موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٩ فبراير / شباط ٢٠٢٥
البابا في قداس يوبيل القوات المسلحة والشرطة والأمن: كونوا شهودًا شجعانًا لمحبّة الله

أبونا :

 

"كونوا شهودًا شجعانًا لمحبّة الله الآب".

 

هذا ما أكّد عليه البابا فرنسيس خلال ترؤسه قداس يوبيل القوات المسلحة والشرطة وأفراد الأمن، اليوم الأحد 9 شباط 2025، في ساحة القديس بطرس، في حاضرة الفاتيكان، بينما كان يتأمّل في النص الإنجيلي عن أفعال يسوع الثلاثة في بحيرة جنسارت (لوقا 5: 1-11)، مشيرًا إلى أنه يمكن تحليله بثلاث طرق: لقد رأى، وصعد على متن السفينة، وجلس.

 

رجاء الله يدوم حتى وإن بدا أن كل شيء قد ضاع

 

أولاً، لفت البابا إلى أن يسوع، وبنظرة منتبهة "رأى"، حتى وسط الجموع الكبيرة، سفينتين راسيتين عند الشاطئ، وخيبة الأمل على وجوه الصيادين الذين يغسلون شباكهم الفارغة بعد ليلة من العمل غير المثمر. وأكد كيف كانت نظرة يسوع مليئة بالشفقة على أعين هؤلاء. وأضاف أنه يجب علينا ألا ننسى أبدًا قرب الله وشفقته وحنانه تجاهنا دائمًا، كما نرى في اهتمام يسوع هنا.

 

ثانيًا، وبعد أن أشار البابا فرنسيس إلى التلاميذ المحبطين، ذكّر في عظته كيف صعد يسوع على متن السفينة وطلب من سمعان أن يبتعد قليلاً عن البر، لكي يدخل إلى حياة سمعان، ويتخذ لنفسه مكانًا في خيبة الأمل والإخفاق الذي يسكن قلب هذا الرجل.

وشدّد البابا فرنسيس على أهميّة هذا الأمر.

 

وقال: لا يكتفي يسوع بمراقبة الأمور التي لا تسير بشكل جيّد، كما نفعل نحن في كثير من الأحيان، لينتهي بنا الأمر أسرى الشكوى والمرارة. بل يبادر يسوع في المقابل، فيتوجه نحو سمعان، ويقف معه في تلك اللحظة الصعبة، ويقرّر الصعود إلى سفينة حياته التي كانت عائدة في تلك الليلة بدون نجاح.

 

ثالثًا، لفت قداسته إلى أنه بمجرّد صعود يسوع على متن القارب، قد جلس وعلّم.

 

وقال: بعد أن رأى يسوع في أعين وقلوب هؤلاء الصيادين مرارة ليلة ملأها التعب بدون إصابة شيء من السمك، صعد إلى السفينة ليعلّم ويعلن النبأ السار، ليحمل النور إلى ليلة خيبة الأمل هذه، وليسرد جمال الله وسط مشقات الحياة البشريّة، وليجعل الجميع يشعرون بأنّه لا يزال هناك رجاء حتى وإن بدا أن كل شيء قد ضاع".

تحدُث المعجزة!

 

و"هكذا تحدُث المعجزة"، تابع البابا فرنسيس، "فحين يصعد الرب إلى سفينتنا حاملاً لنا النبأ السار، نبأ محبّة الله التي ترافقنا وتعضدنا دائمًا، تبدأ الحياة مجدّدًا، ويولد الرجاء من جديد، وتعود الحماسة التي فقدناها، ويمكننا أن نرمي في البحر بالشباك مجدّدًا".

 

وأشار إلى أنّ رسالة الرجاء هذه ترافقنا اليوم بينما نحتفل بيوبيل القوات المسلحة والشرطة والأمن. وبهذه الروح، شكر البابا فرنسيس الحضور على خدمتهم، كما وجّه التحيّة إلى ممثلي السلطات والجمعيات والأكاديميات العسكريّة الحاضرين، وأيضًا المرشدين.

أن تروا وتصعدوا وتجلسوا

 

وشدّد قداسته على المهمة الكبيرة الموكلة إلى أفراد الجيش والشرطة والأمن، والتي تشمل أبعادًا كثيرة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، كالدفاع عن البلدان، وضمان الأمن، وحماية الشرعيّة والعدالة، والعمل في السجون، ومكافحة الجريمة وأشكال العنف المختلفة التي تهدّد بضرب السلام الاجتماعي، والخدمات الهامة التي يقدمونها في حالات الكوارث الطبيعيّة وحماية الخليقة وإنقاذ الأشخاص في البحار، والعمل لصالح الأشخاص الأكثر ضعفًا، وتعزيز السلام.

 

وقال: "يطلب الرّب منكم أيضًا أن تفعلوا مثله: أن تروا وتصعدوا وتجلسوا. فعليكم أن تروا، لأنكم مدّعوون إلى التحلّي بنظرة متنبهة، قادرة على لمس ما يهدّد الخير العام، والمخاطر التي تحدق بحياة المواطنين، والمخاطر البيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي نتعرّض إليها".

 

"وأن تصعدوا"، تابع، "لأنّ الالتزام الذي شكّلكم، والشجاعة التي تميّزكم، والقسم الذي أديتموه، كلها أشياء تذكّركم بأهميّة ليس فقط رؤية الشرّ للإبلاغ عنه، بل الصعود أيضًا إلى السفينة وسط الرياح كي لا تغرق، وذلك في رسالة في خدمة الخير والحريّة والعدالة.

 

وأخيرًا، أشار البابا فرنسيس إلى أهميّة الجلوس، وذلك "لأنّ وجودكم في المدن والأحياء، وانحيازكم للشرعيّة، والقرب ممن هم أكثر ضعفًا، هو درسٌ لنا جميعًا، بأنّ الخير يمكنه أن ينتصر رغم كل شيء، وأن العدل والنزاهة والشغف المدنيّ لا تزال حتى اليوم قيمًا ضروريّة، وأنّه بإمكاننا تأسيس عالم أكثر إنسانيّة وعدلاً وأخوّة، رغم قوى الشر المعارضة".

دور المرشدين

 

بعد ذلك، تحدّث البابا فرنسيس عن المرشدين الذين يرافقون عناصر القوات المسلحة والشرطة والأمن. وقال: "إنّ حضور الكهنة مهمّ في وسطكم"، مؤكدًا أنّ "واجبهم -ليس كما كان في بعض الأحيان للأسف في الماضي- أن يباركوا الأعمال الحربيّة. لا!".

 

تابع: "بل إنهم في وسطكم كحضور للمسيح، الذي يريد أن يرافقكم، ويقدّم لكم الإصغاء والقرب، ويشجّعكم ويعضدكم في رسالتكم التي تواصلونها بشكل يوميّ". وباعتبارهم مصدرًا للدعم المعنويّ والروحيّ، أوضح البابا فرنسيس بأنّ الكهنة "يسيرون معكم على الطريق، مساعدين إيّاكم على تأديّة مهامكم في نور الإنجيل، وفي السعي إلى الصالح العام".

الامتنان واليقظة

 

وأعرب البابا عن الامتنان على ما يقومون به من عمل، مخاطرين بشكل شخصيّ في بعض الأحيان.

 

وقال: "نشكركم، لأنكم من خلال صعودكم إلى قواربنا التي مزّقتها العواصف، فإنكم تقدّمون لنا الحماية، وتشجّعوننا على مواصلة إبحارنا". وفي الوقت نفسه، دعاهم ألا يغيب عن أذهانهم أبدًا هدف خدمتهم وكل نشاطهم، وهو تعزيز الحياة، وإنقاذ الأرواح، وأن يكونوا مدافعين دائمين عن الحياة.

 

وأخيرًا، طلب البابا من الجميع أن يتحلّوا باليقظة.

 

وقال قداسته: "كونوا يقظين أمام تجربة إنماء روح الحرب. كونوا يقظين حتى لا تنخدعوا بأسطورة القوة وضجيج الأسلحة". وأضاف: "كونوا يقظين حتى لا تسمّمكم الدعاية التي تغرس الكراهيّة وتقسّم العالم إلى أصدقاء يجب الدفاع عنهم، وأعداء يجب محاربتهم".

 

وبدلاً من ذلك، وفي ختام عظته، ناشد البابا فرنسيس العسكريين "أن يكونوا شهودًا شجعانًا لمحبة الله الآب، الذي يريد منا جميعًا أن نكون إخوة وأخوات"، كما شجّعهم بالقول: "فلنسر معًا، لبناء حقبة جديدة، حقبة من السلام والعدالة والأخوّة".