موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٤ مارس / آذار ٢٠٢٦

عظة الأحد الرابع من زمن الصوم - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
العمى الحقيقي ليس ظلام العينين، بل انغلاق القلب

العمى الحقيقي ليس ظلام العينين، بل انغلاق القلب

 

لقد استمعنا لتوّنا إلى الرواية الطويلة والمفصلة لشفاء رجل أعمى في أورشليم (يوحنا 9، 1-41). قد نشعر ببعض المفاجأة بسبب طول السرد، لأن يسوع شفى الكثير من المكفوفين، ومن بينهم برطيماوس ابن طيماوس، كما يروي لنا مرقس (10، 46-52). فعند صرخته: "رحماك، يا ابن داود، يا يسوع!، وسؤال السيّد: "ماذا تريد أن أصنع لك؟"، جاء رد برطيماوس: "رابوني ، أن أُبصر!". فقال له يسوع: إذهب! إيمانك خلّصك".

 

لكن، لنعد إلى الرواية لنجد يسوع يصحح تلاميذه الذين، وفقاً لعقلية ذلك الزمان، كانوا يتساءلون عن سبب عمى ذلك الرجل، وأي خطيئة كانت وراء العقاب الإلهي: خطيئته أم خطيئة والديه. أمّا يسوع فيغيّر الهدف: المسألة ليست عقاباً أو بحثاً عن "من المُخطئ؟"، بل هي فرصة لاغتنام نور النعمة الذي يُقدَّم للإنسان إذا قَبل الله في حياته. إنّ كل صعوبة نواجهها يمكن أن تصبح فرصة للانفتاح على نور الله. وهذا تعليم عظيم يُقدَّم لنا أيضاً: تجاربنا، جراحنا، وصعوباتنا ليست عقوبات، بل أبواب مفتوحة للنعمة.

 

نعود إلى رواية المعجزة. تفل يسوع في الأرض وصنع من تفاله طيناً، طلى به عيني الأعمى. قد يبدو هذا التصرف "غير صحي"، ولكن بالنسبة للقديس أغسطينوس ليس الأمر كذلك: "الكلمة صار جسداً" (راجع يوحنا 1، 14)، أي من طين، بما أن الكائن البشري أصله من التراب، بحسب سفر التكوين.

 

رغم طلاء عينيه بالطين، لم يكن الأعمى يبصر بعد. فأرسله يسوع إلى بِركة سلوام، التي تسنّى لي زيارتها من بين أماكن أخرى في الأرض المقدسة. اسم البِركة، كما يوضح الإنجيلي، يعني "المرسَل"، والمرسل الأسمى هو يسوع نفسه، فبدونه ما كان لأحد منا أن يتحرر من الخطيئة.

 

يذهب الأعمى ليغسل عينيه في هذه البركة طاعة لأمر يسوع. ويرى القديس أغسطينوس في هذا الاغتسال "معمودية خاصة": الأعمى يغسل وجهه في يسوع نفسه، "المرسَل"، الذي تحمل البِركة اسمه. حينئذ انفتحت عينا الأعمى وأبصر النور لأول مرة. إنها حالة من الاستنارة.

 

يؤكد يسوع مرة أخرى اهتمامه الأول: "يجب علينا، ما دام النهار، أَن نعمل أَعمال الذي أَرسلني" (الآية 4). ويتابع:  "فالليل آت، وفيه لا يستطيع أَحد أَن يعمل". ويعقّب القديس أغسطينوس: "فليعمل الإنسان ما دام حياً، لكيلا يباغته الليل حين لا يعود بمقدور أحد أن يعمل. إنه الآن الوقت الذي يجب فيه أن يعمل الإيمان بالمحبة؛ وإذا عملنا الآن، فها هو النهار، وها هو المسيح".

 

يستعيد الأعمى بصره ويرى نور الشمس، منطلِقًا ليرى بالإيمان يسوع "نور العالم"، الذي يعلن: «مَا دمتُ في الْعالم، فأَنا نور العالم" (يوحنا 9، 5). هو نفسه النهار الذي يجب على الأعمى أن يغسل عينيه فيه، إذا أراد أن يرى النور.

 

ويضيف القديس أغسطينوس: "فليعمل الإنسان ما دام حياً، لكيلا يباغته الليل حين لا يعود بمقدور أحد أن يعمل. إنه الآن الوقت الذي يجب فيه أن يعمل الإيمان بالمحبة؛ وإذا عملنا الآن، فها هو النهار، وها هو المسيح... إنّ نهارنا، الذي ينتهي عندما تكمل الشمس مسارها، لا يدوم إلا ساعات قليلة؛ أما نهار حضور المسيح فيمتد إلى انقضاء الدهر. ما تنوي فعله، افعله وأنت على قيد الحياة، قبل أن يأتي الليل الحالك الذي سيبتلع الأشرار".

 

لا يكفي أن نرى بالعينين، بل يجب أن نرى بالقلب. فالفريسيون، رغم رؤيتهم للمعجزة، ظلوا عميانًا لأنهم منغلقون في قناعاتهم وفي رغبتهم بالحفاظ على سلطتهم. أما الرجل المعافى، الواعي لعماه، فقد انفتح أكثر فأكثر على الحقيقة، حتى رأى يسوع واعترف به ابنًا لله.

 

من خلال هذا النص، يحدثنا الإنجيلي عن الإيمان كمسيرة، ليست سهلة دائماً، وغالباً ما تكون محفوفة بالتحديات، لكنها مسيرة محرِّرة. العمى الحقيقي ليس ظلام العينين، بل انغلاق القلب. ولكي نرى حقًا لا تكفي العيون، بل نحتاج إلى القدرة على التعرف على الله في حياتنا، والإيمان حتى عندما يبدو كل شيء ضدنا. يدعونا يسوع للخروج من عمانا الداخلي، لنسمح لنوره باختراق مخاوفنا، وأحكامنا المسبقة، وحدودنا، لكي يصنع العجائب في حياتنا. يدعونا للثقة به، وإلى أن لا نخاف من التغيير، وأن نكون شهوداً لنوره وسط الظلام.

 

أود أن أختم مستبقاً الصلاة التي سنصليها بعد المناولة: "اللهم، يا من تنير كل إنسان آتٍ إلى هذا العالم، أفض علينا نور نعمتك، لتكون أفكارنا مطابقة لحكمتك، ونستطيع أن نحبك بقلب صادق. آمين".