موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٣ أغسطس / آب ٢٠٢٦

مهما قال لكم فافعلوه

بقلم :
د. عدلي قندح
تأمل روحي في بداية صوم رقاد السيدة العذراء

تأمل روحي في بداية صوم رقاد السيدة العذراء

 

في بداية صوم رقاد السيدة العذراء، نقف مع الكنيسة أمام أمنا مريم نتأمل فيها كصفحة جميلة من تاريخ الخلاص، وندخل معها في سرّ حيّ ما زال يتكشف في قلب كل إنسان يبحث عن الله. فمريم أمّ يسوع بحسب الجسد، هي الإنسانة التي استقبلت دعوة الله بكل تواضع وإيمان، فاختارها لتكون أمًّا للكلمة المتجسد. إنها الأرض الطيبة التي قبلت البذار الإلهي، والصمت الذي أصبح فيه الكلمة جسدًا.

 

ولهذا فإن آخر كلماتها التي حفظها لنا الإنجيل تختصر مسيرة حياتها كلها: "مهما قال لكم فافعلوه".  وهذه الكلمات لم تكن مجرد توجيه للخدم في عرس قانا، بل هي الوصية المريمية الوحيدة التي تركتها للكنيسة. فمريم، التي عاشت حياتها كلها في الإصغاء، تدعونا إلى الإصغاء. والتي قالت في بداية دعوتها : "ليكن لي بحسب قولك"، تقول لنا في نهاية رسالتها: "افعلوا ما يقوله لكم".

 

بين هاتين العبارتين تختصر حياة كاملة: حياة إنسانة لم تجعل ذاتها مركزًا، بل جعلت حياتها مساحة يعبر فيها الله إلى العالم.

 

 

مريم: الإنسان الذي يقول نعم لله

 

عندما جاء الملاك إلى الناصرة، لم يبحث الله عن امرأة تملك القوة أو المكانة، بل عن قلب قادر على الاستقبال. إن سر مريم ليس في أنها فهمت كل شيء، بل في أنها وثقت قبل أن تفهم. فالإنجيل لا يخبرنا أن مريم حصلت على كل الأجوبة، بل يخبرنا أنها حفظت الأمور في قلبها.

 

وهنا تكمن عظمة الإيمان: أن يسير الإنسان مع الله ليس لأنه يرى الطريق كله، بل لأنه يثق بمن يقوده.

 

كانت كلمة مريم: "ليكن لي بحسب قولك" أكثر من قبول أمومة جسدية. لقد كانت قبولًا لدخول الله في حياتها بكل ما يحمله هذا الدخول من فرح وألم، من مجد وصليب، من نور وغموض. لقد فتحت قلبها للنعمة، فصار قلبها أول موضع في الخليقة يستقبل الكلمة المتجسد.

 

في مريم نرى أن الله لا يفرض خلاصه على الإنسان، بل يدعوه إلى شراكة الحب. فالنعمة الإلهية لا تلغي الحرية البشرية، بل تحررها لكي تقول نعمها الكاملة.

 

 

من الناصرة إلى بيت لحم: الله الذي يأتي في الفقر

 

لم تأخذ مريم طريقًا نحو المجد كما يتصور العالم المجد. حملت طفلها، وسارت مع يوسف في طريق التعب نحو بيت لحم. لم يكن هناك قصر يستقبل الملك، ولا عرش يعلن سلطانه، بل مذود فقير.

 

لكن هنا يظهر منطق الله: فالذي لا تسعه السماوات اختار أن يدخل إلى العالم في ضعف طفل. والذي جاء ليخلص الإنسان لم يختر قوة السلاح، بل هشاشة الجسد البشري.

 

كانت مريم أول من حمل حضور الله بين يديها. لكنها اكتشفت أن حمل الله يعني أيضًا حمل السر، وأن القرب من الله لا يعني غياب الألم.

 

 

سمعان والسر المخفي للصليب

 

في الهيكل، عندما حمل سمعان الطفل يسوع بين ذراعيه، أعلن لمريم:  "إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين... وأنت أيضًا يجوز في نفسك سيف".

 

كان ذلك السيف قد بدأ منذ لحظة البشارة. فكل من يقول لله نعم حقيقية، يقبل أن يدخل في منطق الحب الذي يبذل ذاته. ومريم كانت شاهدة قريبة على عمل ابنها، وأمًا تشاركه طريقه بقلبها.

 

إنها لم تفهم الصليب كله في لحظة واحدة، لكنها سمحت لله أن يكشف لها المعنى خطوة بعد خطوة.

 

 

الناصرة: قداسة الحياة الخفية

 

هناك ثلاثون سنة من حياة يسوع لا يخبرنا عنها الإنجيل إلا بالقليل. لكنها سنوات عميقة في سر الخلاص. ففي صمت الناصرة، تعلّم الكلمة المتجسد لغة الإنسان، واختبر دفء الأسرة، وعاش إيقاع الحياة اليومية.

 

كانت مريم هناك، في قلب هذا السر الصامت. لم تكن تصنع أحداثًا عظيمة في نظر الناس، لكنها كانت تعيش أعظم عمل يمكن لإنسان أن يقوم به: أن يحفظ حضور الله في التفاصيل الصغيرة.

 

إن القداسة ليست دائمًا في اللحظات الاستثنائية، بل غالبًا في الأمانة اليومية التي لا يراها أحد إلا الله.

 

 

قانا: عندما تفتح الأم باب الساعة

 

في عرس قانا الجليل، تظهر مريم مرة أخرى كإنسانة ترى ما لا يراه الآخرون. وسط فرح العرس، لاحظت النقص: "ليس لهم خمر".

 

إنها جملة قصيرة، لكنها تكشف قلبها كله. إنها لا تنشغل بنفسها، بل ترى احتياج الإنسان. إنها الأم التي تحمل ضعف البشر إلى ابنها.

 

لم تطلب، ولم تأمر، ولم تفرض. فقط قالت: "ليس لهم خمر". ثم تركت المجال لله أن يعمل.

 

وعندما جاء جواب يسوع: "لم تأتِ ساعتي بعد"، لم تدخل في جدال، لأنها كانت تعرف أن الله يعمل بحسب حكمته. لذلك توجهت إلى الخدم وقالت: "مهما قال لكم فافعلوه".

 

هنا يظهر إيمان مريم الكامل. إنها لا تطلب من الله أن يحقق إرادة الإنسان، بل تعلم الإنسان أن يدخل في إرادة الله.

 

ولهذا فإننا نفهم "قانا معجزة تحويل الماء إلى خمر"، بأنها كشف عن سرّ التلميذ الحقيقي: أن يتحول الإنسان من الاعتماد على فهمه الخاص إلى الثقة بكلمة السيد المسيح.

 

 

هل أسرعت مريم ساعة السيد المسيح؟

 

إن سؤال قانا يقودنا إلى سر أعمق. هل غيّرت مريم توقيت رسالة يسوع؟

 

لا يمكن أن نفهم الأمر وكأن الإنسان يغير خطة الله، لأن ساعة السيد المسيح هي ساعة الآب. لكنها تكشف حقيقة أخرى أعمق: إن الله شاء أن يكون إيمان الإنسان جزءًا من ظهور عمله.

 

لم تغيّر مريم الساعة، لكنها كانت القلب الذي استقبل ظهورها. لم تجبر السيد المسيح على المعجزة، لكنها كانت أول من آمن بأن كلمته قادرة أن تصنع الجديد.

 

إن الماء الذي تحول إلى خمر كان علامة مسبقة على الخمر الجديدة للعهد الجديد، على الدم الذي سيُسكب على الصليب، وعلى الفرح الذي ستمنحه القيامة.

 

قانا تنظر إلى الصليب، والصليب يفسر قانا.

 

 

عند الصليب: أم الكنيسة

 

إذا كانت قانا هي بداية ظهور المجد، فإن الجلجلة هي اكتماله. هناك تقف مريم تحت الصليب. لا تهرب من الألم، ولا تبحث عن تفسير سريع، بل تبقى.

 

وهذا هو الإيمان في أعمق معانيه: أن نبقى مع الله حتى عندما لا نفهم.

 

هناك، في ساعة الظلمة، يقول لها يسوع: "يا امرأة، هوذا ابنك".  ويقول للتلميذ: "هوذا أمك".

 

في تلك اللحظة اتسعت أمومتها من ابن واحد إلى كل أبناء الله. أصبحت أمًا للكنيسة، لأنها قبلت أن تقف عند ولادة الكنيسة من جنب المسيح.

 

 

الرقاد: اكتمال الطريق

 

عندما تتأمل الكنيسة رقاد السيدة العذراء وانتقالها إلى السماء، فهي لا تهرب من حقيقة الموت، بل تعلن انتصار الحياة. فمريم هي صورة الإنسان الذي اكتمل فيه عمل النعمة.

 

إنها أول من سار الطريق إلى النهاية: قبلت الكلمة، حملته، رافقته، تألمت معه، وبقيت أمينة حتى المجد.

 

انتقالها ليس ابتعادًا عن الكنيسة، بل اقترابًا منها. فهي التي بلغت ما نرجوه نحن جميعًا: أن يتحول الإنسان بكامله، نفسًا وجسدًا، إلى حياة الله.

 

 

في مدرسة مريم

 

في بداية هذا الصوم، لا تطلب منا العذراء أن ننظر إليها فقط، بل أن نتعلم منها. أن نتعلم الصمت الذي يسمع، والطاعة التي تثق، والإيمان الذي يصبر.

 

إن صوم الرقاد هو دعوة إلى أن نترك في داخلنا مساحة لله، كما فعلت مريم. أن نسمح للكلمة أن تسكن فينا، وأن تتحول حياتنا من ماء عادي إلى خمر جديدة بنعمة المسيح.

 

ولهذا تبقى كلماتها الأخيرة صدى دائمًا في الكنيسة: "مهما قال لكم فافعلوه".

 

في هذه الكلمات تختصر مريم كل رسالتها: أن تقود الإنسان بعيدًا عن ذاته، نحو المسيح؛ بعيدًا عن الخوف، نحو الثقة؛ بعيدًا عن الموت، نحو الحياة.

 

ومعها نصلي في بداية هذا الصوم:

 

يا مريم، يا من قلتِ لله «نعم» كاملة، علّمينا أن نصغي إلى كلمته، وأن نحفظها في قلوبنا، وأن نعيشها في حياتنا، حتى يصبح المسيح فينا رجاء المجد.