موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٦ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

قراءة نقدية في كتاب البحث عن يسوع

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
قراءة نقدية في كتاب «البحث عن يسوع»: ملاحظات منهجية حول مصادر الأناجيل

قراءة نقدية في كتاب «البحث عن يسوع»: ملاحظات منهجية حول مصادر الأناجيل

 

لدى قيامي بإعادة ترتيب وتصنيف الكتب والمراجع في مكتبتي الخاصة، وقع نظري على كتاب الراحل كمال الصليبي (1929-2011) «البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل». وكنت قد قرأتُ هذا الكتاب قبل نحو عشرين عامًا، ودوّنت بالقلم الرصاص ملاحظاتٍ عديدة على صفحاته أملًا في الرجوع إليه وإعادة قراءته لاحقًا. لذلك توقفتُ عن ترتيب مكتبتي لاتفرغ هذه المرة لتلخيص بعض تلك الملاحظات في هذه المقالة.

 

صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 1999 عن دار الشروق في عمّان. ويلفت النظر أن الكتاب يخلو من قائمة بالمراجع التي اعتمد عليها المؤلف، كما يخلو من الهوامش والإحالات العلمية، باستثناء الفهرس العام لأسماء الأعلام والأماكن في نهايته.

 

سأركز في هذه المقالة على المخطط الذي أورده الصليبي في الصفحة (126) بوصفه تصورًا لمصادر مواد الأناجيل الأربعة. وقد حدد هذا المصادر على النحو الآتي:

التقاليد الرسولية بشأن يسوع الناصري.

الكتابات الباطنية التي اعتبرت عيسى ابن مريم إلهًا (في الأصل الآرامي).

الكتابات الباطنية التي اعتبرت عيسى ابن مريم إلهًا (في الأصل اليوناني).

أقوال وأمثال من التراث الشعبي الآرامي القديم.

 

ومن المثير للاستغراب أن الصليبي يورد هذا المخطط دون أن يرفقه بأي توثيق علمي أو إحالة مرجعية توضح الأسس التي استند إليها في صياغته.

 

وأتفهم تمامًا موقف بعض القراء من هذا الكتاب؛ فالصليبي، على الرغم من تميزه الأكاديمي في مجالات تاريخية أخرى، كان يميل في كثير من أعماله المتعلقة بالتوراة والأناجيل إلى بناء فرضيات لغوية تقوم على الاشتقاق اللفظي (Etymology) أكثر من اعتمادها على الأدلة الأركيولوجية أو الشواهد المخطوطية.

 

وفيما يلي تحليلٌ ونقدٌ لهذا المخطط في ضوء مناهج النقد الحديث للعهد الجديد، مع الإشارة أحيانًا إلى بعض الاعتبارات الدفاعية المسيحية.

 

 

أولًا: غياب الدليل المخطوطي (The Silence of Manuscripts)

 

تتمثل إحدى أبرز نقاط  الضعف في طرح الصليبي في غياب التوثيق العلمي الداعم له. ففي علم نقد العهد الجديد نتعامل مع آلاف المخطوطات اليونانية والشواهد النصية المتنوعة، ومع ذلك لا توجد – بحسب المعرفة الأكاديمية المتاحة – مخطوطة واحدة أو قصاصة بردية تدعم وجود كتابات باطنية آرامية تفصل بين يسوع الناصري وعيسى أبن مريم باعتبارهما شخصيتين مختلفتين أو مصدرين مستقلين. ومن ثم فإن هذا التصور يبقى في إطار الفرضيات التخمينية أكثر من كونه حقيقة تاريخية قابلة للإثبات.

 

 

ثانيًا: إشكالية الأصل الآرامي والترجمة اليونانية

 

يفترض الصليبي وجود مصادر باطنية كُتبت أولًا بالآرامية ثم نُقلت إلى اليونانية. غير أن الدراسات الحديثة، وإن أقرت بوجود خلفية آرامية لكثير من أقوال يسوع، لا تستنتج من ذلك وجود شخصيتين مختلفتين أو تقليديتين متعارضتين.

 

فعلى سبيل المثال، يرى العالم الألماني يواكيم جيريمياس أن أقوال يسوع الواردة في الأناجيل تحمل آثارًا واضحة للغة الآرامية، إلا أن هذه الخلفية تؤكد وحدة الشخصية التاريخية ليسوع ولا تبرر تقسيمها إلى شخصيات أو تقاليد مستقلة.

 

أما من الناحية الكنسية التاريخية، فإن المسيحية الأولى نشأت في بيئة يهودية، ولو وُجدت بالفعل تقاليد متعارضة بهذا الحجم بين يسوع الناصري التاريخي وإله باطني لظهرت آثارها بوضوح في سجالات الكنيسة الأولى ومجامعها.

 

 

ثالثًا: الأقوال والأمثال والتراث الشعبي الآرامي

 

يرى الصليبي أن جزءًا من الأناجيل يعود إلى فلكلور آرامي قديم. غير أن هذا الطرح يتجاهل النظريات المتداولة في الدراسات الإنجيلية، مثل فرضية المصدر «Q» ونظرية أسبقية مرقس. فحتى عندما يتحدث الباحثون عن وجود مجموعات من الأقوال أو الحكم السابقة لتدوين الأناجيل، فإنهم يربطونها بسياق تاريخي وجغرافي محدد في الجليل واليهودية خلال القرن الأول الميلادي، لا بتراث شعبي مجهول المصدر أو منفصل عن البيئة التاريخية ليسوع.

 

 

مقارنة بين مخطط الصليبۑ والنقد الأكاديمي الحديث

 

خلاصة نقدية

 

تفتقر فرضيات الصليبي في هذا الموضع إلى الدليل المادي المباشر وإلى التوثيق الذي يسمح بالتحقق منها. ويبدو أنه يطبق منهجًا لغويًا تفكيكيًا على نصوص دينية وتاريخية معقدة دون أن يقدم شواهد كافية على وجود المصادر التي يفترضها. ولا تكمن الإشكالية في اقتراح فرضيات لغوية جديدة، بل في الانتقال من الفرضية اللغوية إلى الاستنتاج التاريخي دون المرور بمرحلة الإثبات الوثائقي الكافي، الأمر الذي يجعل بعض النتائج المطروحة أقرب إلى الاحتمال منها إلى الحقيقة التاريخية المثبتة.

 

ومن هنا يمكن التساؤل عما إذا كانت قراءته للأناجيل متأثرة بنظريته الأشهر المتعلقة بجغرافية التوراة، أكثر من كونها نابعة من معطيات مستقلة تخص تاريخ الأناجيل نفسها.

 

وقد لاحظتُ أيضًا كثرة استشهاد الصليبي بالقرآن الكريم في هذا الكتاب، الأمر الذي يستدعي مناقشة منهجية خاصة، نظرًا للفارق الزمني الذي يفصل بين نصوص العهد الجديد والقرآن بنحو ستة قرون.

 

 

القرآن والإشكال المنهجي

 

ببساطة، الصليبي يقرأ «ما وراء النص» دون أن يثبت وجود هذا «الما وراء» أصلًا في الواقع التاريخي.

 

1. الفجوة الزمنية: من منظور البحث التاريخي، يصعب اعتماد نص من القرن السابع الميلادي بوصفه مصدرًا أوليًا لإعادة بناء مصادر نصوص تعود إلى القرن الأول الميلادي، ما لم تتوافر أدلة مستقلة تدعم هذا المسار. ولذلك فإن توظيف الرواية القرآنية لتفكيك تاريخ الأناجيل يظل إشكاليًا من الناحية المنهجية، خاصة إذا استُخدم بوصفه شاهدًا على أصول مفترضة لا وجود لها في السجل المخطوطي المعروف.

 

2. «يسوع» و«عيسى»: يبدو أن الصليبي يمنح الاختلاف اللفظي بين الأسمين أهمية كبيرة في بناء تصوره. غير أن الدراسات اللغوية المتخصصة ترى عمومًا أن «يسوع» و«عيسى» يعودان إلى الجذر السامي نفسه، وأن اختلاف الشكل اللغوي لا يقتضي بالضرورة اختلاف الشخصية التاريخية.

 

3. العلاقة بنظرية جغرافية التوراة: يمكن ملاحظة أن كثيرًا من استنتاجات الصليبي في هذا الكتاب تنسجم مع فرضيته السابقة المتعلقة بجغرافية التوراة. وهذا لا يبطلها تلقائيًا، لكنه يستدعي قدرًا أكبر من الحذر المنهجي والتوثيق العلمي.

 

 

استدراك: يواكيم جيريمياس والخلفية الآرامية لأقوال يسوع

 

يُعد العالم الألماني يواكيم جيريمياس من أبرز علماء العهد الجديد في القرن العشرين، وقد أسهمت دراساته في إبراز الخلفية الآرامية لأقوال يسوع.

 

كان جيريمياس يرى أن الأناجيل اليونانية تحتفظ بآثار واضحة من اللغة الآرامية التي تحدث بها يسوع، وسعى إلى إعادة بناء بعض هذه الطبقات اللغوية من خلال دراسة التراكيب والأساليب السامية الكامنة خلف النص اليوناني.

 

ومن خلال هذه المنهجية حاول الاقتراب مما سماه «الصوت الحقيقي ليسوع (Vox Ipsissima Jesu)»، دون أن يؤدي ذلك إلى افتراض وجود شخصيات متعددة أو تقاليد متعارضة حول يسوع.

 

ومن أشهر الأمثلة التي تناولها كلمة «أبّا (Abba)»، التي رأى فيها تعبيرًا فريدًا عن علاقة يسوع بالله، وهي سمة مميزة في تعليمه الديني.

 

ومن أهم مؤلفاته في هذا المجال:

The Parables of Jesus

The Central Message of the New Testament

The Eucharistic Words of Jesus

 

ولمن يرغب في التوسع باللغة العربية في موضوع الخلفية الآرامية للأناجيل، يمكن الرجوع إلى:

 

1. لماذا تكلمهم بأمثال؟ علم تفسير أمثال السيد المسيح، عاطف مهني المعصراني، دار الثقافة، القاهرة، 2020.

 

2. يسوع اللاهوتي اليهودي: دراسة في حياة الرب يسوع من منظور يهودي، براد إتش. يونج، ترجمة القس مينا القمص إسحق، دار الشرق المسيحي، القاهرة، 2023.

 

3. الأمثال بين التقليد اليهودي والتفسير المسيحي، براد إتش. يونج، ترجمة القس مينا القمص إسحق، دار الشرق المسيحي، القاهرة، 2023.

 

 

«ملاحظة منهجية»

 

عرفتُ الراحل كمال الصليبي معرفةً شخصية منذ عام 1994، عندما كان مديرًا للمعهد الملكي للدراسات الدينية في عمّان، الذي أسسه سمو الأمير الحسن بن طلال في العام نفسه. وقد أتاح لي ذلك الاطلاع عن قرب على جانب من شخصيته الفكرية والثقافية. وإذ أكتب هذه الملاحظات النقدية، فإنني أفعل ذلك انطلاقًا من تقديري لمكانته العلمية، لا انتقاصًا منها؛ فالمقالة لا تهدف إلى تقييم مشروعه الفكري بأكمله، بل إلى مناقشة بعض الأفكار التي طرحها في كتابه «البحث عن يسوع».

 

 

قائمة مراجع مهمة:

 

أولًا: مراجع في نقد العهد الجديد ومصادر الأناجيل

The New Testament Documents: Are They Reliable? F. F. Bruce

كتاب كلاسيكي مختصر ومهم جدًا في موضوع المخطوطات وتاريخ النص.

The Text of the New Testament, Bart D. Ehrman & Bruce M. Metzger

من أهم المراجع الأكاديمية في النقد النصي للعهد الجديد.

Jesus and the Eyewitnesses, Richard Bauckham

مفيد خصوصًا في مناقشة التقاليد الرسولية والشهادة المباشرة.

 

ثانيًا: مراجع في الخلفية الآرامية ليسوع (يواكيم جيريمياس)

Jerusalem in the Time of Jesus, Joachim Jeremias

من أشهر أعمال يواكيم جيريمياس.

The Parables of Jesus,

وهذا هو المرجع الأشهر في دراسته للبيئة الأصلية لأمثال يسوع.

New Testament Theology,

مفيد في إبراز كيف تعامل جيريمياس مع التقاليد الآرامية دون افتراض وجود شخصيات متعددة للمسيح.

 

ثالثًا: مراجع حول يسوع التاريخي

A Marginal Jew, John P. Meier

من أضخم الدراسات المعاصرة عن يسوع التاريخي

Jesus Remembered, James D. G. Dunn

يركز على الذاكرة الجماعية والتقليد الشفهي.

 

رابعًا: مراجع تفيد في تقييم أطروحات كمال الصليبي

التوراة جاءت من جزيرة العرب، كمال الصليبي

الكتاب بحث في جغرفيا التوراة على أسس جديدة، وخلاصته أن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين.

خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل، كمال الصليبي

يُعتبر هذا الكتاب تكملة وشرحاً لنظريته الأولى، حيث توسع فيه في استعراض الأدلة اللغوية والجغرافية التي عزز بها فرضياته حول موقع «بني إسرائيل» الأصلي في جبال السراة (عسير وجنوب الحجاز).

البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل، كمال الصليبي

في هذا الكتاب، يطبق الصليبي منهجيته التاريخية واللغوية على العهد الجديد، محاولاً تقديم قراءة مختلفة لشخصية يسوع وأصول المسيحية، وهو ضروري لفهم رؤية الصليبي النقدية للأديان الإبراهيمية ككل.