موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن مساعدة الكنائس الكاثوليكية الشرقية لا تعني فقط تقديم الوسائل المادية اللازمة لبقائها، بل تشمل أيضًا مساعدتها على النمو في هويتها وقدرتها على إعلان الإنجيل، مشددًا على أن الكنائس الشرقية تحمل غنى روحيًا كبيرًا تقدّمه للكنيسة الكاثوليكية بأسرها.
وجاء كلام البابا خلال استقباله، الخميس 18 حزيران، المشاركين في الجمعية العامة لتجمّع المؤسسات لمساعدة الكنائس الشرقية (ROACO)، حيث رحّب برئيس دائرة الكنائس الشرقية الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، وبالمسؤولين والموظفين في الدائرة، وبأعضاء التجمّع الذين يعملون لمساندة الكنائس الشرقية حول العالم.
تنشئة الخدّام المكرّسين في قلب رسالة الكنائس الشرقية
وأشار البابا إلى أن موضوع الجمعية العامة لهذا العام، وهو تنشئة الإكليريكيين والرهبان في الإكليريكيات والمعاهد الشرقية، كان اختيارًا مناسبًا، لأن دعم الكنيسة لا يقتصر على المشاريع والمساعدات، بل يرتبط أيضًا بتكوين الخدّام المكرّسين المدعوين إلى نقل غناها الروحي وإعلان الإنجيل.
وقال إن الجماعات الكاثوليكية الشرقية تحفظ ثروة روحية عميقة، وتشارك بها أيضًا الكنائس الأرثوذكسية، مؤكدًا أن هذه الكنائس «تملك عطيّة كبيرة يمكن أن تقدّمها إلى كل الكنيسة الكاثوليكية»، التي قد لا تعرف دائمًا التنوع الكبير للتقاليد الكنسية الموجودة داخلها.
الكنائس الشرقية تعيد الكنيسة إلى ينابيع الإيمان الأولى
وأوضح أن الكنيسة واحدة، لكنها ليست متشابهة إلى درجة إلغاء الفروقات، بل إن تنوعها يشكّل غنى، إذ إن التقاليد الروحية واللاهوتية والطقسية المختلفة «يغني بعضها بعضًا». ولفت البابا إلى أن الكنائس الشرقية العريقة تعيد المؤمنين إلى ينابيع الإيمان الأولى، من خلال ليتورجياتها الغنية بالقداسة، وصلواتها، وتقاليدها الروحية التي تكشف جمال الإيمان.
وأضاف أن هذه الكنائس تشهد لقوة صلاة الشفاعة، وتقدّم محتويات روحية عميقة تساعد المؤمنين على التعبير عن علاقتهم بالله وفق الخصائص اللاهوتية والإنسانية الخاصة بكل تقليد. واستشهد البابا بما أكده المجمع الفاتيكاني الثاني عن العلاقة بين الشرق والغرب المسيحيين، مشيرًا إلى أن الصيغ اللاهوتية المختلفة «يجب في الغالب اعتبارها متكاملة أكثر مما هي متعارضة».
فقدان معرفة الشرق المسيحي يعني إفقار الكنيسة
وشدّد على أنه لا يمكن الحفاظ على الشرق المسيحي إلا من خلال معرفته، قائلًا إن فقدان هذه المعرفة يؤدي إلى إفقار الكنيسة نفسها، مؤكدًا على أهمية الاستثمار في التنشئة من أجل اكتشاف هذا التراث ومحبتّه.
واستذكر بتعليم القديس البابا يوحنا بولس الثاني الذي دعا إلى التعرف إلى ليتورجيات الكنائس الشرقية والتقاليد الروحية لآباء الشرق المسيحي، وتقديم تعليم مناسب عنها في الإكليريكيات ومعاهد اللاهوت، ولا سيما للكهنة المستقبليين. وأكد أن اختيار التجمّع التركيز على تنشئة الخدّام المقدسين يشكّل «علامة جميلة على اهتمام ملموس بهذه الكنائس».
الأعمال الخيرية تحتاج إلى ينبوع روحي
وتحدث البابا عن العلاقة بين المعرفة والمحبة، وبين الفكر والعمل، مؤكدًا أن خدمة الكنائس الشرقية تحتاج إلى أكثر من مجرد سخاء مادي، بل تحتاج إلى بعد روحي عميق.
وقال إن الأعمال الخيرية لا تؤتي ثمرها دائمًا ما لم تستقِ من ينبوع الخير، وهو الله، مضيفًا: «إن كان صحيحًا قبل كل شيء أنّ الإيمان بلا أعمال ميت، فهو صحيح أيضًا أنّ الأعمال بلا إيمان حيّ، هي عقيمة».
ودعا العاملين في هذا المجال إلى تنمية حياتهم الروحية، ولا سيما من خلال الصلاة والحياة الأسرارية، لكي تبقى خدمتهم متجذّرة في المسيح.
بينما أنتم تولدون الحياة، هم يزرعون الموت
وفي حديثه عن الواقع العالمي الحالي، عبّر البابا عن ألمه بسبب الأموال التي تُهدر على الحروب، في الوقت الذي تعمل فيه المؤسسات الإنسانية على خدمة المحتاجين.
وقال مخاطبًا أعضاء التجمّع: «بينما أنتم تَلِدون الحياة، هم يزرعون الموت، وبينما أنتم تمدّون أيديكم إلى الأخ، هم يبحثون عن أعداء ليسحقوهم». وأضاف أن العاملين من أجل الخير يفتحون طرق الرجاء، بينما تسعى الحروب إلى نشر الخوف وتدمير المستقبل.
نزيف المسيحيين الشرقيين وعدم الاستقرار بعد الحروب
وتوقف البابا عند معاناة المسيحيين الشرقيين وهجرتهم من أراضيهم الأصلية، مؤكدًا أن الحرب لا تحل المشاكل، بل تخلق مآسي جديدة غالبًا ما تُترك للنسيان. وأشار إلى جرح آخر ناتج عن الحروب، وهو «عدم الاستقرار»، الذي يواصل استنزاف الكنائس الشرقية والمجتمعات التي تعيش فيها.
وأوضح أن بعض البلدان التي خرجت من الصراعات قد تبدو هادئة ظاهريًا، لكنها تبقى ضعيفة بسبب هشاشة المؤسسات، ووجود جماعات مسلحة تتقاسم السيطرة على الأراضي، وتأثير مصالح خارجية تجعل الحياة السياسية غير مستقرة.
وقال إن هذه الأوضاع تخلق خوفًا وانعدامًا للأمان يطالان حياة الناس اليومية، حيث يصبح العمل غير مستقر، والأجور متقطعة، والخدمات الصحية والتعليمية ضعيفة. وأكد أن العبء الأكبر يقع على العائلات والأطفال والشباب والمسنين والمرضى، وأن هذه المآسي تلتهم الآمال وتمنع بناء المستقبل، وتدفع إلى الهجرة القسرية، ولا سيما بين المسيحيين في الشرق الأوسط.
دعوة إلى السلام والمسؤولية الأخلاقية
ووجّه قداسته نداءً للتفكير في نتائج الحرب وعدم الاستقرار، مؤكدًا أن هذه الأوضاع ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات بشرية تحمل مسؤولية أخلاقية. وقال إن شبكات العنف والهيمنة والمصالح التي تتحقق بعيدًا عن العدالة لا تؤذي الضحايا فقط، بل ترتد أيضًا على الذين يسعون إليها.
ودعا إلى الصلاة من أجل المسيح، «سيّد السلام»، وإلى تجديد احترام الإنسان والشعور بالمسؤولية تجاه البشرية. وفي ختام كلمته، شكر البابا أعضاء التجمّع والمحسنين الذين يواصلون خدمة المحتاجين باسم الإنجيل، وشجعهم على المثابرة في المحبة دون إحباط، مدفوعين برجاء المسيح.