موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أيها الإخوة والأخوات الأحباء، ليس من الصعب علينا أن ندرك حقيقة التجربة في حياتنا، بل وفي كل يوم منها. ومع ذلك، لا بد من توضيح هام منذ البداية: "إذا جُرِّب أحد إذا جُرب: إن الله جربني". إن الله لا يجرله الشر ولا يجرب أحدا، في حين أن لكل إنسان شهوة تجربه فتفتنه وتغويه. والشهوة إذا حبلت ولدت الخطيئة، والخطيئة إذا تم أمرها خلّفت الموت". هذا ما كتبه القديس يعقوب في رسالته (1: 13-15).
ويستمر مؤكداً أن الصلاح وحده يأتي من الله: "لا تضلوا يا إخوتي الأحباء، فكل عطية صالحة وكل موهبة كاملة تنزل من عل من عند بيت الأنوار. وهو لا تبدل فيه ولا شبه تغيّر. شاء أن يلدنا بكلمة الحق لنكون كمثل باكورة خلائقه" (الآيات 16-17).
قد تنتابنا مشاعر متضاربة حين نعلم أن يسوع قد جُرِّب من الشيطان في البرية لمدة أربعين يوماً. هذا الرقم حاضر بقوة في الكتاب المقدس: موسى صام أربعين يوماً على جبل سيناء قبل استلام الوصايا العشر؛ وشعب إسرائيل استغرق أربعين سنة للوصول من مصر إلى أرض الموعد.
إن مشاعرنا المتضاربة قد تنبع من إدراكنا أن يسوع، قدوس الله، قد جُرِّب كما نُجرب نحن. لكنه خرج منتصراً. لذا، يمكننا نحن أيضاً أن نغلب الشيطان وحبائله المستمرة.
تجارب يسوع ليست الأولى، فالفصل الأول من سفر التكوين يخبرنا أن أبوينا الأولين، آدم وحواء، قد جُرِّبا وسقطا بسهولة في شباك الشيطان الخادعة، الذي صُوِّر في هيئة الحية. ولكن دعونا نتأمل بتفصيل أكبر في تجارب يسوع وكيف واجهها منتصراً.
واجه يسوع ثلاث تجارب أبرزها الإنجيلي مستشهداً بنصوص من الكتاب المقدس:
1. التغذي مما لا يأتي من الله: "إن كنت ابن الله، فمر أن تصيرهذه الحجارة أرغفة".
2. محاولة إخضاع الله لمآربه الخاصة: "إن كنت ابن الله، فألق بنفسك إلى الأسفل، لأنه مكتوب: يوصي ملائكته بك، فعلى أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك".
3. اتباع أوثان العالم الزائفة ونبذ الله: "أعطيك هذا كله إن جثوت لي ساجدًا".
من كل هذه التجارب، خرج يسوع منتصراً، متسلحاً بكلمة الله:
1. "مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله".
2. "مكتوب أيضا: لا تجربن الرب إلهك".
3. "إذهب، يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".
صام يسوع أربعين يوماً وأربعين ليلة، كما فعل موسى. ولأن الآب يعضده بملائكته، كشف يسوع عن نفسه كـ "موسى الجديد" الذي يقود شعبه نحو "خروج جديد"، فاتحاً باب الخلاص الذي لا يُنال إلا عبر طريق الطاعة لله وإنكار الذات الشاق.
تأملات آباء الكنيسة في التجارب
لقد خصص آباء الكنيسة تأملات عميقة لتجارب يسوع، لأنها تمثل الصراع الحاسم بين "آدم الجديد" (المسيح) والمجرّب الذي غلب الإنسان الأول:
النصر على "آدم القديم": يرى القديس إيريناوس (ق 2-3) ويوحنا فم الذهب (ق 4-5) أن التجارب الثلاث تقابل خطايا آدم في جنة عدن: الشراهة (تحويل الحجارة لخبز)، المجد الباطل (إلقاء النفس من الهيكل)، وعبادة الأوثان (ممالك العالم).
قيمة إنسانية يسوع: يؤكد الآباء أن يسوع جُرِّب كإنسان. يوضح القديس أغسطينوس (ق 4-5) أن المسيح "أخذ منا التجارب ليعطينا نصره". ويلاحظ البابا غريغوريوس الكبير (ق 6-7) أن الشيطان اقترب من يسوع تدريجياً ليفهم إن كان حقاً ابن الله، لأن لاهوته كان "محجوباً" بتواضع الجسد والجوع الحقيقي.
كلمة الله كسلاح: يرى أوريجانوس (ق 2-3) أن يسوع لم يجادل الشيطان فلسفياً، بل أجاب دائماً بـ "مكتوب"، ليعلّمنا أننا لا يجب أن "نحاور" الشر، بل نواجهه بثبات الكلمة الإلهية.
الارتباط بالمعمودية: يشير القديس يوحنا فم الذهب إلى أن تجربة يسوع حدثت فور معموديته، ليدرك المسيحيون أن التجارب تأتي بعد نيل النعمة، فهي ليست علامة على تخلي الله عنا، بل على أننا أصبحنا "أعداء" خطرين للشر.
نحن اليوم مدعوون للتحرر من عبودية الخطية ومن مُسببها: إبليس، "المشتكي" الذي لا يكل عن محاولة إفساد عمل الفداء. لنستعِد حريتنا من الخطيئة ونصونها كعطية ثمينة، من خلال فحص دقيق للضمير واعتراف صادق بخطايانا.