موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٤ يوليو / تموز ٢٠٢٦
الأردن يعمل على توثيق وتعزيز وتطوير 34 موقعًا مسيحيًا في الأرض المقدسة

أبونا :

 

يسعى الأردن بوضوح إلى تعزيز موقعه كوجهة رئيسية للسياحة الدينية في الشرق الأوسط، من خلال مسح وتوثيق 34 موقعًا مرتبطًا بالتاريخ المسيحي أو ذي أهمية كتابية (تنبع من الكتاب المقدس)، وإدراجها ضمن مشروع تطوير شامل.

 

وقد أوضح وزير السياحة والآثار، الدكتور عماد حجازين، أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة الهاشمية في سوق الحج الديني الدولي، عبر رؤية متكاملة تجمع بين حماية التراث واستثماره ثقافيًا واقتصاديًا.

 

ولا يقتصر المشروع على صون المواقع الأثرية والدينية، بل يشكّل استثمارًا تنمويًا واسع الأثر، في ظل تراجع أعداد الزوار إلى مواقع الحج التقليدية، ولا سيما في القدس والأراضي المقدسة، نتيجة الصراعات وأعمال العنف في المنطقة.

 

ويتزامن الإعلان عن توثيق المواقع الـ34 مع الإطلاق المرتقب لمنصة رقمية خاصة بموقع المغطس على الضفة الشرقية لنهر الأردن، موقع معمودية السيد المسيح، إلى جانب تدريب مرشدين متخصصين في السياحة الدينية. وتشكل هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية وطنية متواصلة تحظى بدعم مباشر من الملك عبدالله الثاني والأسرة الهاشمية.

 

ويظلّ قلب المشروع هو موقع المغطس، المعروف في التقليد المسيحي باسم «بيت عنيا عبر الأردن»، والذي حظي باعتراف اليونسكو، وزاره عدد من الباباوات وقادة الكنائس حول العالم، ليصبح اليوم المركز الأبرز للحج المسيحي في الأردن. وتعمل الحكومة على تطوير البنية التحتية والخدمات المحيطة به ضمن خطة ضيافة شاملة استعدادًا لعام 2030، الذي يوافق الذكرى الألفيّة لمعمودية المسيح، بدعم من الكنائس المحلية.

 

 

مشهد متكامل لسردية الكتاب المقدس

 

وتكمن قوة الطرح الأردني في تقديم البلاد كـ«مشهد متكامل لسردية الكتاب المقدس»، حيث تتداخل روايات العهدين القديم والجديد ضمن جغرافيا واحدة. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من المواقع التي تجعل من الأردن وجهة فريدة للحج الديني والسياحة الروحية.

 

في إطار العهد الجديد، يبرز موقع مكاور، القلعة الهيرودية المطلة على البحر الميت، والتي يُعتقد أن يوحنا المعمدان سُجن فيها وقُطع رأسه بأمر من الحاكم هيرودس أنتيباس، ما يجعلها من أبرز محطات السرد الإنجيلي.

 

كما يُعد جبل نيبو من أهم المواقع، إذ تشير الرواية التقليدية إلى أن النبي موسى أطلّ منه على الأرض المقدسة قبل وفاته. ورغم انتمائه للعهد القديم، فقد أصبح الجبل مقصدًا للحج المسيحي، بفضل بقايا الكنيسة البيزنطية والفسيفساء التي اكتشفها علماء الآثار الفرنسيسكان من حراسة الأراضي المقدسة، حيث تمتد الرؤية في الأيام الصافية حتى القدس وغور الأردن.

 

وتبرز مدينة مادبا أيضًا كركيزة رئيسية في التراث الديني الأردني، حيث تضم كنيسة القديس جوارجيوس خريطة مادبا الفسيفسائية الشهيرة، أقدم خريطة جغرافية باقية للأراضي المقدسة تعود إلى القرن السادس الميلادي.

 

كما لا يمكن إغفال مدينة جرش (جراسا)، التي احتضنت مجتمعات مسيحية مزدهرة منذ القرون الأولى، إضافة إلى أم قيس (جدارا) إحدى مدن الديكابوليس. وفي أم الرصاص (ميفات)، كُشف عن بقايا كنيسة القديس إسطفانوس التي تضم واحدة من أبرز اللوحات الفسيفسائية في الشرق الأوسط، فيما تحتفظ البتراء، إلى جانب إرثها النبطي، بآثار مسيحية من الحقبة البيزنطية.

 

وتوجد كذلك إشارات ذات طابع روائي تاريخي في أسماء بعض المواقع، مثل «عين موسى» و«جبل هارون» قرب البتراء، فيما تُعد القلاع الصليبية على طريق الملوك، مثل الكرك والشوبك، من أبرز المعالم ذات القيمة التاريخية.

 

أما نهر الأردن فيشكّل خيطًا جامعًا للسردية الدينية، إذ ارتبط بعبور شعب العهد القديم، وبالأنبياء إيليا وأليشع، ثم بخدمة يوحنا المعمدان ومعمودية السيد المسيح، ليغدو عنصرًا جغرافيًا يربط بين العهدين القديم والجديد بصورة فريدة.

 

ويهدف الأردن من خلال هذه الاستراتيجية إلى الانتقال من كونه محطة ضمن مسارات الحج التقليدية في الأرض المقدسة، إلى وجهة مستقلة للحج المسيحي العالمي، ذات هوية دينية متميزة، ومرجعية في حفظ الذاكرة الكتابية في الشرق الأوسط المعاصر.