موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في رسالته لمناسبة اليوم العالمي الثالث والستين للصلاة من أجل الدعوات، يدعو البابا لاون الرابع عشر إلى اكتشاف عطيّة الله في أعماق القلب، مؤكدًا أن الدعوة ليست فرضًا بل «مشروع محبة وسعادة» ينمو بالصلاة والصمت والإصغاء لكلمة الله. ويشدد على أن معرفة الله تبدأ من الداخل، حيث يلتقي الإنسان بحضوره، ويتعلّم أن يثق به حتى وسط الشكوك والتحديات.
ويوجّه البابا نداءً خاصًا إلى الشباب لكي يصغوا لصوت المسيح «الراعي الصالح»، ويبنوا علاقة حيّة معه، لأن الدعوة هي مسيرة نضج مستمر وليست قرارًا لحظة واحدة. فبالثقة بالله، حتى في الظلام، يمكن للحياة أن تصبح جميلة ومثمرة، وتتحول إلى رسالة حب وخدمة للكنيسة والعالم.
وفيما يلي النص الكامل للرسالة:
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أيّها الشّباب الأحبّاء،
إذ يقودنا يسوع القائم من بين الأموات ويحرسنا، نحتفل في الأحد الرّابع من الزّمن الفصحيّ، المعروف بـ”أحد الرّاعي الصّالِح“، باليوم العالميّ الثالث والسّتين للصّلاة من أجل الدّعوات. إنّها مناسبة نعمة نتشارك فيها بعض التأمّلات في معنى الدّعوة في داخلنا، لنفهم أنّ الدّعوة هي عطيّة لنا من الله مجّانيّة، وهي تُزهر في أعماق قلب كلّ واحدٍ منّا. لنسلك معًا إذًا طريق الحياة الصّالحة والجميلة حقًّا التي يُرشِدُنا إليها يسوع المسيح راعينا!
في إنجيل يوحنّا يصف يسوع نفسه حرفيًّا بأنّه "الرَّاعي الصَّالِح" (ὁ ποιμὴν ὁ καλός) (يوحنّا 10، 11)، أو الجميل. وتشير هذه العبارة إلى الرّاعي الكامل، والأصيل، والمثاليّ، لأنّه مستعدّ لأن يبذل حياته من أجل خرافه، فيُبَيِّن بذلك محبّة الله. إنّه الرّبّ الرّاعي الذي يجذب القلوب: ومن نظر إليه اكتشف أنّ الحياة جميلة حقًّا إن اتّبعناه. لكن، لكي نرى هذا الجمال، لا تكفي عيون الجسد أو المعايير الجماليّة، نحن بحاجة لذلك إلى التأمّل وإلى الحياة الدّاخليّة. الذي يتوقّف ويصغي ويصلّي ويقبل نظر المسيح الرّاعي، هو وحده يستطيع أن يقول بثقة: ”إنّي واثق به، ومعه يمكن أن تكون الحياة حقًّا جميلة، وأريد أن أسير في طريق هذا الجمال“. والأمر الغريب هو أنّه، مَن صار تلميذه، صار هو أيضًا ”جميلًا“: وتجلَّى جماله فيه. كتب اللاهوتيّ بافِل فلورنسكي قال إنّ الزّهد لا يصنع الإنسان ”الصّالِح أو الإنسان اللطيف“، بل الإنسان ”الجميل“. في الواقع، الصّفة التي تميّز القدّيسين، إلى جانب الصّلاح واللطف، هي الجمال الرّوحيّ المضيء الذي يشعّ مِن الذين يَحيَوْنَ في المسيح. وهكذا تظهر الدّعوة المسيحيّة بكلّ عمقها: فهي مشاركة في حياة المسيح، ومساهمة في رسالته، وفيهم جمالٌ من نفس جماله.
هذا التّواصل في داخل الإنسان في الحياة والإيمان والمعنى كان أيضًا خبرة القدّيس أغسطينس، الذي يعلن ويعترف بخطاياه وخطايا شبابه، في كتابه الثّالث من ”الاعترافات“، يعترف بأنّ الله "أقرب إلى نفسي من نفسي". وإذ تجاوز وعيه بذاته، اكتشف جمال النّور الإلهيّ الذي قاده في الظّلام. أدرك أغسطينس حضور الله في أعمق أعماق نفسه، وهذا يعني أنّه فهم وعاش أهمّيّة الاهتمام بحياته الدّاخليّة التي رأى فيها مساحة للعلاقة مع يسوع، وطريقًا لاختبار جمال الله وصلاحه في حياته.
هذه العلاقة تُبنى في الصّلاة والصّمت، وإذا ما نَمَّيناها واعتنينا بها، فإنّها تفتح أمامنا الإمكانيّة لقبول عطيّة الدّعوة ولنعيشها، وهي ليست أبدًا فرضًا أو مخطّطًا محدّدًا سلفًا نلتزم به ببساطة، بل هي مشروع محبّة وسعادة. الاهتمام بحياتنا الدّاخليّة: من هنا، من الضّروريّ، وبصورة مُلِحّة، أن ننطلق من جديد في رعويّة الدّعوات وفي الالتزام المتجدّد دائمًا بالبشارة بالإنجيل.
بهذه الرّوح، أدعو الجميع، العائلات والرّعايا والجماعات الرّهبانيّة والأساقفة والكهنة والشّمامسة ومعلِّمي التّعليم المسيحيّ والمربّين والمؤمنين العلمانيّين، إلى أن يزدادوا التزامًا لتهيئة مساحات ملائمة لقبول هذه العطيّة، وتغذيتها وحفظها ومرافَقتها حتّى تثمر ثمرًا وافرًا. إن استضاءت بيئاتنا بإيمان حيّ وصلاة دائمة ومرافقة أخويّة، إذَّاك فقط يمكن لدعوة الله أن تُزهر وتنضج، فتصير طريقَ سعادةٍ وخلاص لكلّ واحد وللعالم. وإذ نسير في الطّريق التي يدلّنا عليها يسوع، الرّاعي الصّالح، إذَّاك نتعلّم أن نعرف أنفسنا معرفة أفضل، ونعرف عن قرب الله الذي دعانا.
"إنّ ربّ الحياة يعرفنا، وينير قلوبنا بنظرة حبّه". في الواقع، كلّ دعوة لا يمكن أن تبدأ إلّا إذا أدركنا واختبرنا أنّ الله هو محبّة (راجع 1 يوحنّا 4، 16): هو يعرفنا معرفة عميقة، شَعر رؤوسنا كلّه مُحصًى لديه (راجع متّى 10، 30)، وسبق فرأى لكلّ واحدٍ منّا طريقًا فريدًا للقداسة والخدمة. غير أنّ هذه المعرفة يجب أن تكون دائمًا متبادلة: فنحن مدعوّون إلى أن نعرف الله بالصّلاة، والإصغاء إلى الكلمة، وبالأسرار المقدّسة، وحياة الكنيسة، والعطاء للإخوة والأخوات. وكما أنّ الشّاب صموئيل سمع، في الليل وربّما بطريقة غير متوقّعة، صوت الله وتعلّم أن يميّزه ويعرفه بمساعدة عالي الكاهن (راجع 1 صموئيل 3، 1-10)، كذلك نحن أيضًا علينا أن نهيّئ مساحات من الصّمت الدّاخليّ لنفهم ما يوجد في قلب الله من أجل سعادتنا، لا معرفة ذهنيّة تجريديّة أو عِلمًا نظريًّا، بل لنصل إلى لقاء شخصيّ يغيّر الحياة. الله يسكن في قلبنا: والدّعوة هي حوار معه في أعماقنا، فهو يدعو، بالرّغم من ضجيج العالم المدوِّي والذي قد يحدث فينا أحيانًا الصّمم، ويدعونا إلى أن نجيب بفرح حقيقيّ وبسخاء.
"لا تخرج من نفسك، ارجع إلى نفسك، في الإنسان الباطنيّ تسكن الحقيقة". هكذا يذكّرنا القدّيس أغسطينس مرّة أخرى كم هو مهمّ أن نتعلّم التّوقّف، وبناء مساحات من الصّمت في داخلنا لكي نتمكّن من الإصغاء إلى صوت يسوع المسيح.
أيّها الشّباب الأعزّاء، أصغوا إلى هذا الصّوت! أصغوا إلى صوت الرّبّ يسوع الذي يدعوكم إلى أن تَحيَوْا حياة كاملة مُنجَزَة، بتنمية مواهبكم التي منحكم إيّاها (راجع متّى 25، 14-30)، وسَمِّروا حدودكم وضعفكم في صليب المسيح الممجّد. توقّفوا إذًا في السّجود للقربان الأقدس، وتأمّلوا باستمرار في كلمة الله لتكون حياتكم في كلّ يوم، وشاركوا مشاركة فعّالة وكاملة في حياة الأسرار المقدّسة والكنيسة. بهذه الطّريقة ستعرفون الرّبّ يسوع، وفي عمق الصّداقة معه ستكتشفون كيف تبذلون ذاتكم في طريق الزّواج، أو الكهنوت، أو الشّمّاسيّة الدّائمة، أو في الحياة المكرّسة، الرّهبانيّة أو العلمانيّة؛ فكلّ دعوة هي عطيّة كبيرة للكنيسة وللذي يقبلها بفرح. معرفة الرّبّ يسوع تعني قبل كلّ شيء أن نتعلّم أن نثق به وبعنايته الإلهيّة، التي تفيض بسخاء في كلّ دعوة.
الثّقة تنبع من المعرفة، وهي موقف يولد مع الإيمان، وهي أساسيّة سواء لقبول الدّعوة أو للمثابرة فيها. في الواقع، تظهر الحياة على أنّها ثقة واتّكالٌ مستمرّ على الرّبّ يسوع، حتّى عندما تتعارض خططه مع خططنا.
لنفكّر في القدّيس يوسف، الذي وضع ثقته في الحلم الإلهيّ وقَبِل مريم والطّفل بقلب مُطيع، على الرّغم من سرّ أمومة مريم العذراء غير المتوقّع (راجع متّى 1، 18–25؛ 2، 13–15). يوسف من النّاصرة هو أيقونة للثّقة الكاملة في مخطّط الله: ظلّ واثقًا حتّى عندما بدا كلّ شيء من حوله ظلامًا وسلبيّة، وعندما بدت الأمور تسير في اتّجاه معاكس لما كان متوقّعًا. ظلّ وَاثِقًا واتّكل، على صلاح الله وأمانته. "لقد عرف يوسف، في كلّ ظروف حياته، أن يقول ”ليَكُن“، مثل مريم يوم البشارة، ومثل يسوع في الجسمانيّة".
علَّمنا يوبيل الرّجاء، أنّه يجب علينا أن نُنَمِّيَ فينا ثقة راسخة وثابتة بوعود الله، من دون أن نستسلم أبدًا لليأس، بل نتغلّب على المخاوف والشّكوك، ونحن واثقون بأنّ الرّبّ القائم من بين الأموات هو ربّ تاريخ العالم وتاريخنا الشّخصيّ: ولا يتركنا ولو في أحلك السّاعات، بل يأتي ليبدّد بنوره كلّ ظلامنا. وبفضل نور روحه القدّوس وقوّته، وحتّى في المِحَن والأزمات، يمكننا أن نرى دعوتنا تنضج، وتعكس أكثر فأكثر صلاح وجمال الله الذي دعانا، وهو صلاحٌ وجمالٌ قائم على الأمانة والثّقة، على الرّغم من الجراح والسّقطات.
في الواقع، الدّعوة ليست هدفًا لحياة جامدة، بل هي عمليّة ديناميكيّة من النّضج، يعزّزها القُرب من الرّبّ يسوع: هي أن نبقى مع يسوع، ونسمح للرّوح القدس بأن يعمل في قلوبنا وفي أوضاع حياتنا، ونعيد قراءة كلّ شيء في ضوء العطيّة التي نلناها، كلّ ذلك يعني أن ننمو في الدّعوة.
مثل الكرمة والأغصان (راجع يوحنّا 15، 1–8)، هكذا كلّ حياتنا يجب أن تُبنَى على رابطٍ قويّ وأساسيّ مع الرّبّ يسوع، لكي تصير جوابًا كاملًا على دعوته، في المِحَن وعمليّة التّقنيب الضّروريّة. إنّ ”الأماكن“ التي تظهر فيها إرادة الله بصورة خاصّة، ونختبر فيها محبّته اللامتناهية، هي غالبًا العلاقات الأصيلة والأخويّة التي نستطيع أن نبنيها خلال حياتنا. كم هو مهمّ أن يكون لنا مرشد روحيّ صالح يرافق اكتشاف دعوتنا ونموّها! وكم هو مهمّ التّمييز والتحقّق في نور الرّوح القدس، لكي تتحقّق الدّعوة بكلّ جمالها.
إذًا، الدّعوة ليست شيئًا نحصل عليه بصورة فوريّة، أو شيئًا ”يُعطى“ مرّة واحدة وإلى الأبد، بل هي مسيرة تنمو وتتطوّر على مثال الحياة الإنسانيّة، فالعطيّة التي نلناها، يجب المحافظة عليها، ويجب أن نغذِّيَها بالعلاقة اليوميّة مع الله لكي تنمو وتثمر. "هذا له قيمة كبيرة، لأنّه يضع حياتنا بأكملها أمام هذا الإله الذي يحبّنا ويسمح لنا بأن نفهم بأنّه ما من شيء يأتي نتيجة فوضى لا معنى لها، بل عكس ذلك، يمكن إدراج كلّ شيء في مسيرة هي جواب على الله، الذي يريد لنا مشروعًا رائعًا".
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أيّها الشّباب الأحبّاء، أشجّعكم على أن تنمّوا علاقتكم الشّخصيّة مع الله بالصّلاة اليوميّة والتّأمّل في كلمته. توقّفوا، وأصغوا، وثِقُوا: بهذه الطّريقة ستنضج عطيّة دعوتكم، وتجعلكم سعداء، وتثمر ثمرًا وافرًا للكنيسة وللعالم.
سيِّدتنا مريم العذراء، مثال القبول للعطيّة الإلهيّة في داخلها ومعلّمة الإصغاء في الصّلاة، لترافقكم دائمًا في هذه المسيرة!