موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٣ فبراير / شباط ٢٠٢٦

عظة الأحد السادس من الزمن العادي – السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
يسوع، حكمة الله، يقدّم لنا تعليماً جديداً أكملَ الشريعة القديمة

يسوع، حكمة الله، يقدّم لنا تعليماً جديداً أكملَ الشريعة القديمة

 

هناك تعبير شعبي يساعدنا على فهم إنجيل اليوم: "الحساء المُعاد تسخينه". تماماً مثل الحساء الذي يفقد قوامه ونكهته الأصلية بمجرد تسخينه مرة أخرى، فإن الحدث الذي يُشار إليه بهذا التعبير يُنظر إليه على أنه يفتقر إلى الحماس، أو أنه قسري أو محكوم عليه بالفشل؛ إذ تنقصه الجِدة والنضارة.

 

بالتأكيد، لا يمكن قول ذلك عن تعاليم يسوع. إليكم حكم مستمعيه في هذا الصدد: "ولما أتم يسوعُ هذِا الكلام،  أُعجبت الجموع بتعليمه، لإنه كان يعلّمهم كمن له سلطان، لا مثل كتبتهم" (متى 7: 28-29). نحن هنا في ختام "العظة على الجبل".

 

وهناك سؤال جوهري يطرح نفسه: هل أنكر يسوع التعليم الديني اليهودي، المتمثل أساساً في شريعة موسى والأنبياء؟ بالتأكيد لا! وإنجيل اليوم هو خير دليل على ذلك.

 

فمن خلال سلسلة من "المناقضات" مع الوصايا القديمة، يرسم يسوع طريقته الجديدة في تقديمها. ويذكّرنا قائلاً: "مَا جِئْتُ لأَبطل، بل لأُكمل " (متى 5: 17). وهذا على عكس ما نفعله نحن أحياناً، حيث نفسّر الكلمة ونطوّعها حسب رغباتنا. يسوع يملأ الوصايا القديمة بالمحبة الإلهية وبقوة الروح القدس. وهكذا تصبح كل وصية حقيقية، كمتطلب للمحبة، وتجتمع كلها في وصية واحدة: "أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك... أحبب قريبك حبك لنفسك " (متى 22: 37). ويوجز القديس بولس ذلك قائلاً: "المحبة هي كمال الشريعة " (رومة 13: 10). أما القديس أغسطينوس فيقول: "أحبِب، وافعل ما تشاء".

 

بين العقيدة المسيحية وجذورها اليهودية، هناك في آن واحد قرب وانفصال. عقيدتنا تتبع الشريعة وتتسامى فوقها في الوقت نفسه. يسوع لم يأتِ "ليهدم الشريعة والأنبياء"؛ ولم يأتِ ليحبط التوقعات المسيحانية للعهد القديم، بل بالأحرى ليحققها في محتواها النبوي. لذلك، في مقابل "بِرّ" مطابق للشريعة، قائم على تعدد الممارسات ووفرة الأعمال، يبرز البِر الجديد، الباطني بالكامل، المتجاوز للحرف، والمطابق لتفسير أعمق وروحي للمشيئة الإلهية. فالإنجيل ليس في صراع مع الشريعة، بل مع التفسيرات الخاطئة التي قدّمها معلمو الحرف والأنبياء الكذبة.

 

فإذا كان لا يجوز قتل أحد، فهذا يعني أنه لا يجوز أيضاً كل ما يسبق القتل، مثل الازدراء والافتراء.

 

وفيما يتعلق بالزنى والشهوة (الآيات 27-30)، يذهب يسوع إلى أبعد من الفعل الجسدي. فالزنى يولَد من النظرة التي تسعى للامتلاك وتحويل الآخر إلى مجرد "شيء". لغة يسوع هنا هي لغة المبالغة (قلع العين، قطع اليد) للتأكيد على جدية الانضباط الداخلي. إنها ليست دعوة لإيذاء الذات، بل لقطع حاسم مع كل ما يفسد القدرة على المحبة.

 

وبخصوص الطلاق (الآيات 31-32)، في سياق كان فيه الطلاق ممارسة سهلة ومجحفة بحق المرأة، يدعو يسوع إلى الوحدة الأصلية للرابط الزوجي، معارضاً سطحية عادات ذلك الزمان.

 

ثم تأتي المصالحة بأي ثمن، وهي الأمر المُلِحّ الذي يبرز من توصية يسوع: "إذهب أولا وصالح أخاك"" (متى 5: 24). والتحذير المهيب "فليكن كلامكم: نعم نعم، ولا لا" (متى 5: 37)، يُظهر مدى أهمية الصدق لدى يسوع: فلا يمكن للمسيحي الحقيقي أن يستغني عنه.

 

أما بخصوص القَسَم، وهو الضمان الأخير الذي يمكن أن يقدمه الإنسان لقريبه، فإن يسوع يرفضه لأن اللجوء المفرط إليه هو دليل على عدم الثقة، والريبة، وعدم الإخلاص، ويشوّه الكلمة المعطاة التي هي أوثق رباط للحياة المشتركة. فخارج نطاق الصدق يوجد الكذب الذي، كما يذكّرنا يوحنا، أبوه هو إبليس (راجع يوحنا 8: 44).

 

يسوع، حكمة الله، يقدّم لنا تعليماً جديداً أكملَ الشريعة القديمة. نحن إذن أبناء الجِّدة المسيحية وبناتها. فلنعشها بملئها وبفرح، ولنكن شهوداً صادقين ليسوع أمام من لا يعرفه بعد.