موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
خلافًا لإنجيل الأحد الماضي، الذي رّكز على المشهد الدرامي لتجارب يسوع في الصحراء، ببيئتها القاسية، ينقلنا إنجيل اليوم إلى الجليل، فوق جبل عالٍ يطل على مرج بني عامر الأخضر، في مشهد مختلف تماماً.
لا يذكر النص المقدس اسم الجبل، لكن التقليد يحدده بجبل "طابور"، المذكور في الكتاب المقدس في الفصلين الرابع والخامس من سفر القضاة، مع قصة النبية دبورة وباراق، الشخصية العسكرية البارزة.
بعد الصعود المرهق للجبل لمن يسير على الأقدام، وعند الوصول إلى الباحة أمام البازيليك ذات الأبراج الثلاثة، حيث البرج الأوسط أكبر من الآخرين، نجدها تستحضر الخيام الثلاث التي اقترح بطرس إقامتها ليسوع وموسى وإيليا. نحن ندين بهذا الصرح -وليس هذا وحده- لعبقرية المهندس المعماري أنطونيو بارلوزي (Antonio Barluzzi). ولكن دعونا نتأمل هذا المشهد المهيب.
رفقاء يسوع هم الثلاثة المفضلون لديه من بين الاثني عشر: بطرس وابنا زبدى، يعقوب ويوحنا. يقول متى إن يسوع "تجلّى أمامهم". يشير هذا المصطلح إلى تحوّل أو تغيير في الشكل أو المظهر، كاشفاً عن صورة مختلفة أو أسمى، غالباً ما تكون بمعانٍ مجيدة أو روحية. وهذا ما تحقق في يسوع: "أشع وجهه كالشمس، وتلألأت ثيابه كالنور" (متى 17، 2).
يمكننا أن نفهم هذا المشهد المجيد كمعجزة، ولكن بالنسبة للقديس أغسطينوس، الأمر يتعلق بـ "توقف المعجزة": فخلال حياته الأرضية، كان يسوع "يخفي" مجده، والآن يكشف عنه.
علاوة على ذلك، يقدّم أسقف هيبون تفسيراً عميقًا يركّز على العلاقة بين الحياة الحاضرة والحياة الأبدية. بالنسبة لأغسطينوس، ليس حدث التجلي مجرد واقعة تاريخية، بل هو استباق رمزي لما سيحدث للكنيسة وللمؤمنين. هذه هي النقاط الرئيسة في تفسيره:
1. التجلي كاستباق للقيامة
يوضح أغسطينوس أن يسوع أراد إظهار مجده للتلاميذ لإعدادهم لـ "عثرة الصليب". النور الذي يشع من وجهه وثيابه هو مجد القيامة. إضافة، برؤية يسوع متجلياً، يتلقى التلاميذ الدليل على أن الموت لن يكون النهاية، وأن أجساد المخلَّصين ستُمجد.
2. موسى وإيليا: الاتفاق بين الشريعة والأنبياء والإنجيل
حضور موسى، ممثلاً للشريعة، وإيليا، ممثلاً للأنبياء، بجانب يسوع، هو أمر جوهري بالنسبة لأغسطينوس:
· تناغم الكتب المقدسة: يؤكد قديسنا أن الشريعة والأنبياء يشهدون للمسيح. لو لم يأتِ المسيح، لظلت الشريعة غامضة، والأنبياء غير مكتملين.
· وحدة العهدين: على جبل طابور، يتحدث موسى وإيليا مع يسوع، للدلالة على عدم وجود تناقض بين العهد القديم والجديد، بل استمرارية واكتمال.
3. نقد بطرس: "ليس هنا مقامك"
من أشهر المقاطع في تعليقات أغسطينوس، رد فعل بطرس، الذي اقترح نصب "ثلاث خيام" للبقاء على الجبل. كتب أغسطينوس:
"يا بطرس، كنت تبحث عن الراحة على الجبل، لكن المسيح يقول لك: 'انزل لتتعب على الأرض، لتخدم على الأرض، لكي تُحتقر وتُصلب على الأرض'."
بالنسبة لأغسطينوس، أخطأ بطرس لأنه أراد التمتع بالرؤية الطوباوية (المكافأة) قبل إتمام تعب المحبة (المسيرة). التجلي هو محطة لتقوية الإيمان، وليس الوجهة النهائية. "خيمتنا" النهائية ليست مصنوعة من أغصان أو حجارة، بل هي المسيح نفسه في ملكوت السماوات.
4. رمزية الثياب البيضاء
يفسر أغسطينوس ثياب يسوع، التي صارت "بيضاء كالنور"، كرمز للكنيسة:
· تمثّل القديسين والمؤمنين الذين يشكلون جسد المسيح السري.
· بياضها الناصع يشير إلى التطهير من الخطايا الذي يتم من خلال النعمة.
5. صوت الآب: "له اسمعوا"
يؤكد أغسطينوس أنه بينما يختفي موسى وإيليا في نهاية الرؤية، يبقى يسوع وحده. هذا ليعلمنا أنه بالرغم من ضرورة الشريعة والأنبياء لتمهيد الطريق، فإن الصوت الوحيد الذي يهم ويجب سماعه الآن هو صوت الإبن. وهذا يذكّرنا بما قالته السيدة العذراء للخدم في عرس قانا الجليل: "مهما قال لكم فافعلوه" (يوحنا 2، 5).
بالموجز، بالنسبة للقديس أغسطينوس، التجلي هو دعوة للرجاء: فهو يرينا إلى أين نحن ذاهبون (نور المجد)، لكنه يذكّرنا بواجبنا الحاضر، دون أن نستسلم للإحباط خلال تجارب الحياة. إن مجد يسوع الذي ظهر على الجبل المقدس سيكون مجدنا، إذا استمعنا إلى صوته وقبلنا مثله مشيئة الآب، مع حتمية حمل صليبنا كما فعل يسوع.
"يا يسوع، خذني معك إلى جبل الصمت والنور. اجعلني في هذا الصوم أجد لحظات من السكون لأعرف صوتك وأثق في حضورك. آمين".