موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ترأس البابا لاون الرابع عشر، مساء الخميس 8 تشرين الأول 2026، قداسًا إلهيًا في بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان، بمناسبة افتتاح العام الدراسي الجديد للجامعات الحبرية، بمشاركة الأسرة الأكاديمية الحبرية في روما من أساتذة وطلاب وباحثين.
ودعا البابا في عظته إلى أن تكون بداية السنة الدراسية أكثر من مجرد استئناف للدراسة والبحث، بل فرصة لتجديد الرسالة المشتركة في خدمة الكنيسة والإنسان، مؤكدًا أنه "لا يُعَلِّم أحد، إذًا، أو يدرس، أو يبحث من أجل نفسه فقط، بل مع الآخرين ومن أجل الآخرين، وقبل كلّ شيء مع الرّبّ يسوع ومن أجل الرّبّ يسوع".
وشدّد البابا على أهمية العقل والتفكير النقدي في مسيرة الإيمان، مستلهمًا رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية، ومحذّرًا من المعلّمين الكذبة الذين يستغلون المشاعر الدينية لتحقيق مصالحهم الخاصة، ويبالغون في التشديد على بعض جوانب التعليم على حساب جوهر الرسالة المسيحية. وقال: "اعتبروا الدراسة خدمة للإيمان وللحقيقة، من أجل خيركم وخير إخوة وأخوات كثيرين"، موضحًا أن طرح الأسئلة والبحث في ضوء كلمة الله وتقليد الكنيسة يشكّلان عنصرين أساسيين في اتباع المسيح.
وتوقف البابا عند أهمية الذاكرة الإنسانية في زمن التطور التكنولوجي، مشيرًا إلى أن العقل لا يقتصر على جمع المعطيات، كما تفعل الخوارزميات بسرعة تفوق قدرة الإنسان، بل يشمل استعادة الخبرات الحياتية وما تتركه من أثر عميق في النفس.
وحذّر من أن الروتين والطموحات والمنافسات قد تشتّت الانتباه وتُضعف الحياة الروحية، داعيًا أفراد الأسرة الجامعية إلى العودة إلى جوهر دعوتهم، وقال: "أيها الأعزاء، حافظوا على القلب! سواء كنتم طلابًا أم باحثين أم أساتذة، حافظوا على القلب".
ودعا البابا الجامعات الحبرية إلى تنمية الصداقة والبحث المشترك عن الحقيقة، والبقاء متجذّرة في شعب الله، والإصغاء إلى أسئلته واحتياجاته، ولا سيما الفقراء. وقال: "ولا تنسوا الفقراء، الذين هم أحيانًا ذلك الصديق المزعج الذي يأتي ليقرع الباب في الليل"، مضيفًا: "احملوا الحياة في الدراسة، والدراسة في الحياة». وأكد ضرورة مشاركة المعرفة وفرص التنشئة مع الآخرين، بدل الانغلاق داخل الأوساط الأكاديمية.
وفي حديثه عن تحديات العصر، تناول البابا تأثير التكنولوجيا الحديثة وتشتّت المعرفة في العقل البشري، مستشهدًا برسالته البابوية العامة الأولى "الإنسانية الرائعة"، التي تدعو إلى تعزيز الصمت والدراسة المعمقة والقراءة والمقارنة المتأنية، محذّرًا من أن غياب هذه الممارسات قد يعرّض الحرية الداخلية للخطر.
وأكد أن الدراسات اللاهوتية مدعوة إلى الإسهام في مواجهة هذه التحديات، وإقامة حوار مع مختلف مجالات المعرفة، مشيرًا إلى أن الجامعات الحبرية في روما تشكّل مساحة فريدة للقاء الثقافات والتقاليد والخبرات الكنسية القادمة من مختلف أنحاء العالم.
وفي ختام عظته، وجّه البابا نداءً خاصًا إلى الطلاب القادمين من أفريقيا وآسيا وأميركا وأوروبا وأوقيانيا، داعيًا إياهم إلى اغتنام سنوات دراستهم في روما لبناء علاقات إنسانية وكنسية تتجاوز حدود القاعات الدراسية.
وقال: "في الجامعة، انظروا حولكم: فالعالم يجلس في قاعاتكم"، مضيفًا: "لا تكتفوا بأن تجلسوا بعضكم إلى جانب بعض، بل التقوا بعضكم مع بعض، وتكلّموا بعضكم مع بعض، وأصغوا بعضكم إلى بعض"، وحثّهم على تبادل الخبرات والصلاة معًا وبناء صداقات ترافقهم طوال حياتهم.
واختتم البابا عظته بالدعوة إلى المثابرة في الصلاة، موكلًا السنة الأكاديمية الجديدة إلى شفاعة السيدة العذراء مريم، كرسي الحكمة، طالبًا أن يقود الروح القدس مسيرة الطلاب والأساتذة والباحثين في خدمة الحقيقة والكنيسة والعالم.