرنسا، مشيرًا إلى حماسهم وفرحهم والرجاء الذي حملوه وتلقوه، معربًا عن أمله في أن ينقلوا هذا الرجاء إلى الآخرين بعد انتهاء الزيارة.