موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
من أوائل الذكريات التي ما زالت راسخة في طفولتي صورة والدتي وهي تساعدني، بيديها وصوتها، على رسم إشارة الصليب. كانت قد علّمت إخوتي الأكبر سنًا، وبعدي إخوتي الأصغر، وكنا جميعًا نتبعها في الحركة والكلمات عندما نستيقظ صباحًا وقبل أن نخلد إلى النوم مساءً، وعند بدء تناول الطعام، وفي كل لحظة نشعر فيها بالحاجة إلى طلب عون الله وحمايته.
إن ارتداء الصليب حول العنق، أو ميدالية تحمل صورة العذراء أو أحد القديسين، أو ارتداء الملابس الدينية، ولا سيما بالنسبة لمن ينتمي إلى أقلية في المكان الذي يعيش فيه، يُعد علامة واضحة على الانتماء إلى المسيح. أما المسيحيون المصريون، مثلي، فلديهم صليب صغير موشوم على اليد، يشير إلى الهوية المسيحية التي يكتسبها الإنسان بالمعمودية.
في القدس، تتكرر بشكل متزايد مواقف لا تُحتمل من العنف والإهانات والتعديات بحق الأماكن المقدسة والرهبان والمسيحيين. وكان الاعتداء الجسدي الذي تعرضت له راهبة فرنسية أثناء سيرها في الطريق المؤدي إلى العلية شديد الوحشية. وتُظهر الصور اعتداءً متكررًا وأكثر عنفًا على امرأة عزلاء لا حول لها ولا قوة.
كان المعتدي وحده في تلك الحادثة، لكن غالبًا ما تكون مجموعات هي من تُهين وتُضايق وتُسيء إلى رجال الدين والمؤمنين والأماكن المقدسة. إنها كلمات وإشارات وكتابات على الجدران تعكس كراهية مشبعة بالقسوة والغطرسة. وهي اعتداءات لا يمكن تبريرها أبدًا، لكنها تصبح أكثر رفضًا عندما تقع في المدينة المقدسة للديانات التوحيدية الثلاث.
القدس مدينة منقسمة ومتنازع عليها بين مؤمنين يصلّون بطرق مختلفة ويرتدون ملابس مختلفة. غير أن هذا التنوّع لا يبرر التوتر الذي ما زال يجعل حياة الجميع صعبة وغير مستقرة في شوارع وأزقة البلدة القديمة. إن التعايش السلمي ممكن إذا احترم الإنسان حياته وحياة الآخرين. والسلام ممكن أيضًا إذا سعينا إلى معرفة حياة الآخرين بصورة أفضل، وإذا بنينا علاقات بين أشخاص تتقاطع طرقهم لكنهم لا يعرفون بعضهم البعض حق المعرفة.
لقد تم هدم مدرسة مسيحية في إحدى قرى لبنان بواسطة الجرافات. وكانت المبنى الوحيد، إلى جانب دير الراهبات، الذي لم يكن قد تعرّض للقصف بعد. لكن الآليات الثقيلة أزالت معلمًا روحيًا وتربويًا كان يشكّل مرجعًا لمئات الأطفال والشبان.
باسم من، ولأي سبب، تُدمّر الأماكن المقدسة وتُدنّس، ويُهان البشر ويُذلّون، وتُداس الرموز الدينية؟ أي خطر يمكن أن يمثله مكان عبادة، أو مدرسة، أو دير؟ هل هو عنف نابع من أيديولوجيات متطرفة، أو أحكام مسبقة، أو عنصرية عمياء؟ ما الذي يُشعل هذه الكراهية تجاه بني البشر ذوي المعتقدات والخلفيات المختلفة؟
إن مثل هذه الأعمال العنيفة ليست ردًا على تصرفات المسيحيين، لأن مسيحيي الأرض المقدسة لا يردّون على الاستفزازات، بل هم مستعدون للاستقبال، ومنفتحون على الغفران، ومحبّون للقريب. وهم يفتخرون بانتمائهم إلى المسيح، ويعتزون بأنهم وُلدوا في الأرض التي شهدت أعماله على هذه الأرض وسمعت صوته وهو يعلن محبة الآب وقوة الروح القدس.
لا أعتقد أن الحروب تقع بسبب الخلافات الدينية وحدها، فالأسباب متعددة ومختلفة. لكنني أرى ضرورة مواجهة وإدانة الأحداث التي تشكّل مؤشرًا على مناخ متوتر وأوضاع قد تنزلق نحو مزيد من التدهور. إن عيش الإنجيل، واتباع تعاليم يسوع يومًا بعد يوم، والتعرّف إلى أنفسنا فيه، هي علامات تميّز المسيحي الذي يعيش إيمانه بقلب نقي وحرية حقيقية.
لقد تعرّضت الجماعات المسيحية الأولى للاضطهاد، وشهد أوائل الشهداء للسيد المسيح ببذل أرواحهم. صحيح أن الأزمنة تغيّرت، لكن الإحساس بالعيش في ظروف صعبة ومعقدة ما يزال حاضرًا بقوة. ومن الصليب، العلامة الخالدة لآلام ربنا وموته، انبثق رجاء الحياة من خلال القيامة. إن إشارة الصليب، تلك العلامة العفوية والواثقة لمن يضع ثقته في رحمة الله، هي قوتنا. فلننظر إلى الصليب الذي يساعدنا ويعضدنا ويعزّينا. وبنعمة الله، ما زلنا نرى الكثير من الصلبان في القدس.