موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٦ مايو / أيار ٢٠٢٦

نداءٌ سامٍ: المسيحيّون في ميدان الفنون

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
«المسيحي هو ذاك الذي ينبغي لمخيّلته أن تُحلّق فوق النجوم» (فرانسيس شيفر، الفن والكتاب المقدّس)

«المسيحي هو ذاك الذي ينبغي لمخيّلته أن تُحلّق فوق النجوم» (فرانسيس شيفر، الفن والكتاب المقدّس)

 

قد تبدو أهمية الرعاة والوعّاظ في الكنيسة أمرًا بديهيًا لا ريب فيه. كما يُنظر إلى مِهَنٍ كالتعليم والطب بحماسٍ وتقديرٍ بالغَين، على أنّهما حرفتان تليقان بالمسيحيين؛ نظرًا لما تُقدّمانه من خدماتٍ جليلة ومحورية لمجتمعنا. ولكن، هل هناك مكانٌ للفنّان؟ قد لا يكون الموسيقي، أو النحّات، أو الشاعر أو المصوّر، أو الراقص، أو الممثل على رأس قائمة «أفضل الوظائف للمسيحيين». ومع ذلك، فإن هذه المهن بالذات تُجسّد بوضوح طاعةً وامتثالًا لأوامر جوهرية في الحياة المسيحية، ألا وهي: الرعاية، والكرازة، والمخيّلة. إنها دعوة سامية. فهل نحن، كما يدعو فرانسيس شيفر، نشجّع إخوتنا وأخواتنا على رعاية وتنمية مخيّلة «ينبغي لها أن تُحلّق فوق النجوم»؟

 

بصفتي شخصًا يُقدِّر الإبداع ويمارسه يوميًا، فقد جاهدتُ طويلًا لأجد مكانًا لهذا الشغف داخل الكنيسة. فقد نشأتُ، واستقرّ في ظني أنّ ممارسة الإبداع أمرٌ مقبول بوصفه «هواية» فحسب. أمّا إذا أردتُ تمجيد الله في مسيرتي المهنية، فكان لزامًا عليّ أن أجد شيئًا عمليًا، ويُفضَّل أن يكون متمحورًا حول العمل الرعوي أو الخَدَمي. بيد أنّني لم أكن أشعر بالانسجام التام أوالراحة في فضاءات تذوّق الفن وصناعته، وتساؤلتُ: هل يمكن لشغفي بأدب ما بعد الحداثة أن يتوافق مع الفهم الكتابي للحقيقة؟ وما علاقة رغبتي في كتابة الشعر وتذوّق فن السينما بنموّي الروحي؟ وهل كانت معارض الفنون التي أحببتها بشغف ساحاتٍ دنيوية مبتذلة، أم فضاءاتٍ مقدّسة؟

 

لقد كان قرار التفرّغ التام للعمل الإبداعي كمهنة أمرًا مُرهِقًا؛ فقد استلزم منّي إعادة النظر في هويتي كتلميذٍ للمسيح بطريقة جديدة تمامًا. وبينما كنتُ أُعيد تفكيك منظوري الفكري للعالم، اكتشفتُ حرية جديدة. لم أعد مضطرًا لإقحام الله قسرًا في أعمالي الإبداعية أو تبرير الطريقة التي أقضي بها وقتي، إذ غدت بصمات الخالق تتجلّى بوضوحٍ متزايد في كل عنصرٍ من عناصر الإبداع الفني.

 

 

الخرافة الكبرى: الفصل بين الروحاني والدنيوي

 

ثمّة تحفّظٌ وتوضيحٌ جوهريان لا بدّ من الإشارة إليهما عند النظر في المسؤوليات والبركات الملقاة على عاتق المسيحيين المدعوّين إلى المجالات الإبداعية. هناك خرافةٌ تعود جذورها إلى زمن الغنوصية، واستعادت رواجها إبّان عصرَي التنوير والرومانسية، مفادها أنّ الله لا يهتم إلا بالأنشطة الروحية المحضة. ووفقًا لهذه الخرافة، فإن تعليم الكتاب المقدّس هو وحده ما يهم، في حين يُنظر إلى مهنةٍ كجمع القمامة، أو حتى الفن، على أنّها أشياء هامشية أو تافهة.

 

صحيحٌ أنّ هناك مواهب أعظم (1 كورنثوس 31:12؛ 5:14)، وأن لمأمورية الكنيسة أهميةً خاصة (1 كورنثوس 29:7-34). إلا أنّ روّاد التجديد شدّدوا على أنّ كل عملٍ هو عملٌ روحي، بالرغم من هذه التأكيدات. فما زال صحيحًا أنّ الله قد وهبنا عالمًا لنعيش فيه، ونبتهج به، ونخدمه بمختلف المواهب التي قُسِّمت لنا. وسواء أكانت هذه الموهبة هي الوعظ أم حياكة الثياب، فكلاهما يُمجّد الله حين يُستخدم لمجده. لذا، فلنحرص على عدم الوقوع في فخ هذه الثنائية الزائفة، والفصل المفتعل بين ما هو روحي وما هو دنيوي. إنّ كل المهن ذات قيمة ومطلوبة، وأرى، على وجه الخصوص، أنّ ثمّة حاجةً مُلحّة لتشجيع الكنيسة على تقدير المسيحيين في قطاع الفنون.

 

يقول ستيف تيرنر، في كتابه، تخيّل: رؤية المسيحيين في الفنون:

 

«ما هو نطاق تسيُّد المسيح على حياتنا؟ هل ينحصر اهتمامه في ذلك الجانب من الحياة الذي نصنّفه دينيًا أو روحيًا؟ أم أنه مهتم بكل منحىً من مناحي حياتنا: الجسد، والنفس، والعقل، والروح»؟

 

أحرى بنا أن نستحضر هذه الكلمات ونحن نسعى لتشجيع الإبداع الفني وتذوّقه. وإليكم كيف صغتُ إطارًا لاهوتيًا يُوفّق بين عيشي كمسيحي وكياني كمبدع.

 

 

الحارثون

 

"وَقَالَ ٱللهُ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلَأُوا ٱلْأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا...» (تكوين 28:1).

 

إن التفاعل الأول بين الله والبشرية يتجلّى في أمرٍ بالخلق والإبداع. وبما أننا حملةُ صورة الله الخالق الأسمى، ذاك الذي صمّم البنية الجزيئية ولحّن تغريد الطيور، فليس من المستغرب إذًا أن نكون مدعوّين للإبداع. إنّ مهمة الخلق هي تفويضٌ بالاستصلاح والثقافة، والفنون حجرُ أساسٍ في هذا الصدد. فعندما نُؤمر بأن «نملأ الأرض ونُخضعها»، فإن هذه المهمة تنطوي على إرساء النظام والجمال، وهما أمران يختصرهما الفن ويُجسِّدهما.

 

إن الفن يعيننا على فهم العالم والإضافة إليه بطرق ذات معنى، وهي مهمة نبيلة تضرب بجذورها في سفر التكوين. وبالتالي، فإن «الإثمار» لا يقتصر على تكوين العائلات فحسب، بل يمتد ليشمل إبداع الموسيقى، والفن، والمسرح، والكتابة.

 

 

الشهادة الثقافية

 

إنّ الحضور المسيحي الفاعل في معترك الفنون يتيح فرصًا استثنائية لتوجيه أنظار الأقران والجمهور نحو شخص المسيح. ولا يعني هذا بالضرورة أن يقتصر الفنان المسيحي على إنتاج «الفن المسيحي» بالمعنى الحرفي، بل إن العكس هو الصحيح تمامًا. ونقلًا عن فرانسيس شيفر مجددًا، صاحب الإرث الاستثنائي في هذا الفضاء الفكري: «ينبغي للمسيحي أن يُسخّر هذه الفنون لمجد الله، لا كمجرّد مناشير دعائية، بل كأيقونات جمال تُرفع تسبيحًا لله».

 

فالعمل الفني يمكن أن يكون في ذاته «تسبحة حمد» (دوكسولوجيا). فعندما يبتكر مؤلِّفٌ شخصيةً ديناميكية يعكس انكسارُ قلبها شيئًا من حقيقة الخطيئة، فإنّه يشير بذلك إلى حقيقةٍ إنجيلية. وعندما تؤدي راقصةُ باليهٍ حركةً دورانية مذهلة، فهي تشهد لفرادَة الجسد البشري وجمال النظام المخلوق. وعندما يشتبك موسيقيٌّ مع قضايا الثقافة أو الجماليات بأسلوبٍ جديدٍ وحيوي، فإنه يطرح منظوره الفكري للعالم مرئيًا أمام الجميع.

 

وكما يجعلنا الروح القدس خليقةً جديدة (2 كورنثوس 17:5)، فإن ابداعاتنا هي الأخرى تتجدّد في ضوء عمل المسيح في حياتنا. ونحن لا نملك إلا أن نُعبِّر عن فهمنا للعالم المحيط بنا من خلال الفن الذي نصنعه.

 

الفن هو فضاءٌ يُحفَّز فيه الفكر الروحي، والأخلاقي، والفلسفي؛ فالفن يحمل دائمًا –في عمقٍ ما منه– جوعًا للتسامي والتعالي، وبحثًا مضنيًا عن المعنى. فأيُ مساحةٍ أروع من هذه ليعمل فيها المسيحي؟ إنهم في موقعٍ يتيح لهم تقديم شهادةٍ للخالق خارج حدود المنبر، بل إنهم يُزيّنون إعلانه العام بصنيع إيديهم.

 

 

صوتُ محوري

 

إذا كان المسيحيون يخشون الصناعات الإبداعية، فإن الكنيسة هي التي تخسر الكثير. فالفن ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الرؤى الفكرية للعالم، بل هو أداةٌ لصياغتها وتشكيلها أيضًا. فالأدب، والموسيقى، والفن، والإعلام هي الركائز الأساسية التي تقوم عليها الثقافة؛ فهل يملك المسيحيون حقًا ترف عدم المشاركة؟

 

إن حضورنا على هذه المنصات أمرٌ حتمي إذا أردنا تقديم الإنجيل، ومحبة جيراننا، والمساهمة في استصلاح عالمنا بطريقة شمولية متكاملة. ومرةً أخرى، لا يعني هذا أن تنحصر مشاركتنا في الأعمال الفنية التي تتناول صراحةً التقاليد أو المعتقدات المسيحية، بل يتعيّن علينا الانخراط الكامل، مستثمرين وزناتنا ومواهبنا الممنوحة لنا من الله لأجل مجده وخير المجتمع.

 

 

أبدِع لأجل خالقك

 

بمعزلٍ عن مساهمة الفن المتميّز في مجالي الكرازة والدفاعيات، ينبغي تشجيع الفنان المسيحي أيضًا على ممارسة فنّه لقيمته الذاتية المتأصّلة فيه. فنحن نتبع إلهًا خالقًا، هو من أوجد الثقافة، وهو يستعين بالأدب الرصين للتواصل معنا. لقد أرسل مخلّصًا شخصيًا ليفدي الخليقة التي يحبّها حبًا جمًا. هذا المخلّص يصنع كل شيءٍ جديدًا، وسيعود ليدشّن دهرًا من الجمال الذي لا تشوبه شائبة.

 

إن هذا الفنان الأزلي العظيم هو العلّة الأسمى والدافع الأكبر لكي يُبدع المسيحيون. إنّه يبتهج عندما يستثمر شعبه مواهبهم ببراعةٍ ونضوج. تقول الرسالة إلى أهل أفسس 10:2: «لِأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا».

 

إن القيام بـ«الأعمال الصالحة»، لا يقتصر على خدمة المشردين أو البعثات التبشرية في الخارج؛ بل يعني القيام بالعمل الذي ائتمنك الله عليه بأقصى ما تجود به طاقتك وقدرتك. وهذا يشمل، يقينًا، تهذيب مخيّلتك واستصلاحها لأجل إبداعٍ يُمجّد الله.

 

 

المقالة مترجمة عن موقع:

https://au.thegospelcoalition.org/article/christians-arts-high-calling/

 

حاشية المترجم:

فرانسيس شيفر (1912-1984) كان عالمًا لاهوتيًا أمريكيًا وفيلسوفًا وضع الأساس اللاهوتي والفلسفي في منتصف القرن العشرين لإعادة الاعتبار للفن من خلال كتابه «الكتاب المقدّس والفن».

ستيف تيرنر هو كاتب وشاعر وصحفي وكاتب سيرة بريطاني ولد عام 1949. وهو معروف بعمله الرائد في استكشاف العلاقة بين الإيمان المسيحي والفنون. في كتابه «تخيّل: رؤية المسيحيين في الفنون»، يطرح تحديًا للمسيحيين للانخراط بفعاليّة وجرأة في عالم الفنون والابتعاد عن الانغلاق في الثقافات الفرعية المسيحية، معتبرًا أن الفن يمكنه نقل الحقيقة العميقة وعظمة الخالق بامتياز وإتقان.