موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
اختتم البابا لاون الرابع عشر محطاته العلنية في زيارته الرسولية إلى فرنسا بترؤس القداس الإلهي في كاتدرائية القديس إسطفانس بمدينة ميتز، حيث شدّد في عظته على أن مستقبل أوروبا لا يكمن في محو الاختلافات، بل في تحويلها إلى مصدر للوحدة والسلام، مؤكدًا أن اختيار الغفران والرحمة بدلًا من الانتقام والعنف ليس طريق ضعف، بل قوة قادرة على كسر دوامة الأحقاد.
وقبل مغادرته إلى المطار عائدًا إلى روما، أوكل البابا إلى الرب جماعة أبرشية ميتز والعالم بأسره، مستحضرًا خصوصية منطقة موزيل، الواقعة عند الحدود مع لوكسمبورغ وألمانيا، والتي شكّلت عبر التاريخ ملتقى لشعوب مختلفة، لكنها عانت أيضًا بسبب موقعها على حدود أوروبا.
وانطلق البابا في عظته من ثلاث صور يستخدمها النبي أشعيا للحديث عن ملكوت الله في إطار البر والعدل والسلام: الصحراء والبستان والبيت. وأوضح أن الصحراء، بما تحمله من بساطة وصمت، تذكّر الإنسان بأهمية العودة إلى ما هو جوهري في الحياة، ووضع الأشياء في مكانها الصحيح، وتعلّم التضحية والتخلي. أما البستان، بما فيه من ماء وبذار وبراعم وأزهار، فيعبّر عن ثمار الحياة البارة التي تتيح للإنسان أن يزدهر بحرية في السير بحسب تدبير الله.
أما الصورة الثالثة فهي البيت، مكان السلام. وأشار البابا إلى أن بناء البيت، بخلاف الصحراء والبستان، يتطلب مساهمة بشرية مباشرة وجهدًا مشتركًا. وهكذا أيضًا السلام: فهو عطية من الله، لكنه يحتاج إلى جواب وعمل من الإنسان.
وقال إن البيت ليس مجرد بناء من الحجر، بل مكان تملؤه العلاقات والمحبة، مضيفًا: «في عالم يتّسم بالمحدودية، لا يمكن بناء الانسجام إلا بالمحبة؛ محبة تعرف كيف تشارك الأفراح والأحزان، وتشجّع وتغفر، من دون حساب أو حدود، كما يحدث في العائلة».
وأشار البابا إلى أن العالم اليوم يحمل جراح العنف والتلاعب والغطرسة على مستويات مختلفة، إلا أن المسيح يُظهر للإنسان كيف يمكنه أن يحوّل «الصحارى إلى واحات، ويزرع البساتين، ويبني البيوت»، من خلال طريق الغفران والرحمة وسعة القلب. وأكد أن هذا الطريق ليس علامة ضعف، داعيًا إلى التساؤل عمّا ينتجه الانتقام والرد بالمثل والرفض في العالم وفي داخل الإنسان، وعن شكل المستقبل إذا أصبحت هذه المواقف أساسًا للكلمات والأفعال.
وقال مخاطبًا أبناء المنطقة التي عانت في الماضي من صراعات دامية: «أنتم، أبناء هذه الأرض التي مزقتها في الماضي صراعات بين الإخوة، تعرفون جيدًا أنه ليس صحيحًا أن من يسعى إلى الانتقام أقوى ممن يغفر». وأشار إلى أن تاريخ ميتز ومنطقة موزيل يبيّن أن المصالحة لا تصبح ممكنة إلا عندما يقرر أحدهم كسر سلسلة الضغينة، وأن الطريق إلى الخلاص أمام الظلم يمر بمحبة تهتم بالآخر وتواصل منحه الثقة رغم الظروف.
وأوضح أن القانون والعدل والسلام ليست مفاهيم منفصلة، بل مراحل في مسيرة تحوّل تبدأ من الإنسان شخصيًا ثم تتسع لتصبح جماعية، وصولًا إلى بناء حضارة تحترم الإنسان وخالقه. واستحضر القديس أغسطينوس الذي رأى السلام الحقيقي شركة يجد فيها البشر فرحهم بالله، ويفرح بعضهم ببعض في الله، مشددًا على أن السلام يتطلب كذلك الاعتراف بكرامة الآخر الفريدة والمقدسة واحترام دوره.
ولفت البابا إلى أن هذه القيم أسهمت على مدى قرون في بناء أوروبا، مشيرًا بصورة خاصة إلى دور الرهبنة المسيحية في نقل مبادئ أخلاقية أساسية، من بينها أولوية الإنسان، وحماية الحرية الفردية، واستقبال الغريب.
وتوقف البابا أمام رمزية كاتدرائية القديس إسطفانس ونوافذها الزجاجية الملوّنة، معتبرًا أنها تقدم صورة لما تحتاج إليه أوروبا اليوم. وقال: «تعلّمنا هذه الكاتدرائية أن نور الله لا يمحو هوياتنا الخاصة، بل يوحّد تواريخ وثقافات مختلفة في فسيفساء واحدة رائعة من السلام، وهو أمر نحتاج إليه بشدة في زمننا الذي تمزقه انقسامات وصراعات جديدة».
ومن هذه الصورة، شدّد لاون الرابع عشر على أن مستقبل أوروبا لا يكمن في التماثل، بل في «تناغم الاختلافات، حيث تصبح جراح الماضي فتحات يعبر منها النور». وأشار إلى أن نوافذ الكاتدرائية ليست مجرد عنصر جمالي، بل يمكن النظر إليها بوصفها «كتبًا» تجمع الناس حول قصص البطولة والخير والرحمة والمحبة والجمال الأخلاقي، داعيًا المسيحيين بدورهم إلى أن يكونوا شهودًا لهذه القيم بسخاء وشجاعة.
وفي ختام عظته في القداس الإلهي، أوكل البابا لاون الرابع عشر جماعة ميتز إلى شفاعة العذراء مريم وقديسي فرنسا، معربًا عن أمله في أن تكون هذه الجماعة، «اليوم أكثر من أي وقت مضى، منارة رجاء للبلاد ولأوروبا وللعالم».