موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ينقلنا إنجيل اليوم إلى قرية العيزرية الواقعة على الطريق المنحدر من القدس نحو أريحا، خلف جبل الزيتون. إنها "بيت عنيا" التي يتحدث عنها الإنجيل. واسم "العيزرية" يستحضر اسم لعازر، الذي سمعنا للتو قصة مرضه وموته وإقامته من الموت.
كانت بيت عنيا مكانا مهما بالنسبة ليسوع. كان له هناك صديقتان وصديق: الأختان مرتا ومريم، وأخوهما لعازر. كان يسوع يحبهم، وكان يجد راحته هناك، خاصة وأنه لم يكن يملك بيتاً يسكنه ويرتاح فيه: "إنّ للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكارا، وأمّا ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه" (لوقا 9: 58).
نسأل أنفسنا: هل يسوع هو حقاً صديق لي؟ ما مدى معزته عندي؟ هل أنا مستعد لخسارة كل شيء لكي لا أخسره؟ أتذكر في هذا الصدد، عندما كنت لا أزال في المعهد الإكليريكي -منذ نصف قرن تقريباً-، أن جاء خبير ليتورجي معروف من روما، أصبح فيما بعد عميد مجمع الطقوس، وألقى علينا محاضرة. قال لنا إنه عندما نصبح كهنة علينا أن نعامل يسوع على المذبح كصديق. وهي كلمة تركت أثراً دائما في نفسي.
كان بيت الأصدقاء هذا أيضاً مسرحاً لمبادرة فريدة من الإكرام تجاه يسوع: حين دهنت مريم قدميه بالطيب ومسحتهما بشعرها (راجع يوحنا 11: 2).
عندما مرض لعازر، أرسلت الأختان خبراً ليسوع، معبرتين عن إيمانهما به وبقدرته، ومذكرتين إياه في الوقت نفسه بالصداقة التي تربطه بأخيهما: "يا رب، إنّ الذي تحبه مريض" (يوحنا 11: 3). ما أثمن العلاقات الإنسانية الحقيقية والصداقة في كل مكان: في الأسرة، في الرعية، في الحي، في العمل وفي المدرسة! نحن مدعوون على مستوى رعايانا إلى تعزيز العلاقات القائمة أو بناء علاقات جديدة.
ظهر لنا من النقاش بين يسوع وتلاميذه أنهم لا يزالون بحاجة إلى معرفة معلمهم بشكل أفضل، والدخول في رؤيته للواقع، واكتشاف أولوياته، والثقة به. وهذا ينطبق علينا نحن أيضاً، المؤمنين بيسوع وأصدقائه.
في هذه الأثناء، كان لعازر قد مات، وعندما وصل يسوع وتلاميذه، كان له في القبر أربعة أيام.
مرتا امرأة ذات شخصية عملية وصاحبة مبادرات كما يظهر من أكثر من حادثة يذكرها الإنجيل. ذهبت للقاء يسوع فور علمها بوصوله، وأعربت له عن أسفها، وفي الوقت نفسه أظهرت إيماناً قويا به. الأسف: لو كان يسوع قد جاء قبل ذلك، لشفى أخاها وجنّبه الموت. لكن إيمانها بالرب والصديق راسخ: "ولكني ما زلت أعلم أنّ كل ما تسأل الله، فالله يعطيك إياه" (الآية 22). كشف يسوع لمرتا أنه هو القيامة والحياة، وأن الإيمان به هو الدواء الواقي من الموت. وعندما سألها يسوع إن كانت تؤمن بذلك أم لا، أعلنت: "نعم، يا رب، إني أومن بأنك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (الآية 27).
ثم تأتي كلمات مرتا الرائعة لأختها: "المعلم ههنا، وهو يدعوكِ" (الآية 28). كم أحب تكرار هذه الكلمات، معطياً إياها معنىً روحيا خاصاً: يسوع حاضر في كنائسنا وينتظرنا هناك. ولكن غالباً ما نجعله ينتظر سُدى. ربما حان الوقت للتغيير: ألا نمرّ أمام الكنيسة دون دخولها، ولو لإلقاء تحية قصيرة على يسوع الحاضر في الإفخارستيا.
في مشهد قيامة لعازر المؤثر، لفت انتباهي دائماً صلاة يسوع للآب والمعنى الذي أعطاه لها: لقد كان واثقاً من استجابة صلاته، لكنه نطق بها من أجل الجمع الواقف حوله، ليؤمنوا أن الآب أرسله (راجع الآيات 41-42). يسوع الذي أقام لعازر من الموت، سيقوم هو نفسه بعد ثلاثة أيام في القبر، وسيكون باكورة الراقدين: إنّ قيامته تسبق قيامتنا في نهاية الأزمنة.
بالنسبة للقديس يوحنا الإنجيلي، المعجزة ليست فقط إقامة لعازر، بل هي يسوع الذي يعطي الحياة، لأنه هو نفسه "الحياة". إنها دعوة لعدم البقاء سجناء الخوف من الموت أو الفشل أو اليأس، وللسماح لنوره بأن يضيء "قبورنا الداخلية". إنّ لحركة "رفع الحجر" معنى رمزي: لنيل الحياة الجديدة، يجب أن نفتح قلوبنا، ونحرر أنفسنا من القيود التي تكبّلنا والأثقال التي ترهقنا. مثل لعازر، نحن أيضاً بحاجة إلى أن نرى أنفسنا محررين من قيودنا، لنتمكن من السير أحراراً على طرق الحياة التي وهبنا إياها السيد له المجد.