موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

تناغم الحب: بين كاتبي نبؤة أشعياء والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سلسلة قراءات كتابيّة بين العَهدين (أش 5: 1-7؛ مت 21:  33-43)

سلسلة قراءات كتابيّة بين العَهدين (أش 5: 1-7؛ مت 21: 33-43)

 

الأحد السابع والعشرون من الزمن العادي (أ)

 

المقدمة

 

في سلسلتنا الكتابيّة لهذا الأسبوع، سنناقش من العهد القديم، في قراءتنا الأولى، نصًّا من نبوءة أشعياء (5: 1-7)، وهو نصّ شهير أُعطي عنوان «نشيد الكرم». يقدّم هذا النص المؤثّر للغاية منظورًا جديدًا، سنجد على ضوئه جذور النص الإنجيلي بحسب متّى (21: 33-43). كلا المقطعين يرويان عن كرم، وعن العناية التي يوليها صاحب الكرم، وهو الرّبّ، وينتظر منه أن يُثمر.

 

في نهاية النص النبوي لأشعياء، يصرّح النبي صراحة، وهو بمثابة صديق الحبيب الذي يرمز إلى الرّبّ، بأنّ كرم الرّبّ هو شعبه. وفي هذا المثل الرمزي، يفسّر هذه الصورة ليطبّقها على تاريخ العلاقة بين الله وشعبه. ينتظر الرّبّ منّا، كشعبه، مبادلة الحبّ، لكننا نفاجأ بأنّ الشعب لم يتمكّن من تقديم هذه الثمرة المرجوّة.

 

وبالتوازي، نقرأ في مقطع العهد الجديد كيف يروي متّى الإنجيلي على مسامعنا مثلًا جديدًا على لسان يسوع، يحمل رسالة تكشف عن حداثة الرّبّ من خلال يسوع الابن، إلى إخوته عظماء الكهنة وشيوخ الشعب، وإلينا اليوم. نهدف من خلال هذا المقال إلى أن نقبل هذا الحبّ الإلهي الذي لا يزال ينتظر حبّنا، ليصير أكثر تناغمًا.

 

 

1. الحبيب العاشق (اش 5: 1-7)

 

يأتينا الصوت النبوي لأشعياء في هذا النص كصوت صديق الحبيب، الذي هو الرّبّ، مُعبّرًا عن الحبّ الجنوني نيابة عن صديقه، الذي يخجل من أن يكشف خيانة محبوبته. لذا يمكننا أن نطلق عليه «نشيد صديقي العاشق لكرمته». فنجد في الآيتين 1-2 مبادرة الرّبّ العاشق، وهو يرمز إلى الكرّام العاشق الذي ينتظر برجاء ثمار كرمته المحبوبة، لأنّ على الكرمة أن تبادل هذا الحبّ بثمار ذات مذاق طيّب، إلّا أنّها تفاجئ عاشقها بالعكس تمامًا وتعطي حصرمًا! مما يشير إلى آلام الحبّ المفقود. وفي الآيتين 3-4 نسمع صوت صديق الحبيب، وهو النبي، حيث يكشف بصوت شخصي مفاجئ، ويغيّر النشيد إلى شكوى، ويطالب بالعدل من خلال فعل الأمر: «فالآنَ يا سُكَّانَ أُورَشَليمَ ويا رِجالَ يَهوذا أُحكموا بَيني وبَينَ كَرْمي» (أش 5: 3). أمّا في الآية 5، فلن ينتظر الحبيب العاشق إجابة من محبوبته، إلّا أنّ أفعاله العمليّة هي التي تعطينا الإجابة الحقّة، بقوله: «لِأَنَّ كَرمَ رَبِّ القواتِ هو بَيتُ إِسْرائيل وأُناسُ يَهوذا هم غَرْسُ نَعيمِه» (أش 5: 7).

 

هناك عدّة نقاط لاهوتيّة تعكس أهميّة هذا النشيد الكلاسيكي في نبوءة إسرائيل، وهي بمثابة المخطّط المزدوج الرمزي، ومكان العمل، وأخيرًا الانتقال من فن الأناشيد إلى الفن البلاغي.

 

أولًا: وراء هذا النشيد شفافيّة كبرى، حيث يتم الكشف عن مخطّط الرّبّ المركزي، الذي يشير إلى كلمات المحبوب الذي يُنشد رواية فشله في الحبّ لكرمته التي هيّأها وأعدّها بعناية واهتمام لتعطيه ثمارًا. وهنا الكرمة، التي تشير إلى الشعب كفتاة محبوبة، قائلًا: «لَأُنشِدَنَّ لِحَبيبي نَشيدَ مَحْبوبي لِكَرمِه. كانَ لِحَبيبي كَرْمٌ في رابِيَةٍ خَصيبة وقد قَلَّبَه وحَصَّاه وغَرَسَ فيه أَفضَلَ كَرمِه وبَنى بُرجًا في وَسَطِه وحَفرَ فيه مَعصَرَةً واِنتَظَرَ أَن يُثمِرَ عِنبًا فأَثمَرَ حِصرِمًا بَرِّيًّا» (أش 5: 1-2). كما يروي كاتب سفر الأناشيد أيضًا (راجع نش 1: 6؛ 7: 9؛ 8: 12)، فالتشابه بين تلك النصوص قوي. وهذا المعنى الرمزي، بشكل خارجي، يشير إلى فشل الرّبّ في حبّه لشعبه؛ فالشعب الذي يمثّلنا لم يدرك قيمة هذا الحبّ ولم يصر أمينًا له. وكثير من اللاهوتيّين أعطوا هذا النص عناوين عديدة، مثل: «نشيد الكرم»، و«الحبّ المفقود»، و«شكوى الحبّ غير المحبوب».

 

ثانيًا: الأفعال في اللغة العربيّة، والتي تشير إلى «يفعل» بكل التفاصيل الزراعيّة، هي تعبيرات جوهريّة وأساسيّة في النص، ومن الجذر العبري تأتي الأفعال التي تعبّر عن العمل في الأرض، أي «يفعل في الأرض»، لتتساوى مع تعبير مهم، وهو «يعطي ثمارًا». كما يروي النبي قائلًا: «أَيّ شَيءٍ يُصنَعُ لِلكَرْمِ ولَم أَصنَعْه لِكَرْمي؟ فما بالِيَ اِنتَظَرتُ أَن يُثمِرَ عِنبًا فأَثمَرَ حِصرِمًا بَرِّيًّا؟ فالآنَ لَأُعلِمَنَّكم ما أَصنعُ بِكَرْمي. أُزيلُ سِياجَه فيَصيرُ مَرعًى وأَهدِمُ جِدارَه فيَصيرُ مَداسًا وأَجعلْهُ بورًا لا يُقضَبُ ولا تُقلعُ أَعشابُه فيَطلعٌ فيه الحَسَكُ والشَّوك وأُوصِي الغُيومَ أَلّا تُمطِرَ عليه مَطَرًا» (أش 5: 4-6).

 

يتوقّف الكرّام عن العمل وعن بذل المجهود لأجل الكرمة، لدرجة أنّه سيعطي أمرًا للغيوم لئلّا تمطر، فالحبيب له من السلطة القويّة حتى على الكون. وتستمر كلمات الحبيب على لسان صديقه، كما أنّ الرّبّ يتكلّم على لسان نبيّه. وهذا الفعل يتكرّر في النص العبري سبع مرات في الآيات التالية: في الآية 2 مرتين، وفي الآية 4 أربع مرات، وفي الآية 5 مرة، مع ملاحظة تغيّر الفاعل بين الإيجاب والسلب بشكل قوي. مع العلم بأنّ هذا النوع من الحبّ لا يشير إلى حبّ المشاعر، بل إلى الحبّ العملي، وهذا هو الردّ الحقيقي الذي يتّضح في الناحية العمليّة من العلاقة بين الرّبّ وشعبه.

 

ومن خلال مجهود الكرّام وتعبه لأجل كرمته، يشير النص إلى أنّ هذا الحبّ لا يُبادَل بحبّ! فمقابل أتعاب الكرّام لأجل الكرمة، التي كان ينتظر أن تكون عادلة، نفاجأ بالعكس تمامًا؛ فالمحبوب، وهو الكرمة التي تمثّل الشعب، لا يرغب في أن يُحبّ، بل يرغب في حبّ آخر.

 

وبتعبيرات لاهوتيّة، يشير إلينا النص النبوي إلى أنّ الرّبّ، بكل أتعاب حبّه، يرغب في أن يحترم شعب إسرائيل ويتركه يحبّ مَن يرغب. وهذا هو الانعكاس المدهش في النص: الرّبّ يترك شعبه حرًّا ليحبّ غيره. فالشعب لا يقدّر حبّه، والرّبّ، من دون أن يجبره، يتركه حرًّا ليفعل ما لا يريده الرّبّ الذي يحبّ شعبه حتى العشق، وهو الشعب الذي يمثّلنا.

 

وبالتوازي مع نص العهد الجديد بحسب متّى (21: 33-43)، نجد أنّ الكرمة ليست بعدُ هي الشعب، بل هي الابن المُرسل من الله الآب، والذي يُقتل على أيدي البشر. فيصير مكان العدالة الذي يعلن الحبّ، ويجذّر العدالة ويعمّمها على كلّ البشريّة. وإذا قرأنا نشيد الكرم في سفر أشعياء، نرى وصفًا للفشل، وقصّة حبّ انحرفت عن مسارها، وتوقّعات الحبيب التي خُذلت. فالحبيب كان ينتظر ثمرًا طيّبًا وبرًّا وعدلًا، ولكن لم يأتِ إلّا الشرّ والخيانة وسفك الدماء وصراخ المظلومين. إذن، لقد ذهبت كل جهود الحبيب سُدىً، وانتهى مجهود الكرّام الحبيب بأن أثمر كرمه حصرمًا. وهذه الصورة النبويّة هي التي يستند إليها متّى (21: 33-43) ليكشف، من خلال المثل التعليمي الجديد، رسالة يسوع التي تتجسّد فيه وفي رفض معاصريه له.

 

 

2. تناغم الحبّ! (مت 21: 33)

 

لا نزال نصغي إلى تعاليم يسوع الذي يتحاور في الهيكل مع الشيوخ وعظماء الكهنة، استكمالًا للنص المتّاوي في المقال السابق، بحسب وصف الإنجيلي القائل: «دخَلَ [يسوع] الهَيكل، فَدنا إِلَيه عُظَماءُ الكَهَنَةِ وشُيوخُ الشَّعبِ وهَو يُعَلـمُ وقالوا لَه: "بِأَيِّ سُلطانٍ تَعمَلُ هذِه الأَعمال؟ ومَن أَولاكَ هذا السُّلطان؟"» (مت 21: 23).

 

بعد تعليم يسوع من خلال المثل الأوّل الذي حلّلناه في المقال السابق، يقدّم يسوع من جديد، على مسامع الحاضرين، مثلًا آخر ليكشف عن الجديد من الأسرار الإلهيّة، ويوضّح علاقة الرّبّ بشعبه الذي لا يزال يحفظ الشريعة فقط، ولم يتمكّن بعد من ممارستها وإعطائها وجهًا عمليًّا في حياته، قائلًا: «إِسمَعوا مَثَلاً آخَر: غَرَسَ رَبُّ بَيتٍ كَرْماً فَسيَّجَه، وحفَرَ فيه مَعصَرَةً وبَنى بُرجاً، وآجَرَه لبَعضَ الكرَّامين ثُمَّ سافَر» (مت 21: 33).

 

الأفعال التي يشير بها النص إلى أعمال ربّ البيت ترتكز على رعايته واهتمامه بالكرم، وثقته في مَن أجّر لهم هذا الكرم المتكامل الذي لا ينقصه شيء. يمكننا القول إننا نقرأ من جديد الصفحة النبويّة بعيون مختلفة، أي برؤية مسيحيّة. فقد قرأنا نشيد حبّ من خلال نشيد الكرم بحسب أشعياء (5: 1-7)، وتتبّعنا ذلك السعي الدؤوب في أفعال تصف عناية متواصلة من الحبيب، الذي هو في الوقت ذاته صاحب الكرم.

 

وما يسود النص ليس الفشل، إذ لم يعد الجوهر هو التركيز على الخطيئة والخيانة، بل، على العكس، على الحبّ والأمانة من قِبل الرّبّ لنا نحن البشر، وهما الصفتان اللتان تميّزان وجه إله الكتاب المقدّس بعهديه. إنّها، في الواقع، رواية عناية صاحب الكرم الذي يتميّز باهتمامه ودقّته. وقد وُصفت الإشارات والأفعال بتفصيل دقيق وعناية فائقة، حتى أدقّ التفاصيل، كما هو الحال مع كلّ بادرة حبّ صادق. فقد قام بحرث تربة الكرم بعناية، وإزالة الأحجار التي تعيق النمو، بل اختار أفضل الكروم، وبنى برجًا في الوسط، ويضيف كاتب الإنجيل الأوّل أنّه وضع سياجًا لحماية الكرم. إذن، كلّ شيء مهيّأ لكي يُنتج الكرم ثمارًا فاخرة تُسعد صاحبه، الذي رغب فيها واهتمّ بكلّ تفاصيلها بعناية فائقة، وما عليه إلّا الانتظار. فهل سيجد صاحب الكرم ما ينتظره؟

 

هذه العناية والأمانة اللتان لا تتوقّفان من قِبل الرّبّ بدأتا منذ العهد القديم مع البطاركة والملوك والقضاة... وكما رأينا في النص الذي حلّلناه أعلاه مع الأنبياء، لا تزالان تنبضان بحبّ إلهي حقيقي لا ينتهي، وينتظر تناغمًا من كلّ قلب بشري يتمكّن من قبول هذا الحبّ وإعطاء ثماره في الحياة اليوميّة.

 

 

3. الـمفاجأة (مت 18: 34-36)

 

بعد أن بذل صاحب الكرم المجهود اللازم ليهيّئ كرمه الذي يحبّه، ويجعله يُثمر بما يليق، موفّرًا كلّ ما هو لازم من الناحية الزراعيّة، قام بتوكيل رعاية هذا الكرم إلى بعض الكرّامين المتخصّصين ليرعوه. ويروي يسوع على مسامعنا استمرار علاقة صاحب الكرم بكرمه، قائلًا: «فلمَّا حانَ وَقتُ الثَّمَر، أَرسَلَ خَدمَه إِلى الكَرَّامينَ، لِيَأخُذوا ثَمَرَه. فأَمسَكَ الكرَّامونَ خَدَمَه فضرَبوا أَحدَهم، وقتَلوا غيرَه ورَجَموا الآخَر. فأَرسَلَ أَيضاً خَدَماً آخَرينَ أَكثرَ عَدداً مِنَ الأَوَّلينَ، ففَعلوا بِهِم مِثلَ ذلِك» (مت 21: 34-36).

 

كما أنّ اهتمام صاحب الكرم لم ينتهِ عند هذا الحد، بسبب إخلاصه الواضح في المثل الإنجيلي. فبعد غرس الكرمة، عهد بها إلى مستأجرين ليرعوها ويعتنوا بها كما بدأ هو بنفسه. وفي الوقت المناسب، أرسل خدمه لجني ثمارها. ولكن المفاجأة ظهرت في رفض مَن عهد إليهم بكرمته منذ البداية. ومع ذلك، لم ييأس، بل أرسل المزيد من الخدم، وكانت النتيجة الضرب والقتل والرجم لهؤلاء الخدم، وللمرّة الثانية على التوالي. ماذا يمكن أن يفكّر صاحب الكرم أمام هذه الأفعال المشينة وغير المتوقّعة؟ هل يصمت، أم يذهب بنفسه إليهم؟

 

 

4. مغامرة صاحب الكرم (مت 21: 37- 42)

 

بعد المفاجأة غير المتوقّعة والمشينة من المستأجرين تجاه خدم صاحب الكرم، يُلحّ يسوع على رغبة صاحب الكرم القويّة في ألّا يخسر علاقته بكرمته، ويحاول مجدّدًا، مغامرًا بجنون. ولكن هذه المرّة قرّر أن يرسل شخصيّة تمثّله وتنوب عنه بشكل مباشر. فيروي المثل: «فأَرسَلَ إِليهِمِ ابنَه آخِرَ الأَمرِ وقال: "سيَهابونَ، ابْني". فلَمَّا رَأَى الكرَّامونَ الابنَ، قالَ بَعضُهم لِبَعض: "هُوَذا الوارِث، هَلُمَّ نَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه". فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه» (مت 21: 37-39).

 

حتى الآن، لم نسمع صوت الكرّامين المستأجرين، ولكنهم الآن، أمام الوارث الوحيد، يتّفقون على وضع نهاية لحياته ليستولوا بالكامل على هذا الكرم، بسبب الجشع والطمع اللذين أعميا قلوبهم حتى يرتكبوا جريمة قتل الابن! إنّ قرار صاحب الكرم بأن يرسل ابنه ووريثه، الذي يعلّق عليه كلّ آماله، وكأنّه يذهب بنفسه، يضع صاحب الكرم على المحك من أجل أن تستمر علاقته بكرمته. مغامرة صاحب الكرم كلّفته الكثير، وهي قتل ابنه الوحيد.

 

في هذه اللحظة، يستمر يسوع في تعليمه من خلال طرح سؤال على سامعيه من شيوخ الشعب وعظماء الكهنة، قائلًا: «فماذا يَفعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولئِكَ الكَرَّامينَ عِندَ عَودَتِه؟ [...] أَما قَرأتُم قَطُّ في الكُتُب: "الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ هو الَّذي صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة. من عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُنِنا"» (مت 21: 40-42).

 

بالتدريج، يحمل يسوع جوهر المثل إلى سامعيه، مدركًا بوعي كامل ما سينتظره بعد أيام قليلة، وهو إتمام قتل الابن الوحيد الذي أرسله صاحب الكرم، وهو الله الآب. ويشير إلى أنّه «الحجر المرذول»، وكيف سيُرفض ويُقتل حينما أرسله أبوه ليتواصل مع بشريّتنا، فتستمر علاقة الآب ببشريّتنا التي تشير إليها الكرمة.

 

ويصير الرفض أو القبول قرارًا لكلّ منّا حتى اليوم: قبولنا أن نصير كرم الرّبّ، واستقبال مَن يرسله إلينا ليكشف عن ذاته ويتواصل معنا، ولا سيّما إرساله ابنه الوحيد حبًّا بنا. وهنا يأتي التحذير الواضح والعلني في مثل يسوع التعليمي، لئلّا نرفض هذا التواصل الإلهي الذي يسعى إلى إنقاذنا من خطر الطمع والجشع. وما علينا إلّا أن ندخل في هذا المنطق، وندرك أنّنا لسنا أصحاب الكرم، بل مستأجرون وكّلنا الرّبّ على كرمه، وهو كلّ آخر.

 

وفي نهاية المثل، ينفرد متّى، بخلاف ما يورده الإنجيليان لوقا (راجع لو 20: 9-19) ومرقس (راجع مر 12: 1-12)، في روايته لمثل عمّال الكرم، بالتعبير القائل: «لِذلكَ أَقولُ لَكم: "إِنَّ مَلكوتَ اللهِ سَيُنزَعُ مِنْكُم، ويُعطى لأُمَّةٍ تُثمِرُ ثَمرَه"» (مت 21: 43).

 

هذا هو الجوهر الذي يحملنا إليه متّى من خلال لاهوته، وهو الملكوت الذي يتمثّل في الكرم. فنحن نعمل، أثناء حياتنا البشريّة، في الكرم الذي يرمز إلى الملكوت. وفي كلّ مرّة نقبل فيها هذا الملكوت، علينا أن نجتهد في أن نجعله يُثمر من هنا والآن. ويكمن تحذير يسوع لي ولك اليوم من الجشع الذي يعمينا عن هذا الجوهر.

 

يتحدّث يسوع في هذا المثل عن خطر دائم، وهو بمثابة تحذير موجّه خصيصًا إلى أولئك الذين يشغلون مناصب مسؤوليّة في جماعة المؤمنين. ويستخدم الإنجيليون، ولا سيّما متّى، هذا المثل التعليمي لتوضيح المسار الجديد لتاريخ الخلاص، واضعين حدث المسيح في مركزه. نعم، فالمسيح هو الهدف الأخير الذي اقترب به الله الآب من البشريّة. وهذا يؤكّد أنّ الكشف الإلهي وإعلان يسوع للإنجيل هما بمثابة مرحلة أساسيّة في تاريخ طويل اعتنى فيه الرّبّ بكرمه.

 

وبوضع هذا المثل قبل روايات الآلام، يتأكّد ضرورة فهم معنى تلك الأحداث التي ستتجسّد في نهاية حياة يسوع الأرضيّة، في ضوء عناية الله الآب، الذي يسعى إلى خلاص البشريّة المستقبليّة.

 

 

الخلاصة

 

ناقشنا في هذا المقال منظورين مختلفين يُظهران تناقضًا تامًّا. ففي العهد القديم، في سفر أشعياء (5: 1-7)، نجد إعلان إدانة بدلًا من نشيد حبّ العاشق! إنّها لغات مختلفة للتعبير عن علاقة بكلّ قوّتها وصدقها. وجهات نظر ولغات، جديدة وقديمة، نحن مدعوون إلى فهمها لنتعلّم من جديد، حتى نتمكّن من تمييز الوجه الحقيقي لإله يسوع، الذي كشف عنه الإنجيلي متّى (21: 33-43) كآب يرعى كرمته.

 

هذا الآب لا يكلّ، وبعناية لا تنقطع، من التواصل معنا حتى عندما نكون بعيدين عنه. فهو إله لا يتخلّى عنّا حينما نبتعد، أو نقرّر أن نحبّ غيره، أو نتبنّى رؤية متناقضة مع رؤيته ونقرّر الابتعاد. لدينا وجهتا نظر ولغتان مختلفتان كشف عنهما الكاتبان أشعياء ومتّى، وفي الوقت ذاته هما قديمتان وجديدتان.

 

نحن مدعوون إلى أن نبدأ من جديد في التعلّم، وقبول الحبّ الحقيقي، لنتمكّن من سماع كلمات تُنشَد في حبّنا اليوم، دون تحويلها إلى حكم بالإدانة؛ ولنكون قادرين مرّة أخرى، مثل أشعياء، على إنشاد كلمات لمغامرة الحبّ تتناغم مع إعلان إلهنا الذي يسعى جاهدًا إلى الكشف عن حبّه، بعناية فائقة، لكلّ إنسان على وجه الأرض.

 

دُمتم مغامرين.