موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكّدت سمو الأميرة دانا فراس، سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للتراث الثقافي، أن «الأردن يشكّل محطة فريدة على خارطة الحج المسيحي العالمي، وفضاءً حيًّا للتلاقي الروحي والتاريخي بين الأديان»، وذلك خلال رعايتها ندوة حول السياحة الدينية ومسارات الحج المسيحي في الأردن، في كلية عمّون الجامعية التطبيقية، احتفالاً باليوم الدولي للمعالم والمواقع (يوم التراث العالمي).
وشدّدت سموّها على أنّ هذه المناسبة تكتسب أهمية كبيرة اليوم، في ظل الظروف السائدة إقليميًا واستهداف التراث الثقافي والديني، مؤكدة أنّ «التراث مرتبط بالعدالة والكرامة والهوية والتفاهم، مما يحتّم علينا أن نقف في وجه السرديات السائدة التي تروّج لفكرة "صدام الحضارات"، لنؤكد أن هذه الأرض كانت عبر التاريخ "مهد الحضارات المتعاقبة"، وما تزال حتى اليوم نموذجًا حيًّا للتنوّع الديني والثقافي والتماسك، وقدرة المجتمعات على الصمود والتكيّف».
وأشارت إلى أن الأردن يحتضن مواقع دينية بارزة على خارطة الحج المسيحي، أبرزها موقع عماد السيد المسيح (المغطس)، جبل نيبو، مادبا، وأم الرصاص، إضافة إلى مسار الأنبياء في شمال المملكة، والذي يشمل موقع مار الياس، ومسار يوحنا المعمدان الذي يتجسّد في موقع مكاور، ما يعكس «عمق الحضور المسيحي في المنطقة»، مشيرة إلى أن هذه المواقع «ليست مجرّد خطوط على الخريطة، بل سرديات حيّة تعبّر عن التفاعل المستمر بين الإنسان والمكان».
وأكدت أهمية توثيق هذه المسارات وصونها وحفظ معانيها الروحية والثقافية، وضمان نقلها إلى الأجيال القادمة، بما يرسخ دور الأردن كمنصة للحوار بين الأديان والثقافات، مشدّدة على أنّ «تعزيز السياحة الدينية في الأردن لا يقتصر على استقطاب الزوار، بل يُسهم أيضًا في ترسيخ هذه القيم الإنسانية المشتركة، ويعزّز دور المملكة كجسر للحوار بين الثقافات والحضارات».
وختمت الأميرة دانا فراس كلمتها بالتأكيد أنّ الأردن، بإرثه الروحي والإنساني، «يبقى نموذجًا حيًّا لقدرة التراث على جمع الشعوب، وتعزيز قيم السلام والتفاهم»، داعية إلى «مسؤولية مشتركة» في مواصلة العمل على حماية هذا التراث، وتوثيقه، وتفعيله، ليبقى منارة للأجيال القادمة.
نحتفل اليوم في 18 أبريل من كل عام باليوم الدولي للمعالم والمواقع، ما يُسمّى أيضًا بيوم التراث العالمي، والذي يُعتبر مناسبة عالمية للتأكيد على القيمة الإنسانية المشتركة للتراث الثقافي، ودوره في بناء جسور التفاهم بين الشعوب.
واليوم، وفي ظل الظروف السائدة إقليميًّا واستهداف التراث الثقافي والديني، تكتسب هذه المناسبة أهميّة قصوى، فالتراث مرتبط بالعادلة والكرامة والهوية والتفاهم، مما يحتّم علينا أن نقف في وجه السرديات السخيفة السائدة التي تروّج لفكرة "صدام الحضارات"، لنؤكد أن هذه الأرض كانت عبر التاريخ "مهد الحضارات المتعاقبة"، وما تزال حتى اليوم نموذجًا حيًّا للتنوّع الديني والثقافي والتماسك، وقدرة المجتمعات على الصمود والتكيّف.
أتحدث إليكم اليوم عن الأردن، هذا البلد الذي يشكّل محطة فريدة على خارطة الحج المسيحي العالمي، وفضاءً حيًّا للتلاقي الروحي والتاريخي بين الأديان.
يحتضن الأردن مواقع ذات قدسية عميقة لدى المسيحيين في أنحاء العالم، وفي مقدمتها المغطس، موقع عماد السيد المسيح عليه السلام، ونقطة انطلاق المسيحية إلى أرجاء العالم، موقع مُسجّل على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويُعتبر المحطة الأهم في مسارات الحج التي تُشكّل إطارًأ جامعًا يربط بين المواقع المقدسة ضمن تجربة روحية وتاريخية متكاملة.
وكما تسير مياه الأردن وما تحمله من معانٍ روحيّة، تمتد هذه مسارات التجديد الروحي إلى جبل نيبو، وسيرة النبي موسى عليه السلام، ومادبا، مدينة الفسيفساء، التي توقف خرائطها المبكرة عمق الحضور المسيحي في المنطقة، والمواقع البيزنطية الغنيّة –كأم الرصاص- موقع آخر مدرج على قائمة التراث العالمي.
ويبرز في شمال المملكة مسار الأنبياء، الذي يشمل تل مار الياس، المرتبط بالنبي إيليا، والذي يعكس الامتداد الجغرافي والروحي للروايات الدينية في أرض الأردن. ولا بدّ من الإشارة إلى مسار يوحنا المعمدان، الذي يتجسّد في موقع مكاور، ويحمل دلالات دينية عميقة.
تترابط المواقع ضمن تجربة متكاملة تجمع بين الإيمان والتاريخ والجغرافيا، وهي ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي سرديات حيّة تعبّر عن التفاعل المستمر بين الإنسان والمكان، وعن استمرارية التراث عبر الزمن والتبادل الثقافي بين الشعوب.
ومن هنا تبرز أهميّة توثيق هذه المسارات كخطوة أساسية في صونها، ليس فقط من حيث تحديد مواقعها الجغرافية أو سر تاريخها، بل أيضًا في حفظ معانيها الروحيّة والثقافيّة، وضمان نقلها إلى الأجيال القادمة، وترسيخ دور الأردن كمنصة للحوار والتلاقي بين الأديان والثقافات.
وفي هذا السياق، يبرز الأردن نموذجًا يحتذى به في تعزيز قيم التعايش والحوار بين الأديان، فقد شكّل عبر تاريخه فضاءً للتسامح والاحترام المتبادل، حيث تتجاوز المقدسات الإسلامية والمسيحية في نسيج وطني واحد. إنّ تعزيز السياحة الدينية في الأردن لا يقتصر على استقطاب الزوار، بل يسهم أيضًا في ترسيخ هذه القيم الإنسانية المشتركة، ويعزّز دور المملكة كجسر للحوار بين الثقافات والحضارات.
كما أنّ تطوّر مسارات الحج الديني يفتح آفاقًا واعدة لتمكين المجتمعات المحلية، فمن خلال إشراك هذه المجتمعات في إدارة المواقع وتقديم الخدمات، يمكن خلق فرص اقتصادية مستدامة، تعزّز من ارتباط السكان بتراثهم، وتعزّز الوعي الثقافي، وتدعم استمرارية هذا التراث بوصفه موردًا حيًّا وقيمة ثقافية واقتصادية استثنائية.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمؤسّسات الأكاديمية في هذا المجال. فالجامعات ومراكز البحث العلمي مدعوة إلى الاضطلاع بدور فاعل في توثيق هذه المسارات، ودراسة أبعادها التاريخية والأنثروبولوجية، وتعزيز الحوار بين الأديان من خلال البحث والتعليم. إنّ المعرفة المؤثقة هي الأساس الذي يُبنى عليه الوعي، وهي الضمانة الحقيقية لصون هذا التراث ونقله بأمانة إلى المستقبل.
في الختام، يبقى الأردن، بما يحمله من إرث روحي وإنساني، نموذجًا حيًّا لقدرة التراث على الجمع بين الشعوب، وتعزيز قيم السلام والتفاهم. إنّ مسؤوليتنا المشتركة اليوم هي أن نواصل العمل على حماية هذا التراث، وتوثيقه، وتفعيله، ليبقى منارة للأجيال القادمة.