موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد السادس والعشرون من الزّمن العادي (أ)
الـمقدّمة
يدعونا نصي كلا العهدّين في سلسلتنا الكتابيّة بهذا الـمقال إلى التعرف على مرشدين يرافقوننا نحو الـملكوت. من خلال عن إجابة لهذا التساؤل: "مَن يرشدنا للـملكوت؟" كعنوان لـمقالنا هذا الأسبوع. ففي قرأتنا الأوّلى من العهد القديم بحسب نبؤة حزقيّال (18: 25- 28) وهو أحد الأنبياء الأربع الكبار. وهو لا يشير بالنص إلى قادة الشعب أو رعاته، وهو موضوع كان من السهل إيجاد نصوص له في نبؤة حزقيال، بل عن الـمؤمنين بالرّبّ من الشّعب بشكل عام. ويؤكد على إنّه لا ينبغي على الـمؤمنين الّذين يمثلوننا بأنّ نكتفي بنعم مبدئية تشير إلى إيماننا، بل علينا أنّ نثابر على الإيمان بالرّبّ والثقة في كلـمته.
ثم نقرأ بالعهد الجديد مقطع بحسب إنجيل متّى (21: 28-32) حيث يعلمنا يسوع من خلال مثل عن إبنين أحدهما، دعاه أبوه للعمل في الكرم، فأجاب بالإيجاب في البداية ثم رفض؛ والآخر، الّذي رفض في البداية، تاب وإستجاب لدعوة أبيه. كان ذلك أثناء خلال رسالة يسوع الأرضية في أورشليم. يشير سياق النص بحسب الإنجيليّ متّى إلى أنّ يسوع كان يخاطب قادة الشعب الدينيّين في الـمقام الأوّل. مع ذلك، يجب ألّا ننسى أنّ يسوع اليّوم يخاطبنا نحن جماعته الّتي تنتمي له وتؤمن به. نهدف من خلال مقالنا هذا إلى إتخاذ القرار بالتوبة فهذه هي مشيئة الآب والبحث عن مَن يرشدنا للـملكوت بمحيطنا.
1. الـمثابرة في الإيمان (حز 18: 25- 28)
يدعونا النص النبوي بحسب سفر حزقيّال (18: 25- 28)، بهذا الـمقال، للتعمق من خلال الآيات القليلة في القرار الّذي يتخذه الإنسان. مُقدمًا نموذجين لإختيار شخصيّن يمثلاننا في حياتنا البشريّة. النموذج الأوّل هو إختيار البارّ الّذي لا يستمر في حياة البرّ مُعلنًا: «إِذا ارتَدَّ البارُّ عن بِره وصَنَعَ الإِثْمَ وماتَ فيه، فإِنَّه بإِثمِه الَّذي صنَعَه يَموت» (حز 18: 26). فبالرغم من حياة البرّ الّذي رافقت حياة هذا البارّ إلّا إنّه إرتد عن الإستمرار فيه ومارس الإثم وبالتالي تكون نتيجة قراره هو موته وليس قرار السيّد الرّبّ بل بحسب أفعال الّذي كان بارّاً ولم يستمر. مما يشير بأنّه لا ينبغي على البار بأنّ يكتفي بنعم مبدئية، بل عليه أنّ يُثابر في الإيمان بالرّبّ وفي برارته.
أما بالنسبة للنموذج الثاني وهو يتمثل في العكس تمامًا قائلاً: «وإِذا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عن شَرِّه الَّذي صنَعَه وأَجْرى الحَقَّ والبِرّ، فإِنَّه يُحْيِي نَفْسَه. إِنه قد رَأى وتابَ عن جَميعِ مَعاصيه الَّتي صَنَعَها، لِذلك يَحْيا حَياةً ولا يَموت» (حز 18: 27- 28). هذا الشّرّير الّذي تاب عن شّره وأحيا ذاته يختار طريق الحياة وقراره يتم في توبته.
تؤكد هذه الرسالة النبويّة بأنّ رغبة الرّبّ الحقيقيّة هي أنّ ينال جميع البشر نعمة الحياة الّتي بلا نهاية داعياً كلاً منا، بنهاية النص، إلى الـمثابرة والإيمان من خلال التوبة وتغيير الـمسّار نحو الحياة وإتخاذ قرار بإختيار الرّبّ وتفضيله بقوله: «يَقولُ السَّيًّدُ الرَّبّ، فارجعوا وأَعرِضوا عن جَميعِ مَعاصيكم، فلا يَكَونَ الإِثمُ مَعثَرَةً لكم [...] فإِنَّه لَيسَ هَوايَ في مَوتِ مَن يَموت فارجِعوا واحيَوا» (حز 18: 30). إذن الدعوة الّتي يحملها النص النبوي لنا اليّوم هي التوبة الحقيقيّة وإختيار طريق الرّبّ حبّا به وليس فقط لرغبتنا في نوال نعمة الحياة وعدم الـموت في حالة الخطيئة.
وعلى هذا الـمنوال نستمر في قرأتنا بحسب اللّاهوت الـمتّاوي (21: 28- 32) حيث سنلتقي بيسوع الّذي يضع أمامنا نماذج مهمشة وغير متوقعة في عصره ويكشف الجديد من خلالهم وهو ما لا نتوقعه!
2. ثمرة الحوار (مت 21: 28- 32)
يفتتح الإنجيلي هذا الـمقطع الـمأخوذ من حوار يسوع مع كبار السلطة الدينيّة داخل الهيكل مُشيراً في وصفه قائلاً: «دخَلَ [يسوع] الهَيكل، فَدنا إِلَيه عُظَماءُ الكَهَنَةِ وشُيوخُ الشَّعبِ وهَو يُعَلـمُ» (مت 21: 23). إذن هذه الفقرة الإنجيليّة لازالت في هذا الإطار الحواري بين يسوع وهذه الفئة الدينيّة، عظاء الكهنة وشيوخ الشّعب، الّتي تجادل يسوع وهنا نجد أنّ الـمحور الّذي سيضئ هذا الحوار يتمركز في كشف الجديد الّذي سنكتشفه نحن أيضًا من خلال تعليم يسوع لاحقًا. قد تشير هذه السلطة الدينيّة إلى مّن يكرسون حياتهم اليوم للرّبّ تتمثل في لاهوتييّن مثليّ، أساقفة، كهنة، راهبات، خدام، ... كلّ مؤمن يتولى مسئوليّة ليخدم الرّبّ ويعلن الـ"نعم" الوقتي أم الأبدي، بشكل يجعلنا ننسى الجوهر وهو النمو في العلاقة بالرّبّ ويشير بأصبعه لإتهام آخرين بـمجتمعنا. يحملنا هذا الجدال النابع من تساؤل السلطات الدينيّة الـمُعاصرة ليسوع عن سلطته للتعلّيم بالهيكل، إلى الإصغاء للجديد الّذي يعلنه يسوع بعد أنّ يروي مثلاً ليُبسط الـمغزى اللّاهوتي العميق.
3. مشيئة الآب (مت 21: 28-31)
بناء على الـمنطق النبوي الّذي نوهنا إليه بحسب حزقيال مُشيرين للفرق بين قرار البارّ والشّرّير لينالا الحياة أم الـموت بحسب أفعال كلاً منهم. يقدم يسوع مثلاً في حواره مع السلطات الدينية بعصره مفتتحًا هذا الـمثل بتساؤل قائلاً: «ما رَأيُكم؟» (مت 21: 28). يودّ يسوع أنّ يربح إخوته الـمحافظين على إتمام الشريعة الـمقدسة وإعطاها وجه عملي بحياتهم وليس حفظها فقط لينالوا حياة، من خلال الحوار قائداً إياهم للتعمق في مشيئة الآب الحقّة وهذا هو الجديد الّذي يكشفه يسوع الآتي من قِبل الآب.
يستمر يسوع في سرد الـمثل قائلاً: «كانَ لِرَجُلٍ ابنان. فدَنا مِنَ الأَوَّلِ وقالَ له: "يا بُنَيَّ، اِذهَبِ اليَومَ واعمَلْ في الكَرْم". فأَجابَه: "لا أُريد". ولكِنَّه نَدِمَ بَعدَ ذلك فذَهَب. ودَنا مِنَ الآخَرِ وقالَ لَه مِثلَ ذلك. فَأَجابَ: "ها إِنِّي ذاهبٌ يا سيِّد!" ولكنَّه لم يَذهَبْ. فأَيُّهما عَمِلَ بِمَشيئَةِ أَبيه؟» (مت 21: 28- 30). وتأتي إجابة عظماء الكهنة وشيوخ الشّعب: «فقالوا: "الأَوَّل"» (مت 21: 31أ). بناء على رد فعل الإبنيّن تأتي إجابة السلطات الدينيّة في زمن يسوع بأنّ الّذي عمل بمشيئة أبيه هو الابن الأوّل. ومن خلال إجابتهم يأتي تعليم يسوع الّذي يحمل الجديد سواء على تعاليم الشريعة أم على تطبيق أحكام الشريعة من السلطات الدينيّة الّتي تعتقد بالخطأ بأنّها بحفظها للشريعة تُتمم إرادة الآب. مما يشير بأنّ أفعالهم تتناقض مع تعاليمهم، وهنا يأتي تعليم يسوع الّذي يعلم السلطات الدينيّة ليس فقط بسلطان بل ليقود القادة لـملء الحياة.
4. PROAGO(مت 21: 31ب – 32)
تحمل كلمات يسوع اللاحقة على تأكيد هام وهو طريق البرّ، حيث: «قالَ لَهم يسوع: "الحَقَّ أَقولُ لكم: إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله. فَقَد جاءَكُم يوحَنَّا سالِكاً طريقَ البِرّ، فلَم تُؤمِنوا بِه، وأَمَّا العشَّارونَ والبَغايا فآمَنوا بِه. وأَنتُم رَأَيتُم ذلك، فلَم تَندَموا آخِرَ الأَمرِ فتُؤمِنوا بِه» (مت 21: 31ب- 32).
نعم لقد كان في مجتمع يسوع فئات منبوذة من الشريعة والسلطات الدينية والهيكل ففي تأكيده: «إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله» (مت 21: 31). يثير الكثير من تساؤلاتنا اليّوم، كيف يمكن هذا؟ إيسبق الفئة الدينيّة الساميّة فئة مُهمشة بل مرفوضة بسبب خطاياهم العلنيّة؟ في واقع الأمر لا يمكننا كمؤمنيّن أنّ نفهم مغزى هذه العبارة إلّا إذا إدركنا حقيقة الـمعنى الحقيقي للفظ يتقدم في أصله اللغوي اليوناني والّذي يعني proago وليس كما يرد في الترجمات الّتي بين أيدينا. أصل فعل يتقدم- proago كجذر من الفعل اليوناني يحمل معنى أقوىمما يعني يقود وأيضًا يرشد، وليس فقط يسبق أو يتقدم. يتكرر هذا الفعل بحسب اللّاهوت الـمتاوي لـست مرات (راج مت 2: 9؛ 14: 22؛ 21: 9. 31؛ 26: 32؛ 28: 7). الفعل الـمُستخدم في اليونانيّة يتقدم هو ذاته الّذي نجده لأوّل مرة في حديث الإنجيلي متّى عن النجم (راج مت 2: 1-11) الّذي أرشد الـمجوس إلى بيت لحم: «وإِذا الَّنجْمُ الَّذي رأَوهُ [الـمجوس] في الـمشرِقِ يَتَقَدَّمُهم حتَّى بَلَغَ الـمكانَ الَّذي فيه الطِّفلُ فوَقفَ فَوقَه» (مت 2: 9). وصل الـمجوس إلى بيت لحم بفضل أبحاثهم في الكتب الـمقدسة وأيضًا بفضل الّنجم الّذي قادهم وأرشدهم؛ ومن خلال هاتين العلامتين (الكتب والّنجم) تمكنوا من الوصول ليسجدوا للـملك الـمولود.
وفي آخر مرة يستخدم الإنجيليّ هذا الفعل يشير ملاك الرّبّ في حواره مع النسوة إلى يسوع القائم القائل: «أَسرِعا في الذَّهابِ إِلى تَلاميذِه وقولا لَهم: إِنَّهُ قامَ مِن بَينِ الأَموات، وها هُوذا يَتَقَدَّمُكم إِلى الجَليل، فهُناك تَرونَه» (مت 28: 7). أمّا في هذا النص الإنجيلي، فنكتشف أنّ العلامة الّتي يمكن أنّ تقودنا لنكون مؤمنيّن حقيقيّين لله، ولنعيش منطق ملكوته، من خلال تقدم وإستباق العشاريّن والبغايا للـملكوت. فكما كان الّنجم في السماء دليلاً للـمجوس، يُشير يسوع إلى هؤلاء الجباة (راج مت 5: 46؛ 9: 10-11؛ 21: 31) والزناة وهم الخطأة والـمُهمشين الـّذين يمثلوننا في كلّ زمان ومكان وثقافة، كعلامة لنا اليّوم، فهم مَن يملكون مفاتيح الـملكوت بل مُرشدينا لنا كي لا ننسى إتجاهنا نحو الـملكوت.
لا يُقلل يسوع بالتأكيد في هذا النص من شأن معاناة هذه الفئة بالتحديد على الأصعدة سواء الإنسانّية والإجتماعيّة وحتى الدينيّة، وضعٌ من الإذلال والتهميش والإستعباد. بل يُشير إلى هذه الفئات من الناس في عصره كـمُرشدين لأنّهم علامةٌ دائمة، وحجر عثرة لنا نحن اللّاهوتييّن والـمسئولين الدينيّن ليُذكرنا بسخاء النعمة الّتي قد نظن أننا قد إكتسبناها بجهدنا وهذا إعتقاد خاطئ.
لذا يكشف لنا يسوع في تعليمه، أنّ جُباة الضرائب والبغايا وهم مِن فئات مهمشة من الشريعة والسلطات الدينيّة الفقراء، والـمظلوميّن، والودعاء، والجياع والعطاش إلى البر، والرحماء، وأنقياء القلب، وصانعي السّلام، والـمضطهديّن ... إلخ (راج مت 5: 3-11)، الّذين يُدعون في الـموعظة على الجبل مُطوبيّن. إي إنهم مباركيّن؛ ففي حقيقة الأمر هم مُرشدونا إلى الـملكوت، ليس لأن أسلوب حياتهم حسن، بلّ لأنّهم برفضهم الحالي، بل يستطيعون إنقاذنا نحن الـمتدينين والـمُكرسيّن، من شعورنا بالراحة لـمجرد إننا نطقنا بـ"نعم" مبدئية من خلال دراساتنا اللّاهوتيّة أو السلطات الّتي نتوالاها بالكنيسة (راج مت 21: 29-30)، والّتي قد تخفي في الواقع إنكارًا للإنجيل وهو الخبر السّار يسوع الرّبّ.
وإذا تسألنا عن هويّة العشَّارونَ والبَغايا في زمننا اليّوم؟ فنجد أنّ الإجابة الّـتي نستنتجها من تعليم يسوع هم كلّ آخر، مختلف عنا ويحيط بنا وقد يُخيفينا في ذات الوقت. وحينما نقرأ في الكتب الـمقدّسة العبريّة وصية أساسيّة قد لا نوليها الإهتمام الكافي، وهي الّتي تُساعدنا على فهم القيمة اللّاهوتيّة، والإنسانية، لكل آخر يتواجد بمجتمعنا. تتكرر هذه العبارة خمس مرات بسفر التثنيّة، وهو من كتب الشريعة الـمحفوظة فقط، هذه العِبارة هي أشبه باللازمة في هذا السفر: «اذكُرْ أَنَّكَ كنتَ عَبْدًا في أَرضِ مِصر» (تث 5: 15؛ راج تث 15: 15؛ 16: 12؛ 24: 18؛ 24: 22).
في هذا الـمقطع الإنجيلي، يذكرنا العشَّارونَ والبَغايا، في كل زمان، بأننا كنا غرباء ونزلاء، كما كان آباؤنا في مصر. نحن أيضًا نعيش في بلاد غريبة ونتوق للعودة إلى أرضنا، الأرض الّتي أرادها الله لنا والّتي وهبها لنا. نعم علينا الإعتراف بأنّ العشَّارونَ والبَغايا هم الـمثال الآخر الّذي يسمح لنا اليوم باستحضار الـمنطق الإنجيلي للتطويبات، الّذي يقاوم كلّ إغراء لشعورنا كمؤمنيّن بالراحة والرضا أمام الرّبّ.
الخلّاصة
نوهنا في مقالنا هذا على الدور الجوهري للتوبة من خلال تغيير الـمسار من الشّر للخير ومن الـموت للحياة بحسب الإختيار الشخصي. حيث تناولنا في النص النبوي لحزقيّال كيف أنّ التوبة هي أساس الإيمان بالرّبّ ونوال الحياة الّتي بلا نهايّة. على هذا الـمنوال، بحسب إنجيل متّى (21: 28- 32)، أكد يسوع على الوصول للـملكوت من خلال العشَّارونَ والبَغايا الّذين هم بمثابة النجوم الّتي تحيط بنا دائمًا، ترشدنا إلى طريق الـملكوت. لأنهم نجحوا في التوبة الحقيقيّة بالإيمان بالرّبّ وتطهروا من خطاياهم واليّوم يتحدثون إلينا باختلافهم وتنوعهم، ليُذكروننا بأنّنا لسنا مَن نرتقي إلى الـملكوت أو نبني ملكوت الله بفضائلنا وأعمالنا، بل يعلنون لنا أنّ الرّبّ يهب نفسه لنا بنعمته، وأن ما يهم حقًا هو القلب الّذي يقبل أولئك الّذين لا يملكون شيئًا ليقدموه أو يطالبوا به أمام الله، بل كلّ شيء ليتلقوه كنعمة. الآخر والـمختلف، "العشار" و"الزانية" في عصرنا هذا، ما زالوا مرشدينا نحو الـملكوت، نجومنا، إنّ أردنا وعرفنا كيف نميزهم في مجتمعاتنا! دُمتم سائرين نحو الـملكوت ومرافقين بمرشدين.