موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثامن والعشرون من الزمن العادي (أ)
الـمقدّمة
نتتبع في هذا الـمقال لسلسلتنا الكتابيّة نصييّن آخرين من ذات الكتابيّن، بكلا العهدين للـمقال السابق. حيث من خلال نبؤة أشعياء (25: 6- 10) سنتوقف أمام الوليمة كصورة رمزيّة تحمل كلمة جوهريّة وأخيرة تخرج من فم الله وهي كلمة خاصة لشعبه في عهد النبيّ أشعياء. وتستمر هذه الوليمة بعصر يسوع، بحسب متّى (22: 1- 14)، ونكتشف من خلال الـمثل التعليمي الثالث على التوالي بأنّ الوليمة كصورة للعهد الإلهي تستمر وتصير ذات مغزى إذ تحمل لنا صورة الـملكوت الحقيقي. نسمع في هذا الـمثل دعوة خاصة إذ يقول الـملك ليّ ولك "أعددت وليمتي". نهدف من خلال هذا الـمقال الإستمرار في قبول دعوة الـملك الإلهي والإحتفال معه بالوليمة الّتي هي صورة للـملكةت الّذي يدعونا إليه كلّ يوم.
1. الوليمة الأخرويّة: الخلاص (اش 25: 6- 10)
قرائتنا الأوّلى من نبؤة أشعياء، في هذه الآيات القليلة والـمأخوذة بالتحديد من الرؤيا العظيمة للنبّي أشعياء (24: 1- 27: 13) حيث تعلن رؤية الخلاص الّذي يتخذ صورة الوليمة الأخُرويّة، في أعقاب حج الشّعوب إلى أورشليم (راج اش 2). يفتتح النبّي هذا الـمقطع بتأكيد دور البطولة الّذي ينتمي فقط للرّبّ وليس لسواه، يتضح في قوله: «وفي هذا الجَبَلِ سيَضَعُ رَبُّ القُوَّات لِجَميعِ الشُّعوبِ مَأدُبَةَ مُسَمَّنات مَأدُبَةَ خَمرَةٍ مُعَتَّقَة مُسَمِّناتٍ ذاتِ مُخٍّ ونَبيذٍ مُرَوَّق» (اش 25: 6). إذن هناك مكان، وهو الجبل، يستمر الرّبّ من خلاله في إتمام مخططه من على الجبل بالتحديد حيث هو الـموضع الّذي يذهب الإنسان إليه ليتواصل مع الرّبّ ويحتفل بالأعياد في هيكل الرّبّ.
ويستمر النبّي في وصف أفعال الرّبّ بالتفصيل مُشيراً بأنّه البطل قائلاً: «وُيزيلُ مِن هذا الجَبَل وَجهَ الغِطاءِ الـمُغَطِّي جَميعَ الشُّعوب والحِجابِ الـمُحَجِّبِ جَميعَ الأُمَم ويُزيلُ الـمَوتَ على الدَّوام وَيمسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّموعَ عن جَميعِ الوُجوه ويَرفَعُ عارَ شَعبه عن كُلِّ الأَرض لِأَنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم» (اش 25: 7- 8). هذه الكلمة الّتي لها سلطان قوي هي الّتي تُغير حال بني إسرائيل وتُتممّ الخلاص لجميع الشّعوب. وهنا عنصر الشموليّة يتوسع من بني إسرائيل إلى كلّ شعوب الأرض. تشير الصور الّتي عددها النبّي بهذه الآيات كإزالة الحجاب عن وجوه الشّعوب كعلامة على الحزن والجهل، ونزع الـموت إلى الأبد، ومسح الدموع من على كلّ وجه، بإعلانه رؤية نبويّة، بالغة القوّة والعمق. في نكتشف في هذا النص إننا أمام إعلان للحياة والخلاص الّذي سيتم بكلمة الرّبّ فقط. بحسب قول النبّي الختاميّ حيث يؤكد على عامليّن لاهوتيّين: «فيُقال في ذلك اليَوم: هُوَذا إِلهُنا الَّذي اِنتَظَرْناه وهو يُخَلِّصُنا هُوَذا الرَّبُّ الَّذي اِنتَظَرْناه فلنَبتَهِجْ ونَفرَح بِخَلاصِه. لِأَنَّ يَدَ الرَّب تَستَقِرُّ في هذا الجَبَل ويُداسُ موَآبُ تَحتَه كما يُداسُ التِّبنُ في ماءِ الزِّبْل» (اش 25: 9- 10). هذا الخلاص الـمُلعن بقوّة كلمة الرّبّ هو الّذي يحمل الخلاص بالتحديد على هذا الجبل، مكان الحج للتواصل مع الرّبّ. على ضوء هذه الكلمات النبويّة سنحلل النص الإنجيليّ والّذي يتضمن آخر مثل من الأمثال الثلاثة الّتي علمها يسوع خلال رسالته بأورشليم وقبل إتمام سرّه الخلاصيّ.
2. ما وراء الـمثل (مت 22: 1-14)
تدعونا قرائتنا فيما بين العهديّن إلى قراءة الـمقطع الإنجيليّ اليّوم من خلال الـمنظور النبويّ الّذي توقفنا أمامه بحسب أشعياء بأعلاه. ننتقل من زمن النبّي بالقرن السابع ق.م. إلى زمن رسالة يسوع في الققرن الأوّل الـميلادي بمدينة أورشليم وبالتحديد في الهيكل (راج مت 21: 23)، حيث يزاد التوتر حِدّة بين السلطة الدينيّة الّتي تتمثل في شخصيات معاصرة ليسوع وهم عُظماء الكهنة وشيوخ الشّعب، بسبب تعاليم يسوع بالأمثال العديدة الّتي لها ذات الهدف، وهو الـملكوت، بحسب لّاهوت متّي الإنجيليّ. مع ذلك، لا يمكننا فهم هذا الـمثل الجديد وهو الثالث والأخير. حيث أنّ تركيز متّى على تعليم يسوع من خلال الأمثال هو أنّ يحملنا للـملكوت ويحمل الـملكوت إلينا. علينا أنّ نأخذ في الإعتبار أنّ الإنجيليّ لا يكتب للقادة مجتمعه، بل لجماعته الّتي آمنت بالـمسيح وهي مُؤلفة من جماعة ذات أصل يهوديّ وأصبحوا تلاميذ ليسوع واِعترفوا به مسيحًا. إذن العامل الهام، هو متابعة تدويّن متّى إلى مسيحييّن من أصل يهوديّ قبلوا رسالة الـملكوت، ولم يكتب إلى مسيحيّين من أصل وثني؛ لذا مدعويّن بعصرنا الحالي التركيز لفهم رسالة الإنجيليّ داخل هذا الإطار اللّاهوتي.
في هذا الـمقطع (22: 1- 14) يوجه متّى تعليم يسوع هذا من خلال مثل وليمة العُرس، إلى أعضاء الجماعة الـمُهتديّة، لا يوجه رسالته إلى أولئك الّذين هم على خلاف معه كشيوخ الشّعب ورؤساء الكهنة. هذه الخلفيّة في غاية الأهميّة لفهم أنّ هذا النص أيضًا يُوجه إلينا اليّوم، نحن الـمؤمنيّن بيسوع وتلاميذه. يدعونا النص للوهلة الأوّلى إلى عدم الإشارة بأصابعنا لتوجيه الإتهام نحو الآخرين الّذين رفضوا ولـم يقبلوا يسوع وهو رأس الزاويّة كما ناقشنا بالـمقال السابق، والتعمق في إيماننا وتمسكنا بتعاليم يسوع الّتي يكشف لنا عنها الإنجيليّ من خلال مثل جديد يحمل مفهوم أعمق لنفهم الـملكوت.
3. رمزيّة العرس (مت 22: 1-2)
يفتتح الإنجيلي هذا النص بوصفه قائلاً: «وكَلَّمهُم يسوعُ بالأَمثالِ مَرَّةً أُخْرى قال: مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَقامَ وَليمةً في عُرسِ ابنِه» (مت 22: 1- 2). وهنا يشير الـملكوت بصورة رمزيّة إلى العُرس، كخلفية كتابيّة، مما يعني بأننا في لحظة حاسمة في تاريخ الخلاص والعهد بين الله والبشريّة. يؤسس العُرس، كصورة شهيرة في الكتاب الـمقدس، على العهد الّذي قطعه الله من خلال يسوع الابن، مع إسرائيل، وكما سنكتشف لاحقًا، سيصير مع البشريّة جمعاء. نادرًا ما يُفسر عرس الابن في هذا الـمثل إلى الـمسيح، ولكنه يتناول عمومًا العلاقة بين الله وإسرائيل. فمن خلال يسوع الابن، يتحقق إتحاد الله بشعبه وبالبشريّة.
4. الدعوات الثلاث (مت 22: 3-14)
في الواقع، بحسب منهجيّة الإنجيلي ولّاهوته تم بناء هذا الـمثل على ثلاث دعوات متحدة الـمركز وهو صاحب الوليمة الّذي يدعو بحسب سخائه مَن يشاء.
· الدعوة الأولى: الـمدعوين الأوائل (مت 22: 3- 5)
الّذين يُرسل إليهم الـملك خدمه مرارًا وتكرارًا قائلاً: «فأَرسَلَ [الـملك] خَدَمَه لِيُخبروا الـمدعُوِّينَ إِلى العُرْس فأَبَوا أَن يَأتوا» (مت 22: 16). الضيوف الأوائل هم أولئك الّذين يُدعون كالعادةً لحضور وليمة عُرس الابن، أولئك الّذين لا يمكن تجاهلهم بسبب القرابة أو الصداقة أو روابط العمل. في سياق الـمثل، ربما يكونوا كبار رجال الـمملكة، بينما في الواقع، سيكونون أكثر الناس تدينًا، الـمُعمديّن والّذي يمارسون الأسرار بإلتزام شديد. تعتبر هذه الفئة أنّ حقهم في الدعوة أمرًا مفروغًا منه. بالنسبة لهم، الأمر ليس مفاجأة أو جديدًا، بل هو أمرٌ مُسلـم به. إنّهم صورتنا كنساء ورجال الديّن الـمتشدديّن والغيوريّن، الّذين نُخاطر بعدم إدراك كلّ ما هو جديد عن الله الّذي يحمل الجديد لحياتنا، لدرجة إننا لا ندرك دعوتنا الخاصة للعُرس حين يدعونا الـملك. من الـمُثير للإهتمام أنّ رفض الـمدعويّن الأوئل، عند مواجهة دعوة العُرس، يُبرر بالحاجة إلى الإهتمام بالتزاماتهم الخاصة، وأعمالهم الفردية، حتى التديّن قد يصبح كقناع لـممارسة أعمال الـمرء الخاصة.
· الدعوة الثانيّة: الـمدعويّن الثانييّن (مت 22: 4- 6)
هؤلاء الـمدعوين الّذين إستدعاهم الـملك بعد رفض الأولين حيث: «أَرسَلَ [الـملك] خَدَماً آخَرين وأَوعَزَ إِلَيهم أَن "قولوا لِلمَدعُوِّين: ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء فتَعالَوا إِلى العُرْس". ولكِنَّهم لم يُبالوا، فَمِنهُم مَن ذَهبَ إِلى حَقلِه، ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه. وأَمسَكَ الآخَرونَ خَدَمَه فَشَتَموهم وقَتَلوهم» (مت 22: 4- 6). بناء على رفض الـمدعويّن الأوائل، نجد أنّ الـملك يستمر في الرجاء ويرسل خدامه ليدعو آخرين. تتم دعوة الـمدعويّن الثانيّين دون أي استحقاق ودون أي حق لهم، إنّهم مُستَغَلّين وهم مَن ينطبق عليهم قول يسوع: «فجمَعوا [الخدم] كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار» (مت 22: 10).
· الدعوة الثالثة: الـمدعو بدون ثوب! (مت 22: 11- 14)
وأخيرًا، تتكون الدعوة الأخيرة بوصف الإنجيليّ مُعلنًا: «ودَخَلَ الـملِكُ لِيَنظُرَ الجالِسينَ لِلطَّعام، فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لم يَكُنْ لابِساً لِباسَ العُرْس، فقالَ له: "يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس"؟ فلم يُجِبْ بِشَيء. [...] لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ الـمخْتارون"» (مت 22: 11- 14). مَن هو هذا الضيف الّذي تجرأ ودخل الوليمة دون أدنى إستعداد دون إرتدائه ثوب يُناسب هذا العُرس الـملكي؟ هل هو أنا؟
الأمر الّذي يتحدث عنه متّى، قد يكون هؤلاء هم أفراد جماعته، الّذين ربما لا ينتمون جميعًا إلى جماعة اليهود الأكثر إلتزامًا، كالفريسيّين والكهنة. وربما كان كثير من أفراد جماعة الإنجيلي من الخطأة الّذين شعروا، كما حدث خلال فترة حياة يسوع الأرضيّة، بالتحرر والإرتقاء بفضل كلـمة الإنجيل. وربما الإنجيليّ كان يفكر أيضًا في الوثنيّين الّذين قبلوا الإنجيل. وأخيرًا، هناك مَن يقبلون الدعوة، لكنهم يحضرون دون ثوب العرس. في الكتاب الـمقدس، يدل الثوب على الكرامة. ففي سفر التكوين، لـم يرضَ الله عُري أول زوجيّن فألبسها أثوابًا من جلود الحيوانات (راج تك 3: 21). وهذا يُذكرنا أيضًا بالثوب الّذي أهداه يعقوب لإبنه يوسف (راج تك 37)، والثوب الّتي أمر بها الأب لخدمه، في مَثَل الآب الرحيم، ليرتديه ابنه وقت عودته إلى البيت (راج لو 15).
الواقع الّذي يتصوره متّى، يُمثل هذا الرجل الّذي لا يرتدي ثوب العُرس، فهو غير مُهيأ بملابس الإحتفال، إنسانًا قَبِلَ إعتناق الـمسيحيّة والإيمان بالإنجيل، لكنه لـم يفهم دلالاته تمامًا، وبالتالي فهو غير قادر على الـمشاركة في الإحتفال. فالّذين لا يرتدون ثياب الإحتفال، لن يستطيعوا الـمشاركة في الإحتفال بالعرس، رغم كونهم رسميًا جزءًا من الجماعة.
في نهاية الـمطاف، يسعى تعليم يسوع من خلال هذا الـمثل إلى لفت إنتباهنا إلى هذه الشخصية الفرديّة تحديدًا، أولًا إلى أعضاء جماعة متّى، ثم إلى كلاً منا كقراء لهذه البُشرى السّارة في كلّ زمان. من الـمهم أنّ هذا الـمدعو الّذي لا يرتدي ثوب العُرس هو فرد، بينما تحدث يسوع من خلال الـمثليّن السابقيّن عن جماعات كالبغايا والعشاريّن ثمّ الكراميّن الـمُستَأجريّن (راج مت 21: 23- 43). وبهذا يُشير متّى إلى الإنتماء الجماعي- فكلّ منا عضو بالجماعة الكنسيّة اليّوم، أي أنّ الإنتماء إلى جماعة، ليس كافيًا؛ بل إنّ الإنتماء الشخصي، الـمُتجدد يوميًا فهو ضروري. يشير هذا أيضًا إلى تحذيرنا من إكتفاءنا بإنتماءاتنا الرسميّة إلى الكنيسة والـمسيح، بل مدعويّن إلى التميّيز اليومي عن مدى تمسكنا بالإنجيل بشكل ينعكس بحياتنا العمليّة. لا يكفي أنّ نتعمّد كمؤمنيّن ليُطلق علينا مسيحيّين؛ بل يجب علينا أيضًا أنّ نتدرب على الـمُشاركة في وليمة العُرس الّتي أعدها الله لنا جميعًا. مدعويّن إلى التوقف بعمق وتكرار لقراءة ختام هذا الـمثل كمعمديّن، والّتي قد تشكل صعوبة في فهمها حين نفسرها بشكل حرفي على النحو التالي: "لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ الـمخْتارون"!
4. أَعدَدتُ وَليمَتي (مت 22: 1- 14)
بحسب الفكر التقليدي بالشرق القديم، كما يّنوه الإنجيلي مستخدمًا تعبير "وليمة العُرس"، أي إنّه يتحدث عن حدث خلاصي، تمامًا كما ورد في الـمقطع الّذي حللناه في نبؤة أشعياء بأعلاه. مدعويّن لنتذكر هذا الجانب دائمًا، «أَعدَدتُ وَليمَتي...، » لقد أعدّ الله وليمة دعا إليها الجميع بدون تميّيز، سواء مَن قبل دعوته أو مَن رفضها، جميعنا مدعوين. ومع ذلك، نفاجأ في نهاية الـمثل يُخبرنا الكاتب قائلاً: «ودَخَلَ الـملِكُ لِيَنظُرَ الجالِسينَ لِلطَّعام، فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لم يَكُنْ لابِساً لِباسَ العُرْس، فقالَ له: "يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس"؟ فلم يُجِبْ بِشَيء. [...] لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ الـمخْتارون"» (مت 22: 11- 14). أيّ إنّ هذا الـمثل يحمل رسالة تحذيريّة شديدة اللهجة، وخاصة لـمَن قبلوا الدعوة، من خطر الشعور بالراحة والتفوق على الآخرين، لـمجرد إنّهم مدعويّن إلى وليمة العرس. إنّ الإصرار الإلهيّ هو سمة من سمات نص هذا الإنجيل، وسبق أنّ صادفناها في مثل عمال الكرم (مت 21: 33- 43). لا يستسلـم الرّبّ لرفض أمرأة أو رجل، بل يستمر بإرسال خدمه بإصرار لنا كلّ يوم، ويواصل دعوتنا ليحتفل بوليمة العُرس معي ومعك. وهذا الجانب بالنص، يكشف لنا وجه إلهنا الّذي لا يستسلـم أمام رفضنا، بل يرغب بشدة في أنّ ندخل إلى وليمته، وأنّ ندخلها مهيأيّن ومُرتدين ثوب العُرس.
الخلاصة
توقفنا في الـمرحلة الأولى بسفر أشعياء (25: 6- 10) العهد القديم، بالعهد القديم بأنّ الوليمة الإلهيّة قد بدأت من الـماضي وبمبادرة إلهيّة إذ هناك بُعد إسكاتولوجي قوي بالنبؤة إذ تشير الوليمة إلى كلمة الله الأخيرة وهي الخلاص. وبناء على هذه الـمبادرة بالدعوة للوليمة يستمر يسوع من خلال الـمثل التعليمي (مت 22: 1- 14) الّذي يشير فيه إلى الـملك الّذي يدعو وبسخاء إلّا إنّه يجد الرفض من الفئة الأوّلى والثانيّة من الـمدعويّن. إلّا أنّه من خلال الشخص الوحيد الّذي يقبل الدعوة يفاجئنا برسالة لّاهوتيّة وحياتيّة ذات أهميّة لنا اليّوم ألّا وهو الإهتمام بالثوب الّذي نتمكن به الدخول إلى الوليمة الأبديّة. هذا الثوب ليس الخارجي بالتحديد بل هو الثوب الباطني الّذي يعكس قبول دعوتنا للـمشاركة في الوليمة من خلال الإنعكاس الحقيقي بالحياة لـما نؤمن به.
فقد بدأنا جميعًا، كمسيحيين، حياتنا الجديدة كتلاميذ للرّبّ بارتدائنا الثوب الأبيض الجديد، الثوب الّذي إرتديناه في الـمعمودية. وبهذا السرّ صرنا خليقة جديدة. مدعوين لتجديد هذا الرداء من خلال إلتزامنا، يجب علينا ارتداؤه بلا عيب. لذا، فإن التمسك بالإنجيل لا يضمن لنا الإستمرار في حياتنا دون عوائق. مدعويّن للسعى بقدرة على الـمشاركة في عُرس الــملكوت الإلهيّ.