موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٧ مارس / آذار ٢٠٢٦

عظة الأحد الثالث من الزمن الأربعيني - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
لو كنتِ تعلمين عطية الله

لو كنتِ تعلمين عطية الله

 

كل شيء يبدأ بيسوع المتعب والعطشان، الذي يلتقي بامرأة سامرية جاءت لتستقي ماءً من بئر يعقوب. هذا اللقاء، الذي كان من الممكن أن ينتهي بمجرد قبول أو رفض إعطاء القليل من الماء، ينتهي بفيض من الكشف عن حقائق ذات أهمية بالغة. ولكن لنرَ كيف سارت الأمور.

 

كان يسوع وحده عند البئر نحو وقت الظهر، أي في أشد ساعات النهار حرارة في أيام الحصاد الملتهبة. وفي تلك اللحظة وصلت امرأة سامرية لتستقي ماءً. من يدري لماذا اختارت ذلك الوقت؟ ربما لتجنب لقاء أشخاص يعرفون قصتها، مما قد يسبب لها الحرج بحديثهم أو حتى بنظراتهم، بسبب سيرتها المضطربة من الناحية العاطفية.

 

كان يسوع وحده، إذ إن تلاميذه  كانوا " قد مضوا إلى المدينة ليشتروا طعامًا" (يوحنا 4، 8)، كما يوضح الإنجيلي يوحنا، الوحيد الذي روى هذه الحادثة. وعند وصول المرأة مع جرتها، طلب منها يسوع أن تسقيه. بهذا الطلب، يتخطى الرب محظورين: الأول التواجد بمفرده مع امرأة، والثاني أنّ هذه المرأة سامرية، لدرجة أنها سألته بتعجب: «كيف تطلب مني أن أسقيك وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟» (الآية 9 أ). ويوضح الإنجيلي: "لأن اليهود لا يخالطون السامريين" (الآية 9 ب).

 

الدهشة الأخرى كانت للتلاميذ عند عودتهم من المدينة: كيف يتحدث مع امرأة! ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء التلاميذ المندهشين لم يجرؤوا على طرح أسئلة على يسوع حول وجوده وحده مع امرأة والتحدث إليها. فقد كان للمعلم عليهم مهابة تفرض احترامًا عميقًا، لا يخلو من بعض الخوف.

 

ومع ذلك، فإن سلوك يسوع هو السلوك "الطبيعي": ففي الواقع، لا يجب أن يكون هناك تصنيف أو تسميات أو تهميش أو إقصاء بسبب الجنس أو العرق أو الدين أو الثقافة أو المكانة الاجتماعية. وحتى السلوك الخاطئ، مثل سلوك العشارين والزناة، إذا تم تصحيحه، لا يشكّل سببًا للدينونة أو التمييز أو الإقصاء. ونذكر في هذا الصدد اختيار يسوع لسامري ليكون "بطل" المثل الذي يعلّمنا فيه عن السلوك الرحيم تجاه القريب المحتاج (راجع لوقا 10، 25-37).

 

أمام دهشة المرأة من الطلب الغريب لهذا الرجل، الذي ستكتشف هويته تدريجيًا مع استمرار المحادثة، يأتي رد يسوع: «لو كنتِ تعرفين عطاء الله ومن هو الذي يقول لكِ: أسقيني، لسألته أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًا» (الآية 10). من الماء الطبيعي، يكشف لها يسوع عن الماء الحي، الذي إذا شرب منه أحد فلن يعطش أبدًا، لأنه "يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية" (الآية 14ب). إنه عطية النعمة والروح القدس.

 

وعند طلبها، الذي ربما لم يكن مدروسًا جيدًا، للحصول على ذلك الماء، يطلب منها يسوع أن تذهب وتدعو زوجها، كاشفًا أنه يعرف "كل ما فعلَت".

 

تعرف السامرية في يسوع "نبيًا"، وتسأله عن المكان الصحيح لعبادة الله: هل هو أورشليم، كما يقول اليهود، أم الهيكل الذي بناه السامريون على جبل جرزيم منافسة لهيكل أورشليم؟

 

إجابة يسوع مليئة باللطف، وفي الوقت نفسه كاشفة لحقائق جديدة حول طبيعة الله وكيفية عبادته: "اإن لله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح والحق" (الآية 24). علاوة على ذلك، لا يتوانى يسوع عن التوضيح: فبينما يعبد السامريون ما لا يعرفون، يعبد اليهود ما يعرفون، "لأن الخلاص يأتي من اليهود" (الآية 22ب).

 

خلف حياة غير منتظمة تمامًا من الناحية الأخلاقية، كان هناك انتظار: انتظار "المسيح"، الممسوح من الله، الذي عندما يأتي سيخبر بكل شيء لمن ينتظره.

 

يفاجئنا يسوع مرة أخرى: فهو في أكثر من مناسبة لم يُرد كشف هويته، لكنه يفعل ذلك لامرأة، وسامرية، وفوق ذلك ذات سيرة غير حميدة.

 

تصبح محاوِرة يسوع المحظوظة شاهدةً له: تذهب إلى المدينة وتقول للناس أن يأتوا ليروا شخصًا مميزًا قال لها كل ما فعلَت، وتتساءل: "أتراه المسيح؟" (الآية 29ب).

 

أظهر السامريون انفتاحًا تجاه يسوع وبشارته وآمنوا به.

 

أمّا إلحاح الرسل على يسوع ليأكل، فقد كان مناسة لتصريح مقتضب وبالغ الأهمية، يجب أن يصبح هاديًا لنا: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأن أتم عمله" (الآية 34).

 

الآن أود أن أترك الكلمة للبابا بندكتس السادس عشر الذي علّق على إنجيل اليوم مقتبسًا من القديس أغسطينوس: "ليس عبثًا تعب يسوع... قوة المسيح خلقتك، وضعف المسيح أعاد خلقك... بقوته خلقنا، وبضعفه جاء يبحث عنا". ويتابع البابا: "إنّ تعب يسوع، علامة إنسانيته الحقيقية، يمكن اعتباره مقدمة لآلامه، التي بها أتم عمل فدائنا. وبشكل خاص، في اللقاء مع السامرية عند البئر، يبرز موضوع "عطش" المسيح، الذي يبلغ ذروته في الصرخة على الصليب: "أنا عطشان". بالتأكيد هذا العطش، مثل التعب، له أساس جسدي. ولكن يسوع، كما يقول أغسطينوس أيضًا، "كان عطشانًا لإيمان تلك المرأة"، كما هو عطشان لإيماننا جميعًا. الله الآب أرسله ليروي عطشنا للحياة الأبدية، واهبًا إيانا حبه، ولكن ليعطينا هذه العطية، يطلب يسوع إيماننا. إنّ قدرة الحب الكلية تحترم دائمًا حرية الإنسان؛ تقرع بابه وتنتظر بصبر رده.

 

"في اللقاء مع السامرية، يبرز في المقدمة رمز الماء، الذي يشير بوضوح إلى سر المعمودية، ينبوع الحياة الجديدة للإيمان بنعمة الله. إن هذا الإنجيل... هو جزء من المسار القديم لإعداد الموعوظين للتنشئة المسيحية، التي كانت تتم في عشية عيد الفصح. يقول يسوع: "من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش أبدًًا، بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية". هذا الماء يمثّل الروح القدس، "العطية" الأسمى التي جاء يسوع ليحملها من لدن الله الآب. من يولد من الماء والروح القدس، أي في المعمودية، يدخل في علاقة حقيقية مع الله، علاقة بنوية، ويستطيع أن يعبده "بالروح والحق"، كما كشف يسوع للمرأة السامرية. وبفضل اللقاء مع يسوع المسيح وعطية الروح القدس، يصل إيمان الإنسان إلى كماله، كاستجابة لملء إعلان الله.

 

"يمكن لكل واحد منا أن يضع نفسه مكان المرأة السامرية: يسوع ينتظرنا، خاصة في زمن الصوم هذا، ليتحدث إلى قلوبنا، إلى قلبي. لنقف لحظة في صمت، في غرفتنا، أو في كنيسة، أو في مكان منعزل. لنستمع إلى صوته وهو يقول لنا: «لو كنتِ تعلمين عطية الله...».

 

"لتساعدنا العذراء مريم ألا نفوّت هذا الموعد، الذي تعتمد عليه سعادتنا الحقيقية".