موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
استقبل البابا لاون الرابع عشر، صباح الأربعاء 16 أيلول، في القصر الرسولي بالفاتيكان، المشاركين في المؤتمر الذي نظمته دائرة دعاوى القديسين ولجنة «الشهداء الجدد – شهود الإيمان»، تحت عنوان «القرن الحادي والعشرون: زمن جديد للشهداء؟»، مشيدًا بشهادة المسيحيين الذين فقدوا حياتهم من أجل المسيح في مناطق مختلفة من العالم.
وكان المؤتمر قد عُقد الثلاثاء في المعهد الآبائي الحبري «أوغسطينيانوم» في روما، وشكّل مناسبة لدراسة ظاهرة الاستشهاد المعاصر من خلال شهادات ومداخلات تناولت مناطق جغرافية مختلفة والأشكال المتعددة للشهادة المسيحية في عصرنا.
وفي مستهل كلمته، أوضح البابا لاون أن تسمية «الشهداء الجدد – شهود الإيمان» تشير إلى فئة أوسع، تختلف عن الشهداء الذين لا تزال دعاوى تطويبهم جارية، وعن الذين أُدرجوا رسميًا في سجل الطوباويين والقديسين.
وأشار إلى أن اللجنة، التي أنشأها البابا فرنسيس عام 2023، تهدف إلى جمع الشهادات المتعلقة بالأشخاص الذين فقدوا حياتهم من أجل المسيح، بصرف النظر عن وجود مسار قانوني كنسي لتطويبهم أو إعلان قداستهم، وذلك كي لا تضيع أمثلتهم وشهاداتهم.
وقال: «إنهم إخوة وأخوات بذلوا حياتهم من أجل الإنجيل في سياقات جغرافية وتاريخية وسياسية مختلفة»، مستذكرًا كلمات المسيح القائم قبل صعوده إلى السماء: «ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض». وأكد أن شهادة هؤلاء تظهر أن عصرنا، على الرغم من هيمنة ثقافة القوة والقوة غير المحدودة والتطور المتواصل لأنظمة الأسلحة، هو أيضًا زمن يشهد بطولة أولئك الذين وصفهم بـ«شهود الإيمان الجدد».
وتوقف البابا عند الظروف التي يفقد فيها كثير من هؤلاء المسيحيين حياتهم، موضحًا أن عددًا منهم يُقتلون نتيجة إساءة استخدام السلطة أو على أيدي منظمات إجرامية، لأنهم، بوصفهم مسيحيين، يقفون في وجه هذه المظالم باسم الإنجيل. وأوضح أن مفهوم «شاهد الإيمان» صيغ تحديدًا ليشمل ويكرّم أوضاعًا تاريخية معقدة لا يمكن فيها أن تُنسب دوافع القتلة بصورة صريحة إلى «بغض الإيمان».
ومن هذا المنطلق، شدد البابا على أن عمل لجنة الشهداء الجدد – شهود الإيمان، بدعم من دائرة دعاوى القديسين، ذو طبيعة تاريخية وتربوية وليس قانونية، إذ يركز على موقف الضحية وثباتها أكثر من تركيزه على دوافع المضطهِد. وقال موضحًا: «بعبارة أخرى، يجري التركيز على حقيقة أن الضحية بقيت أمينة للمسيح في الوفاء بالتزامها الإنجيلي، وفعلت ذلك حتى الموت».
واستذكر البابا كلمات المسيح في العشاء الأخير: «في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم!»، مؤكدًا أن شهود الإيمان استمدوا قدرتهم على المثابرة في فعل الخير والأمانة حتى بذل الذات الكامل في المحبة من انتصار الحمل المذبوح على الشر.
وأكد البابا لاون الرابع عشر أن هؤلاء الشهود يُظهرون بصورة بطولية أسلوب الحياة المسيحية، وقال: «إنهم يُظهرون بصورة بطولية أسلوب الحياة المسيحية، الذي لا يبحث أبدًا عن المواجهة، بل ينزع فتيلها بقوة الوداعة».
واستشهد بكلمات البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي «فرح الإنجيل»، الذي يؤكد أن تلميذ المسيح مستعد لأن يضع حياته كلها على المحك، حتى قبول الاستشهاد، في سبيل الشهادة ليسوع المسيح، لكن الهدف ليس صناعة الأعداء، بل قبول كلمة الله وإظهار قدرتها على التحرير والتجديد.
وشدد البابا على أن القوة التبشيرية لشهود الإيمان الجدد تمثل إحدى أعظم موارد الكنيسة لإعلان الإنجيل في عالم اليوم، مستذكرًا قول القديس البابا بولس السادس في الإرشاد الرسولي «إعلان الإنجيل»: «إن إنسان اليوم يصغي إلى الشهود أكثر منه إلى المعلمين، وإن أصغى إلى المعلمين فلأنهم شهود».
وتابع: «إن شهود الإيمان لا يقترحون أيديولوجيا، بل يُظهرون إيمانًا يُعاش في الحياة اليومية»، موضحًا أن مصداقيتهم تنبع من الانسجام بين أقوالهم وأفعالهم، وهو انسجام يصل في كثير من الأحيان إلى حد التضحية القصوى. وأضاف أنه في البيئات الثقافية التي تتسم باللامبالاة، تصبح «القداسة في الجوار» والبطولة الصامتة حججًا قوية قادرة على مخاطبة الجميع، حتى الأكثر تشككًا.
وفي واحدة من أبرز عبارات كلمته، قال البابا لاون الرابع عشر: «إننا ننظر بإعجاب إلى إخوتنا وأخواتنا هؤلاء كنجوم تتلألأ في ظلمة الأنانية والقمع. إنهم يساعدون الكنيسة على أن تعكس بصورة أكمل نور المسيح الرب، لكي تدل البشرية المعاصرة على الطريق المؤدي إلى حضارة المحبة».
وأكد أن الجميع مدعوون إلى الإسهام في «أفق الالتزام هذا، وورشة الرجاء هذه»، مشددًا على أن شهود الإيمان، من خلال بذل حياتهم في سبيل العدالة والحقيقة والسلام والحرية، أسهموا فعليًا في مجيء السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي ينتظرها المؤمنون بثقة برحمة الله.
وفي ختام كلمته، شكر البابا المشاركين على تفانيهم في أداء هذه الخدمة، معربًا عن أمله في أن تثمر أيام الدراسة والنقاش التي عقدوها، قبل أن يوكلهم إلى شفاعة مريم العذراء، سلطانة الشهداء، ويمنحهم بركته الرسولية.