موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بالتزامن مع افتتاح البابا فرنسيس يوبيل الرحمة، في عيد الحبل بلا دنس، تم الاحتفال في مزار العذراء سيدة الجبل، ببلدة عنجرة، شمال الأردن، أمس الخميس، بافتتاح باب الرحمة المقدس، وذلك خلال القداس الاحتفالي الذي ترأسه المطران مارون لحّام، النائب البطريركي للاتين في الأردن، بمشاركة الأب هوجو لانيس، كاهن الرعية ورئيس المزار، وكهنة جمعية الكلمة المتجسد، وحضور لفيف من الراهبات والمؤمنين من مختلف مناطق المملكة.
وكان البطريرك فؤاد الطوال، بطريرك القدس للاتين، قد أعلن في رسالته الراعوية الأخيرة عن اختيار باب مزار سيدة الجبل ليكون باباً مقدساً خلال سنة الرحمة اليوبيلية في الأردن. فيما من المنتظر أن يكون هنالك قداس آخر لافتتاح اليوبيل في عمّان، يوم غد السبت، 12/12، في كنيسة القديس يوحنا دي لا سال، الكائنة في منطقة جبل الحسين، تمام الساعة السابعة مساءً.
يذكر أن المزار المريمي "سيدة الجبل" قد تأسس من قبل الأب الراحل يوسف نعمات، من كهنة البطريركية اللاتينية، كتكريم للسيدة مريم العذراء. وتعود أهمية المزار، بحسب التقليد المسيحي، نسبة إلى مرور السيد المسيح وأمه العذراء من تلك البلدة، وارتاحا في مغارة في جبال عجلون، بالقرب من المزار، الذي يقع في تلال جلعاد في شرقي وادي الأردن. ومن التقاليد المسيحية أيضاً أن السيد المسيح ألقى عظة حول قدسية سر الزواج المبارك من هذه المنطقة. ويعتبر الحج إلى هذا المزار سنوياً في شهر حزيران من كل عام.
وفيما يلي النص الكامل لعظة المطران لحّام:
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،
نحتفل اليوم بافتتاح سنة الرحمة التي أرادها البابا فرنسيس للكنيسة جمعاء. وكلمة "الرحمة" من الكلمات الرئيسة في خطابات البابا فرنسيس في تصرّفاته اليوميّة وفي سياسته العامة في الكنيسة وفي العالم، وقد ظهر ذلك جليًّا في سينودس العائلة التي عُقد في روما في شهر تشرين أول الماضي. هنالك برنامج عام لسنة الرحمة سيتم الإعلان عنه لتطبيقه في مختلف الرعايا أثناء هذه السنة، ومنها نشرة شهرية كالنشرة التي كانت تُرسل إلى الرعايا حول سنة العائلة. نشرة تركّز على أعمال الرحمة الروحية والجسدية، مع بعض التطبيقات العملية التي يمكن للرعية أو للمؤمنين منفردين أن يقوموا بها. وقد تم إرسال أول نشرة عن شهر كانون أول لجميع الرعايا وسيتم توزيعها عليكم في نهاية القداس وهي تتناول إطعام الجياع وإرواء العطاش، وهما من أعمال الرحمة الجسدية، لنبدأ بعيشها على المستوى الفردي والجماعي.
ماذا نقول عن الرحمة؟
أولا: الله رحيم ويرحمنا جميعًا، وقد أظهر لنا رحمته من خلال وجه يسوع الإنسان. في وجه يسوع أصبحت رحمة الله مرئية. الله محبة والله رحمة، خلقنا عن محبة وفدانا عن رحمة. وهو ما يزال يرحمنا في كل لحظة من لحظات حياتنا، مهما صنعنا. حتى لو ابتعدنا نحن عنه، فهو لا يبتعد عنا ولا يتركنا. هذا ما فعله يسوع المسيح مع الخطأة إذ استقبلهم وغفر لهم. ولما شكا بعض المرائين من رحمته قال لهم: "إنما أريد الرحمة لا الذبيحة. فإني ما جئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين". لهذا السبب، كما أنه علينا أن نكون كاملين كما أن أبانا السماوي كامل، هكذا علينا أن نكون رحماء كما أن أبانا السماوي رحيم. قال يسوع في خطبة الجبل: "طوبى للرحماء فإنهم يُرحمون".
ثانيا: الرحمة مع القريب. لأنه كما أن الله يُطلع شمسه على الأخيار والأشرار، هكذا علينا أن نهتم بالقريب، ونبحث عن كل أخ وأخت لنا متروكين أو مُبعدين، فنهتمّ بهم ونسير معهم ونسندهم في الطريق. الرحمة مع القريب هي البحث عن المنسيّين والمهمَلين والذين جنى عليهم الدهر. يجب أن نكون إلى جانبهم: الفقراء أو المتسولون في الشوارع مثلا: الرحمة هي أن نرى كرامتهم التي وهبهم إياها الله، ثم دمّرها الناس أو دمّروها هم بأنفسهم. الرحمة هي أن نتعامل مع الناس تعاملنا مع الله. قال يسوع المسيح: "كلّما فعلتم ذلك لإخوتي هؤلاء الصغار في قد فعلتموه".
ثالثا: الرحمة مع أنفسنا: لا تنطبق الرحمة على الآخرين فقط، بل تنطبق على أنفسنا. فنحن بحاجة إلى الدخول في أعماقنا، لأننا نعيش في بعض الأحيان خارج أنفسنا، كما كان يقول القديس أغسطينوس: "أنت كنتَ في نفسي يا الله، وأنا كنتُ خارج نفسي". يجب أن نرحم أنفسنا لأن هناك في مشاعرنا الدفينة زاويةَ شر لم يضعها الله فينا عندما خلقنا. في مشاعرنا الدفينة هناك زاوية فيها غياب محبة، ونفور وكراهية وقساوة. لذلك سنة الرحمة هي زمن لتطهير النفس، هي تنبّه لإخوان وأخوات يحبهم الله ويرحمهم ونحن لا نحبهم ولا نرحمهم، لأننا نرى القذى الذي في عين أخينا ولا نرى الخشبة التي في عيننا.
رابعًا: الرحمة على مستوى العلاقة داخل العائلة. ففي عائلاتنا غالبًا ما نرى أخًا يخاصم أخاه بسبب الميراث أو المال، وفي عائلاتنا نزاع يأخذ مختلف الأشكال ويسبّب البعد والجفاء بين أقرب الناس. ويحدث غالبًا أن هؤلاء الإخوة المتخاصمون يذهبون إلى الكنيسة ويقولون: "ارحمني يا الله". لن يرحمهم الله ما زالوا غير راحمين لإخوانهم ولا غافرين لهم. قال يسوع: "إن قرّبت قربانك إلى الهيكل وتذكّرت هناك أن لأخيك عليك شيئًا، دع قربانك، واذهب أولا وصالح أخاك ثم تعال وقرّب قربانك".
خامسًا: الرحمة على مستوى المجتمع وفي العلاقات بين الشعوب. فقوانين المجتمع والدول ترحم الناس إن كانت قوانين عادلة، ولا ترحم الناس إن كانت قوانين وُضعت لظلم الناس. قوانين تدمّر البيوت، قوانين تمنع حرية الحركة والتفكير والتعبير، قوانين تُجبر على تغيير الدين وتدفع إلى الهجرة وإلى المخاطرة في الحياة في البحار بحثًا عن حياة هنيئة مستقرّة كريمة.
الرحمة، بكلمات بسيطة وقصيرة وواضحة، هي أن تقتدي بالله وأن تكون قلوبنا كبيرة مثل قلب الله.