موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٦ مايو / أيار ٢٠٢٦

صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة: مِن أَجلِ ذاتِهِ وَمِن أَجلِ تَلاميذِهِ

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأَحَدُ السَّابِعُ لِلْفِصْح: صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة: مِن أَجلِ ذاتِهِ وَمِن أَجلِ تَلاميذِهِ (يوحنّا 17: 1-11)

الأَحَدُ السَّابِعُ لِلْفِصْح: صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة: مِن أَجلِ ذاتِهِ وَمِن أَجلِ تَلاميذِهِ (يوحنّا 17: 1-11)

 

النص الإنجيلي: (يوحنا 17: 1-11)

 

1قالَ يسوعُ هذهِ الأَشياء، ثُمَّ رَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماءِ وقال: ((يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ 2بِما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له. 3والحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح. 4إِنِّي قد مَجَّدتُكَ في الأَرض فأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَلتَ إِلَيَّ أَن أَعمَلَه 5فمَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَن يَكونَ العالَم. 6أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم. كانوا لَكَ فَوهبتَهُم لي وقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ 7وعَرفوا الآنَ أَنَّ جَميعَ ما وَهَبتَه لي هو مِن عِندِك 8وأنَّ الكلامَ الَّذي بَلَّغَتنيه بَلَّغتُهم إِيَّاه فقَبِلوه وعَرَفوا حَقّاً أَنِّي مِن لَدُنكَ خَرَجتُ وآمنوا بِأَنكَ أَنتَ أَرسَلتَني. 9إِنِّي أَدعو لَهم ولا أَدعو لِلعالَم بل لِمنَ وَهبتَهم لي لأَنَّهم لَكَ. 10وجَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي وقَد مُجِّدتُ فيهِم. 11لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم وَأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم وأَنا ذاهِبٌ إِليكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد.

 

 

المُقَدِّمَة

 

يُعَدُّ الفَصلُ السّابِعَ عَشَرَ مِن إِنجيلِ يوحنا مِن أَعمَقِ النُّصوصِ اللّاهوتِيَّةِ وَالرُّوحيَّةِ في العَهدِ الجَديد، حَيثُ يَكشِفُ يَسوعُ المَسيحُ، قَبلَ آلامِهِ وَصَلبِهِ، عَن عَلاقَتِهِ الحَميمةِ بِالآب، وَعَن مَعنى رِسالَتِهِ الخَلاصيَّةِ، وَعَن قَلبِهِ الرَّاعَويِّ المُشتَعِلِ مَحبَّةً لِتَلاميذِهِ وَكَنيسَتِهِ. وَقَد دَعَتِ الكَنيسَةُ هٰذِهِ الصَّلاةَ "الصَّلاةَ الكَهَنوتِيَّة"، لأَنَّ يَسوعَ يَظهَرُ فيها كَرَئيسِ الكَهَنَةِ الحَقيقيِّ الَّذي يَرفَعُ ذاتَهُ ذَبيحَةً لِلآب، وَيَتشَفَّعُ مِن أَجلِ تَلاميذِهِ وَجَميعِ المُؤمِنين.

 

وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ "المَسيحَ لا يُصَلّي كَمَن يَحتاجُ، بَلْ كَمَن يُعَلِّمُنا كَيفَ نَرفَعُ قُلوبَنا إِلى الآب" (PG 74: 497-500). وَيَنقَسِمُ النَّصُّ (يوحنّا 17) إِلى ثَلاثِ حَرَكاتٍ رَئيسيَّة: صَلاةُ يَسوعَ مِن أَجلِ تَمجيدِ الِابنِ وَإِتمامِ الرِّسالَة (يوحنّا 17: 1-5)، صَلاتُهُ مِن أَجلِ التَّلاميذِ الَّذينَ أَعطاهمُ الآبُ لَهُ (يوحنّا 17: 6-19)، صَلاتُهُ مِن أَجلِ وَحدَةِ المُؤمِنينَ وَالكَنيسَةِ في جَميعِ الأَجيال (يوحنّا 17: 20-26).

 

وَيُرَكِّزُ إِنجيلُ الأَحَدِ السّابِعِ لِلفِصحِ (يوحنّا 17: 1-11) عَلى القِسمِ الأَوَّلِ مِن هٰذِهِ الصَّلاة، حَيثُ يَطلُبُ يَسوعُ تَمجيدَهُ بِالصَّليبِ وَالقِيامة، وَيُعلِنُ أَنَّهُ أَتمَّ العَمَلَ الَّذي أَرسَلَهُ الآبُ لِيُنجِزَه، ثُمَّ يُصَلّي مِن أَجلِ تَلاميذِهِ الَّذينَ سَيُواصِلونَ الرِّسالَةَ في العالَم. وَهٰكَذا تَكشِفُ الصَّلاةُ أَنَّ الصَّليبَ لَيسَ هَزيمَة، بَلْ مَجدًا، وَأَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ هِيَ مَعرِفَةُ الآبِ وَالابنِ في شَرِكَةِ المَحبَّة. وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَطبيقاتِهِ، لِمَا يَحمِلُهُ مِن أَبعادٍ لاهوتِيَّةٍ وَرُوحيَّةٍ وَكَنَسيَّة، تُظهِرُ سِرَّ المَسيحِ الكاهِنِ وَالمُخَلِّص، وَتَدعو المُؤمِنينَ إِلى الثَّباتِ في وَحدَةِ المَحبَّةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ الله.

 

 

أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليّ (يوحنّا 17: 1-11)

 

1."قالَ يَسوعُ هٰذِهِ الأَشياء، ثُمَّ رَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماءِ وَقال: يا أَبَتِ، قَد أَتَتِ السّاعَة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ"

 

تَرِدُ عِبارَةُ "قالَ يَسوعُ هٰذِهِ الأَشياء" في الأَصلِ اليونانيّ Ταῦτα ἐλάλησεν Ἰησοῦς وَمَعناها الحَرفيّ: "تَكَلَّمَ يَسوعُ بِهٰذِهِ الأُمور". وَتُشيرُ هٰذِهِ العِبارَةُ إِلى خُطَبِ يَسوعَ وَتَعاليمِهِ الوِداعِيَّةِ في الفُصولِ السّابِقَةِ (يوحنّا 13-16)، حَيثُ شَارَفَ عَلى نِهايَةِ وَصاياهِ وَإِرشاداتِهِ لِتَلاميذِهِ قَبلَ آلامِهِ. َبِهٰذِهِ العِبارَةِ يَنتَقِلُ الإِنجيليُّ مِن خِطابِ التَّعليمِ إِلى خِطابِ الصَّلاة، لِتُصبِحَ الصَّلاةُ ذِروَةَ الوَحيِ في إنجيل يوحنا.

 

أَمَّا عِبارَةُ "رَفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماءِ" فَتُشيرُ إِلى عَلامَةٍ حِسِّيَّةٍ لِارتِفاعِ النَّفسِ إِلى الله، حَيثُ يَدخُلُ يَسوعُ في الصَّلاةِ وَالمُناجاةِ مَعَ أَبيهِ السَّماويّ. وَقَد ظَهَرَت هٰذِهِ الحَرَكَةُ في مَواقِفَ أُخرى مِن حَياةِ يَسوع، كَقَبلَ تَكثيرِ الخُبزِ وَالسَّمَكِ (مرقس 6: 41)، وَقَبلَ شِفاءِ الأَصَمّ (مرقس 7: 34)، وَقَبلَ إِحياءِ لعازر في بيت عنيا (يوحنّا 11: 41). وَتَدُلُّ هٰذِهِ الحَرَكَةُ هُنا عَلى تَوَجُّهِ يَسوعَ نَحوَ الآب، الَّذي مِنهُ أَتى إِلى العالَم، وَإِلَيهِ سَيَعودُ (يوحنّا 16: 28). وَقَد دَخَلَت هٰذِهِ العَلامَةُ في التَّقليدِ الطَّقسيِّ المَسيحيّ، فَأَصبَحَ رَفعُ العُيونِ وَالأَيادي نَحوَ السَّماءِ تَعبيرًا عَنِ الاِتِّجاهِ الكُلِّيِّ نَحوَ الله، كَما في قَولِ المُزمُور: "إِلَيكَ يا رَبِّ أَرفَعُ نَفسي" (مزمور 25: 1). وَيُشيرُ القديس اوغسطينوس إِلى أَنَّ "رَفعَ العَينَينِ نَحوَ السَّماءِ لا يَعني تَغَيُّرَ مَكانِ الله، بَلْ ارتِفاعَ القَلبِ نَحوَه"(PL 35: 1910-1912).

 

أَمَّا "عَيناهُ" فَلا تُشيرُ فَقَط إِلى النَّظَرِ الجَسَدِيّ، بَلْ إِلى كِيانِ يَسوعَ كُلِّهِ، لأَنَّ العَينَ في الفِكرِ الكِتابِيِّ رَمزٌ لِلإِدراكِ الدّاخِلِيِّ وَالنَّظَرِ الرُّوحيّ. وَأَمَّا "السَّماء" فَتُشيرُ إِلى الحَضرَةِ الإِلٰهيَّة، وَإِلى مَجدِ الآبِ الَّذي يَنتمي إِلَيهِ الِابنُ مُنذُ الأَزَل.

أَمَّا عِبارَةُ "يا أَبَتِ" Ἀββᾶ فَتُشيرُ إِلى العَلاقَةِ الفَريدةِ بَينَ يَسوعَ وَالآب. وَقَد دَعا يَسوعُ اللهَ في هٰذِهِ الصَّلاةِ سِتَّ مَرّاتٍ "الآب"، وَمَرَّةً "الآبَ القُدُّوس" (يوحنّا 17: 11)، وَمَرَّةً "الآبَ البارّ" (يوحنّا 17: 25). وَاحتَفَظَ مرقس الإنجيلي بِاللَّفظِ الآراميّ: אַבָּא أَي "آبّا" (مرقس 14: 36)، وَهِيَ لَفظَةٌ حَميمةٌ كانَ الطِّفلُ يَستَعمِلُها في مُخاطَبَةِ أَبيه. وَكانَ اليَهودُ يَتَجَنَّبونَ استِعمالَها في صَلواتِهِم لِما تَحمِلُهُ مِن حَميمِيَّةٍ بُنُوِيَّة. أَمَّا يَسوعُ فَقَد صَلّى كَالِابنِ الَّذي يَعيشُ في شَرِكَةٍ كامِلَةٍ مَعَ الآب، وَمِن خِلالِهِ دَخَلَ المُؤمِنونَ أَيضًا في بُنُوَّةِ التَّبَنّي بِالرُّوحِ القُدُس.

 

أَمَّا عِبارَةُ "قَد أَتَتِ السّاعَة" ἐλήλυθεν ὥρα (الفعل ἐλήλυθεν) فيُشيرُ زمنُ التامِّ في اليونانيّة إلى حدثٍ تمَّ في الماضي وما تزالُ نتائجُهُ مُستمرّة. في إنجيل يوحنّا لا تعني ὥρα " الساعة" الوقتَ الزمنيَّ فقط، بل اللَّحظَةِ الَّتي عَيَّنَها الآبُ لِإِتمامِ العَمَلِ الخَلاصيّ "الزمنَ الخلاصيّ"؛ أي ساعة الصليب والقيامة والتمجيد. ويُعلِّقُ اوغسطينوس: "السّاعةُ التي خافها العالمُ كانت ساعةَ مجدِ المسيح". وَقَد تَكرَّرَ ذِكرُ "السّاعَة" في الإِنجيلِ مِرارًا: "لَم تَأتِ ساعَتي بَعدُ" (يوحنّا 2: 4؛ 7: 30؛ 8: 20)، أَمَّا الآنَ فَقَد جاءَتِ السّاعَةُ الحاسِمَةُ، ساعَةُ الطّاعَةِ وَالمَجد. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ "المَسيحَ لا يَذهَبُ إِلى الآلامِ مُكرَهًا، بَلْ يَتَقَدَّمُ نَحوَها بِإِرادَتِهِ، عالِمًا أَنَّها ساعَةُ المَجد"(PG 59: 433-436). 

 

أَمَّا عِبارَةُ "مَجِّدِ ابنَكَ" δόξασόν σου τὸν υἱόν (الفعل δόξασον من الفعل الجذر معناه مجّد، أظهر المجد) فَتُشيرُ إِلى طَلَبِ يَسوعَ أَنْ يُظهِرَ الآبُ مَجدَهُ مِن خِلالِ الصَّليبِ وَالقِيامة. وَكَلِمَةُ "مَجد" في الأَصلِ اليونانيّ δόξα (تعني "الرأي" أو "السمعة"، أمّا في الترجمة السبعينيّة فأصبحت تُترجم العبريّة: כָּבוֹד أي فَتَدُلُّ عَلى "الثِّقَل" أَو "الوَزن"، أَي حَقيقَةِ الحُضورِ الإِلٰهيِّ وَعَظَمَتِهِ. لذلك المجد عند يوحنّا ليس تكريمًا خارجيًا، بل إعلان الحضور الإلهي. الصليب ذاته يصبح تمجيدًا. لذا تُشيرُ هنا إِلى البَهاءِ وَالعِزَّةِ وَالإِشراقِ الإِلٰهيّ. أَمَّا في العِبرِيَّة כָּבוֹד وَفي إِنجيلِ يوحنا، يَرتَبِطُ المَجدُ بِالصَّليب، لأَنَّ الصَّليبَ لَيسَ هَزيمَةً بَلْ إِعلانُ مَحبَّةِ اللهِ وَانتصارِهِ. وَيُؤَكِّدُ اوغسطينوس أَنَّ "المَسيحَ تَمَجَّدَ بِالقِيامة، وَمِن خِلالِ تَمجيدِهِ تَمَجَّدَ الآبُ بِالكِرازَةِ في العالَم" (PL 35: 1912-1914). فَمَجدُ الِابنِ يَظهَرُ أَوَّلًا في طاعَتِهِ الكامِلَةِ لِلآبِ وَقَبولِهِ الصَّليبَ بِمَحبَّة، كَما يُعَلِّمُ بولس الرسول: " وَضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حَتّى المَوت، مَوتَ الصَّليب، لِذٰلِكَ رَفَعَهُ اللهُ إِلى العُلى" (فيلبّي 2: 8-9). َبِهٰذِهِ الطّاعَةِ أَظهَرَ الِابنُ مَجدَ الآبِ وَمَحبَّتَهُ لِلعالَم: "إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يوحنّا 3: 16).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ يَسوعَ يُظهِرُ مَجدَ الآبِ مِن خِلالِ مَجدِهِ هُوَ عَلى الصَّليب، أَي مِن خِلالِ طاعَتِهِ الكامِلَةِ وَمَحبَّتِهِ الَّتي بَلَغَت ذِروَتَها في تَحمُّلِ آلامِ الصَّليب. فَالصَّليبُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَ عارًا أَو هَزيمَة، بَلْ مَكانُ إِعلانِ المَجدِ الإِلٰهيِّ وَمَحبَّةِ اللهِ الخَلاصيَّة. وَقَد تَحَوَّلَت ساعَةُ الآلامِ إِلى ساعَةِ التَّمجيد، لأَنَّ يَسوعَ أَظهَرَ فيها الطّاعَةَ الكامِلَةَ لِلآبِ وَالمَحبَّةَ الكامِلَةَ لِلبَشَر. وَكانَ الصَّليبُ لِلرَّبِّ يَسوعَ مَجدَ الحَياةِ الحاضِرَةِ وَالطَّريقَ إِلى أَمجادِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة، لأَنَّ جاذِبِيَّةَ الصَّليبِ اجتَذَبَت إِلَيهِ الجُموعَ أَكثَرَ مِمّا اجتَذَبَتهُم تَعاليمُهُ وَمُعجِزاتُه، كَما قالَ: "وَأَنا إِذا رُفِعتُ عَنِ الأَرضِ جَذَبتُ إِلَيَّ النّاسَ أَجمَعين" (يوحنّا 12: 32). فَفي الصَّليبِ انكَشَفَت مَحبَّةُ اللهِ العُظمى: "إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَلْ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة" (يوحنّا 3: 16). وَقَد مَجَّدَ الآبُ الِابنَ بِإِقامَتِهِ مِن بَينِ الأَموات، وَبِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلى التَّلاميذ، وَبِتَأسيسِ مَملَكَتِهِ في قُلوبِ البَشَرِيَّة. وَيُعَلِّقُ اوغسطينوس قائِلًا: "لَو أَنَّ الِابنَ قَد ماتَ بِالجَسَدِ وَلَم يَقُم، لَما كانَ قَد تَمَجَّدَ بِوَاسِطَةِ الآب، وَلا هُوَ مَجَّدَ الآب. أَمَّا الآن، فَإِذ يَتَمَجَّدُ بِقِيامَتِهِ بِوَاسِطَةِ الآب، يُمَجَّدُ الآبُ بِالكِرازَةِ بِقِيامَتِهِ. وَهٰكَذا يَنكَشِفُ مَعنى القَول: "مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ"، أَي أَقِمني مِن بَينِ الأَموات حتّى يَعرِفَكَ العالَمُ كُلُّه" (PL 35: 1913-1914).

 

2. "بِما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ عَلى جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لَهُ"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "أَولَيتَهُ" في الأَصلِ اليونانيّ ἔδωκας وَهِيَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الفِعلِ δίδωμι أَي "أَعطى". وَهُوَ نَفسُ الفِعلِ المُستَعمَلِ في "لِيَهَبَ" و َ"وَهَبتَهُم". وَيَحتَلُّ فِعلُ "العَطاء" مَكانةً مِحوَرِيَّةً في لاهوتِ يوحنا الانجيلي، إِذ يَتَكَرَّرُ نَحوَ 76 مَرَّةً في الإِنجيل، وَيَرِدُ في الصَّلاةِ الكَهَنوتِيَّةِ وَحدَها 17 مَرَّة، مِنها 13 مَرَّةً عَن عَطاءِ الآبِ لِلِابن، وَأَربَعُ مَرّاتٍ عَن عَطاءِ الِابنِ لِتَلاميذِهِ.  وَهٰذا التَّكرارُ لَيسَ مُجرَّدَ أُسلوبٍ أَدَبِيّ، بَلْ يَحمِلُ بُعدًا لاهوتِيًّا عَميقًا. فَالآبُ يَهَبُ الِابنَ كُلَّ ما لَهُ، لأَنَّ الِابنَ هُوَ "الكَلِمَة" الأَزَلِيُّ، المُتَّحِدُ مَعَ الآبِ في الجَوهر. وَالعَطاءُ هُنا لا يَعني مَنحَةً خارِجِيَّة، بَلْ شَرِكَةَ الحَياةِ وَالمَجدِ وَالسُّلطانِ بَينَ الآبِ وَالِابن. فَكُلُّ ما لِلآبِ هُوَ لِلِابن، وَكُلُّ ما لِلِابنِ هُوَ لِلآبِ، كَما قالَ يَسوع: "كُلُّ ما هُوَ لي فَهُوَ لَكَ، وَما هُوَ لَكَ فَهُوَ لي" (يوحنّا 17: 10). وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري قائِلًا: "كُلُّ عَطيَّةٍ إِلٰهيَّةٍ تُقَدَّمُ لَنا مِنَ الآبِ بِالِابنِ في الرُّوحِ القُدُس"(PG 74: 500-504). 

 

أَمَّا عِبارَةُ "سُلطانٍ عَلى جَميعِ البَشَر" فَتُشيرُ إِلى العَطيَّةِ الأُولى، أَي السُّلطانِ الشّامِلِ الَّذي أَعطاهُ الآبُ لِلِابن. " سُلطانٍ" ἐξουσία تعني سلطان، قدرة مفوَّضة، حق شرعي. وَهٰذا السُّلطانُ يَكشِفُ أُلوهِيَّةَ المَسيح، لأَنَّ السُّلطانَ عَلى جَميعِ البَشَرِ هُوَ مِن خَصائِصِ اللهِ وَحدَه. وَالفِعلُ "أَعطى" يَدُلُّ هُنا عَلى إِعلانِ السُّلطانِ الخَلاصيِّ لِلِابنِ المُتَجَسِّد، لا عَلى نَيلِهِ سُلطانًا لَم يَكُن لَهُ. فَالِابنُ، بِحَسَبِ لاهوتِهِ، يَملِكُ السُّلطانَ أَزَلِيًّا، أَمَّا بِحَسَبِ تَدبيرِ التَّجَسُّد، فَقَد أُعلِنَ هٰذا السُّلطانُ في مَسيرَةِ الخَلاص.

 

أَمَّا كَلِمَةُ "البَشَر" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيّ Σάρξ (معناها جسد) الجسد في يوحنّا لا تعني الجسد المادي فقط، بل البشريّة بكامل ضعفها أَو الجِنسِ البَشَرِيّ. فالمسيح نال سلطانًا على البشريّة كلّها. فَالمَسيحُ هُوَ صاحِبُ السُّلطانِ عَلى الأَجسادِ وَالأَرواح، لأَنَّهُ المُخَلِّصُ الَّذي صارَ إِنسانًا لِيَهَبَ الحَياةَ لِلعالَم. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "ماذا يَعني: "عَلى جَميعِ البَشَر"؟ إِنَّهُ قَدَّمَ تَعليَمَهُ لِلجَميعِ لِكَي يُؤمِنَ الجَميع، فَإِن لَم يَقبَلوا، فَالخَطَأُ لَيسَ مِن جِهَةِ المُعَلِّم، بَلْ مِن جِهَةِ الرّافِضين" (PG 59: 437-440).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة" (ζωὴ αἰώνιος) فَتَحمِلُ غِنًى لُغَوِيًّا وَلٰاهوتِيًّا عَميقًا في إِنجيلِ يوحنّا. فَلَفظَة (ζωή) تَعني الحَياةَ الحَقيقيَّةَ بِمَعناها الكامِلِ وَالمُطلَق، وَهِيَ تَختَلِفُ عَن (βίος ) الَّتي تُشيرُ إِلى الحَياةِ البِيولوجِيَّةِ أَو المَعيشِيَّةِ الزَّمَنِيَّة. فَيُريدُ يوحنّا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ المَسيحَ لا يَهَبُ مُجرَّدَ استِمرارٍ لِلوُجودِ البَشَرِيِّ، بَلْ حَياةً جَديدَةً تَنبَعُ مِنَ اللهِ نَفسِهِ. أَمَّا صِفَة (αἰώνιος) فَلا تَعني فَقَط حَياةً بِلا نِهايَةٍ زَمَنِيَّة، بَلْ حَياةً تَنتمي إِلى العَصرِ الإِلٰهيِّ، أَي إِلى نِظامِ اللهِ وَمُلكوتِهِ وَشَرِكَتِهِ. لِذٰلِكَ تَشيرُ العِبارَةُ إِلى الغايَةِ النِّهائِيَّةِ مِنَ السُّلطانِ الَّذي أُعطِيَ لِلمَسيح. فَالسُّلطانُ الَّذي نالَهُ يَسوعُ لَيسَ سُلطانَ قُوَّةٍ أَو سَيطرَةٍ أَرضِيَّة، بَلْ سُلطانَ إِحياءٍ وَخَلاص. فَهُوَ سُلطانٌ يَهَبُ الحَياةَ وَيُدخِلُ الإِنسانَ في شَرِكَةِ اللهِ. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، في اللاهوتِ اليوحنِّيِّ، لَيسَت مُجرَّدَ وُجودٍ مُمتَدٍّ بَعدَ المَوت، بَلْ شَرِكَةُ حَياةٍ مَعَ اللهِ تَبدَأُ مِنَ الآن وَتَبلُغُ كَمالَها في المَجدِ الأَبَدِيّ. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ نَفسُه هٰذا المَعنى لاحِقًا قائِلًا: "وَهٰذِهِ هِيَ الحَياةُ الأَبَدِيَّة: أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ، يَسوعَ المَسيح» (يوحنّا 17: 3). وَهُنا يَرتَبِطُ مَفهومُ الحَياةِ بِالمَعرِفَة، لٰكِنَّ المَعرِفَةَ في الفِكرِ الكِتابِيِّ (γινώσκω) لا تَعني مَعرِفَةً ذِهنِيَّةً مُجرَّدَة، بَلْ مَعرِفَةَ شَرِكَةٍ وَاتِّحادٍ وَمَحبَّة. فَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، بِحَسَبِ يوحنّا، هِيَ الدُّخولُ مُنذُ الآن في حَياةِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس، وَالعَيشُ في شَرِكَةِ الثّالوثِ الَّتي تَتَجَلّى بِكُمالِها في المَجدِ السَّماويّ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّة" ζωὴ αἰώνιος (الحياة الأبدية) حيث ζωή تعني الحياة الحقيقيّة. وتختلف عن βίος التي تعني الحياة البيولوجية. أمَّا αἰώνιος (الأبدية) فلا تعني فقط حياة بلا نهاية زمنيّة بل حياة تنتمي إلى العصر الإلهي. فَتُشيرُ إِلى الغايَةِ مِن هٰذا السُّلطان. فَالسُّلطانُ الَّذي أُعطِيَ لِلمَسيحِ لَيسَ سُلطانَ قُوَّةٍ أَو سَيطرَة، بَلْ سُلطانَ إِحياءٍ وَخَلاص. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَت مُجرَّدَ حَياةٍ لا نِهايَةَ لَها، بَلْ شَرِكَةُ حَياةٍ مَعَ اللهِ، تَبدَأُ مِنَ الآن وَتَكتَمِلُ في المَجد. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ ذٰلِكَ لاحِقًا: "َهٰذِهِ هِيَ الحَياةُ الأَبَدِيَّة: أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ، يَسوعَ المَسيح" (يوحنّا 17: 3).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِجَميعِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لَهُ" فَتُشيرُ إِلى المُؤمِنينَ الَّذينَ قَبِلوا كَلِمَةَ المَسيحِ وَدَخَلوا في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَه. فَالآبُ يَهَبُ، وَالِابنُ يُحيي، وَالرُّوحُ القُدُسُ يُقَدِّس. وَيَرتَبِطُ عَمَلُ الآبِ كُلُّهُ بِعَمَلِ الِابن، لأَنَّ الِابنَ يَكشِفُ نَشاطَ الآبِ كَشْفًا كامِلًا (يوحنّا 5: 19-30). وَقَد قالَ يَسوع: "فَكَما أَنَّ الآبَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعطى الِابنَ أَنْ تَكونَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ" (يوحنّا 5: 26). فَالِابنُ، لأَنَّهُ يَحمِلُ الحَياةَ الإِلٰهيَّةَ في ذاتِهِ، يَملِكُ السُّلطانَ أَنْ يَهَبَها لِمَن يَشاء. وَيَظهَرُ مَجدُ الِابنِ فِي أَنَّهُ يُعطي الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِلَّذينَ سَلَّمَهُمُ الآبُ لَهُ. فَمَجدُ اللهِ هُوَ خَلاصُ البَشَر، وَخَلاصُ البَشَرِ يَكمُنُ في مَعرِفَةِ اللهِ وَالشَّرِكَةِ مَعَه. وَمِن اللاّفِتِ أَنَّ كَلِمَةَ "جَميع" تَكَرَّرَت مَرَّتَينِ في الآيَة: الأُولى لِتُشيرَ إِلى سُلطانِ المَسيحِ عَلى جَميعِ البَشَر، وَالثّانِيَةُ لِتُشيرَ إِلى جَميعِ الَّذينَ وَهَبَهُمُ الآبُ لَهُ، أَي جَماعَةِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَنالونَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ بِالإِيمانِ بِهِ.

 

3. "وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "الحَياةُ الأَبَدِيَّة" إِلى مَعرِفَةِ الآبِ مُباشَرَةً، الإِلٰهِ الحَقِّ، وَيَسوعَ المَسيحِ ابنِهِ الوَحيد، لأَنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ الخَطيئَةُ إِلى العالَم، فَقَدَ الإِنسانُ مَعرِفَتَهُ الحَقيقيَّةَ بِالله. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا ّ، لا تَعني مُجرَّدَ الاِستِمرارِ في الوُجود، بَلِ الاِشتِراكَ في حَياةِ اللهِ نَفسِها. فَهِيَ حَياةُ شَرِكَةٍ وَاتِّحادٍ وَمَحبَّةٍ مَعَ الآبِ وَالِابنِ. إِنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ هِيَ مَعرِفَةُ الآبِ وَالِابنِ مَعًا، لأَنَّ الآبَ وَالِابنَ إِلٰهٌ واحِد، لَهُما نَفسُ جَوْهَرِ الأُلوهِيَّة. َهٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مُجرَّدَ مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ أَو فِكرِيَّة، بَلْ هِيَ مَعرِفَةٌ حَيَّةٌ تُثمِرُ مَحبَّةً وَاتِّحادًا. فَالمَعرِفَةُ في الفِكرِ الكِتابِيِّ لا تَعني الاِدراكَ الذِّهنِيَّ فَحَسب، بَلِ الدُّخولَ في عَلاقَةٍ شَخصِيَّةٍ وَشَرِكَةِ حَياة. وَمِن هُنا تَنمو الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ بِقَدرِ ما يَتَعَمَّقُ الإِنسانُ في مَعرِفَةِ الله، الَّتي هِيَ لَيسَت مَنهَجًا فِكرِيًّا، بَلِ اتِّحادَ الكِيانِ بِالله. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ أَنَّ هٰذِهِ المَعرِفَةَ تُعطى لِلقُلوبِ المُتواضِعَة: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ وَالأَرض، عَلى أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذِهِ الأَشياءَ عَنِ الحُكَماءِ وَالأَذكِياءِ وَكَشَفتَها لِلصِّغار" (متّى 11: 25). وَيُعَلِّقُ القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو قائِلًا: "تُعلِّمُنا الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ أَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ تَقومُ عَلى مَعرِفَةِ الإِلٰهِيّاتِ وَعَلى ثَمَرِ الأَعمالِ الصّالِحَة"(PL 16: 621-624).

 

أَمَّا صِفَةُ "الأَبَدِيَّة" فَتُشيرُ إِلى حَياةِ الخُلودِ الَّتي تَتَجاوَزُ حُدودَ الزَّمَنِ وَالمَوت. فَالمَسيحُ، بِذَبيحَتِهِ الفِصحِيَّة، أَبطَلَ مَفعولَ الخَطيئَةِ الَّذي هُوَ المَوت، وَوَهَبَ المُؤمِنينَ الحَياةَ الَّتي لا تُقهَر. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ لا تَبدَأُ بَعدَ المَوتِ فَقَط، بَلْ تَبدَأُ مِنَ الآن لِكُلِّ مَن يَدخُلُ في شَرِكَةٍ مَعَ المَسيح.

 

أَمَّا عِبارَةُ "يَعرِفوكَ" γινώσκω (لا يدلّ على معرفة عقلية فقط إنما أيضا تدل الفكر الكتابي على معرفة علاقة واتحاد وشركة حياة) فَتُشيرُ، في اللُّغَةِ الكِتابِيَّة، إِلى مَعرِفَةٍ تُثمِرُ شَرِكَةً وَحَياة. ويشرح كيرلس الاسكندري: "أن معرفة الآب ليست معرفة ذهنية، بل اتحادًا بالمحبّة". فَالمَعرِفَةُ هِيَ دُخولٌ في عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الله، وَهِيَ عِبادَةٌ وَطاعَةٌ وَاتِّحاد. وَكَمَا أَنَّ المَعرِفَةَ بَينَ الشَّخصَينِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ تُشيرُ أَحيانًا إِلى أَعمَقِ أَنواعِ الشَّرِكَة، كَذٰلِكَ مَعرِفَةُ اللهِ تَعني الاِتِّحادَ بِهِ وَالثَّباتَ فيه.

 

أَمَّا عِبارَةُ "الإِلٰهَ الحَقَّ" فَتُشيرُ إِلى اللهِ الحَيِّ الحَقيقيِّ، لا إِلى فِكرَةٍ ذِهنِيَّةٍ أَو اِسمٍ مُجرَّد. فَهُوَ الإِلٰهُ الثّابِتُ غَيرُ المُتَغَيِّر، الَّذي يَهتَمُّ بِالبَشَرِ وَيُخلِّصُهُم. وَلا يُمَيِّزُ يَسوعُ هُنا بَينَ الآبِ وَالِابنِ كَأَنَّ الآبَ وَحدَهُ هُوَ الإِلٰهُ الحَقُّ، بَلْ يُمَيِّزُ الإِلٰهَ الحَقيقيَّ عَنِ الآلِهَةِ الكاذِبَةِ وَالأَوثان. فَإِنجيلُ يوحنا البشير يَجمَعُ بَينَ التَّوحيدِ وَالتَّثليث: إِلٰهٌ واحِدٌ في ثَلاثَةِ أَقانيم. وَكَلِمَةُ "وَحدَكَ" لا تَنفي أُلوهِيَّةَ الِابن، بَلْ تُؤَكِّدُ تَميُّزَ اللهِ الحَقيقيِّ عَن كُلِّ ما يُؤَلِّهُهُ الإِنسان، مِن أَوثانٍ وَشَهَواتٍ وَذوات.

 

فَالِابنُ هُوَ أَيضًا "الحَقّ"، كَما أَعلَنَ يَسوعُ نَفسُهُ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6). فَلَو لَم يَكُنِ الِابنُ إِلٰهًا حَقًّا، فَكَيفَ يَكونُ هُوَ الحَقَّ وَمانِحَ الحَياةِ الأَبَدِيَّة؟ وَمِن هُنا، فَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ تَقومُ عَلى مَعرِفَةِ الآبِ وَالِابنِ مَعًا في وَحدَةِ الرُّوحِ القُدُس.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح" فَتُشيرُ إِلى قَبولِ يَسوعَ كَمُعَلِّمٍ وَذَبيحَةٍ وَكَاهِنٍ وَمُخَلِّص. فَفيهِ بَلَغَ تَجَلِّي اللهِ أَقصى حُدودِهِ، لأَنَّ الآبَ لا يُعرَفُ إِلَّا مِن خِلالِ الِابنِ المُتَجَسِّد. وَقَد قالَ يَسوع: "مَن رآني فَقَد رَأَى الآب" (يوحنّا 14: 9). وَالمَسيحُ هُوَ الَّذي اشترى الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ بِمَوتِهِ وَوَهَبَها لِلبَشَرِ بِرُوحِهِ، مُظهِرًا مَحبَّةَ اللهِ الخَلاصيَّة: "فَإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَلْ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة" (يوحنّا 3: 16). وَالْحَدَثُ الفِصحِيُّ، أَي مَوتُ المَسيحِ وَقِيامَتُه، فَتَحَ أَمامَ التَّلاميذِ إِمكانِيَّةَ لِقاءِ يَسوعَ وَمَعرِفَتِهِ وَمِن خِلالِهِ مَعرِفَةِ الآب. هٰذِهِ المَعرِفَةُ تَفتَرِضُ مَحبَّةً مُتَبادَلَةً وَشَرِكَةَ حَياة. وَتُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ مِن أَوضَحِ النُّصوصِ الَّتي يَجمَعُ فيها العَهدُ الجَديدُ بَينَ وَحدانِيَّةِ اللهِ وَإِعلانِ يَسوعَ المَسيحِ كَالِابنِ المُرسَلِ لِخَلاصِ العالَم.

 

4" إِنِّي قَد مَجَّدتُكَ فِي الأَرض، فَأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَّلتَ إِلَيَّ أَنْ أَعمَلَه"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "مَجَّدتُكَ فِي الأَرض" إِلى إِعلانِ يَسوعَ مَجدَ الآبِ وَمَحبَّتَهُ وَأُبوَّتَهُ لِلبَشَر. فَقَد جاءَ الِابنُ المُتَجَسِّدُ لِيُظهِرَ الآبَ لِلعالَم، كَما قالَ يوحنا الإِنجيليُّ: "اللهُ لَم يَرَهُ أَحَدٌ قَطّ. الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضنِ الآب، هُوَ الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنّا 1: 18). وَقَد مَجَّدَ يَسوعُ الآبَ طَوالَ حَياتِهِ الأَرضِيَّة، بِإِعلانِهِ حَقيقَةَ اللهِ لِلنّاس، وَبِطاعَتِهِ الكامِلَةِ لِمَشيئَتِهِ، وَبِشَهادَتِهِ لِلحَقِّ فِي أَقوالِهِ وَأَعمالِهِ، وَبِتَواضُعِهِ وَقَداسَتِهِ، وَخاصَّةً بِالمَوتِ الَّذي أَوشَكَ أَنْ يَقبَلَهُ عَلى الصَّليب. فَالصَّليبُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَ عارًا، بَلْ إِعلانُ مَجدِ اللهِ وَمَحبَّتِهِ الخَلاصيَّة.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَأَتمَمتُ العَمَلَ" τελειώσας τὸ ἔργον فَتُشيرُ إِلى إِتمامِ يَسوعَ مَشيئَةَ الآبِ وَتَحقيقِ خُطَّةِ الخَلاص. وَالفِعلُ اليونانيُّ المُستَعمَلُ هُنا τελειώσαςمُشتَقٌّ مِنَ الفِعلِ τελειόω وَيَعني: "أَكمَلَ، أَتَمَّ، بَلَغَ الغايَة".  يرتبط بالفعل على الصليب: τετέλεσται "قد أُكمِل" (يوحنا 19:30). وهذا يُظهر أن الصليب ليس حادثة مأساوية، بل إتمام مشروع الله. لذا هذا الفعل هُوَ مِن أَهَمِّ الأَفعالِ في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لأَنَّهُ يَدُلُّ عَلى وَصولِ رِسالَةِ المَسيحِ إِلى كَمالِها. فَيَسوعُ لَم يَأتِ لِيُقَدِّمَ تَعاليمَ فَقَط، بَلْ لِيُتِمَّ عَمَلَ الخَلاصِ الَّذي سَلَّمَهُ الآبُ لَهُ. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ مِرارًا أَنَّ غِذاءَهُ الرُّوحيَّ هُوَ إِتمامُ مَشيئَةِ الآب: "طَعامي أَنْ أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وَأَنْ أُتِمَّ عَمَلَه" (يوحنّا 4: 34). وَقالَ أَيضًا: "فَقَد نَزَلتُ مِنَ السَّماءِ لا لِأَعمَلَ بِمَشيئَتي، بَلْ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنّا 6: 38). فَمَشيئَةُ الآبِ هِيَ خَلاصُ العالَم، وَيَسوعُ يُتِمُّ هٰذِهِ المَشيئَةَ بِطاعَتِهِ الكامِلَةِ حَتّى المَوت. وَيُلاحَظُ أَنَّ يَسوعَ يَتَكَلَّمُ عَنِ العَمَلِ كَأَنَّهُ قَد تَمَّ، مَعَ أَنَّ الصَّليبَ لَم يَحدُث بَعدُ تَاريخِيًّا. وَهٰذا يُظهِرُ يَقينَ المَسيحِ بِإِتمامِ الخَلاص، لأَنَّ الطّاعَةَ قَد حُسِمَت في قَلبِهِ وَإِرادَتِهِ. وَيُعَلِّقُ اوغسطينوس قائِلًا: "اِستَعمَلَ المَسيحُ أَلفاظًا تَدلُّ عَلى المُستَقبَل، لٰكِنَّهُ صاغَها بِصيغَةِ الماضي، لأَنَّ ما سَيَحدُثُ كانَ ثابِتًا في قَصدِ اللهِ كَأَنَّهُ قَد تَمَّ" (PL 35: 1915-1916). لَقَد أَتمَّ المَسيحُ عَمَلَ الآبِ وَإِرادَتَهُ لِنَنالَ الخَلاص، وَلا يَزالُ يُواصِلُ عَمَلَهُ في المُؤمِنينَ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُس، لِكَي يَتَجَلّى فِيهِم مَجدُ اللهِ وَيَشترِكوا في حَياتِهِ وَمَجدِهِ. وَهٰكَذا يَصيرُ عَمَلُ المَسيحِ الخَلاصيُّ لَيسَ حَدَثًا ماضيًا فَحَسب، بَلْ سِرًّا حَيًّا يَعمَلُ في الكَنيسَةِ وَفي قُلوبِ المُؤمِنينَ حتّى يَبلُغوا كَمالَ الشَّرِكَةِ مَعَ الله.

 

5. فَمَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبَتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَنْ يَكونَ العالَم"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "مَجِّدْني" إِلى تَكرارِ طَلَبِ المَسيحِ لِلمَجدِ الَّذي كانَ لَهُ عِندَ الآبِ مُنذُ الأَزَل، بوصْفِهِ الكَلِمَةَ المُتَجَسِّد. وَهٰذا المَجدُ لَم يَكُن مَجدًا غَريبًا عَنه، بَلْ مَجدَهُ الطَّبيعيَّ كَالِابنِ الأَزَلِيِّ، الَّذي أَخفى بَهاءَهُ بِالتَّجَسُّدِ وَالاِتِّضاعِ، لِحِسابِ خَلاصِ الإِنسان. وَقَد تَجَلّى هٰذا المَجدُ أَوَّلًا في عُرسِ قانا الجَليل، حَيثُ "أَظهَرَ مَجدَهُ فآمَنَ بِهِ تَلاميذُه" (يوحنّا 2: 11)، ثُمَّ بَلَغَ ذِروَتَهُ في الصَّليبِ وَالقِيامةِ وَالصُّعود. وَيُفسِّرُ الرسول بولس هٰذا السِّرَّ قائِلًا: "المَسيحُ يَسوعُ الَّذي في صورَةِ الله، لَم يَعُدَّ مُساواتَهُ للهِ غَنيمَة، بَلْ تَجَرَّدَ مِن ذاتِهِ مُتَّخِذًا صورَةَ العَبد... فَوَضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حتّى المَوت، مَوتَ الصَّليب، لِذٰلِكَ رَفَعَهُ اللهُ إِلى العُلى" (فيلبّي 2: 6-9). فَيَسوعُ يَطلُبُ أَنْ يَدخُلَ ناسوتُهُ المُمَجَّدُ إِلى مَجدِ اللاهوت، لِكَي يَصيرَ ذٰلِكَ مَجدًا لِلكنيسَةِ أَيضًا، لأَنَّها جَسَدُهُ السِّرِّيّ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "الآن" فَتُشيرُ إِلى اللَّحظَةِ الحاسِمَةِ الَّتي أَكمَلَ فيها يَسوعُ عَمَلَهُ الخَلاصيَّ. فَبَعدَ أَنْ أَتَمَّ مَشيئَةَ الآبِ عَلى الأَرض، آنَ الأَوانُ لِدُخولِهِ في المَجدِ الَّذي كانَ لَهُ مُنذُ الأَزَل. وَهٰذا "الآن" يَحمِلُ في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا مَعنى السّاعَةِ الفِصحِيَّة، أَي ساعَةَ العُبورِ مِنَ الصَّليبِ إِلى القِيامةِ وَالمَجد.

 

أَمَّا عِبارَةُ "عِندَكَ" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيّ: παρὰσεαυτῷ وَمَعناها الحَرفيّ: "عِندَ ذاتِكَ". وَتُشيرُ إِلى الشَّرِكَةِ الحَميمةِ وَالأَزَلِيَّةِ بَينَ الآبِ وَالِابن، كَما جاءَ في مُقَدِّمَةِ الإِنجيل: "الكَلِمَةُ كانَ لَدَى الله" (يوحنّا 1: 1)، وَ"الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضنِ الآب" (يوحنّا 1: 18). فَبَعدَ أَنْ أَخلَى الِابنُ ذاتَهُ مِن مَجدِهِ الظّاهِرِ بِالتَّجَسُّد، حانَ الوَقتُ لِدُخولِ ناسوتِهِ المُمَجَّدِ إِلى أَحضانِ الآبِ بِكُلِّ البَهاءِ الَّذي كانَ لَهُ قَبلَ إِنشاءِ العالَم. وَهُنا يَظهَرُ التَّبادُلُ: فَالمَسيحُ مَجَّدَ الآبَ عَلى الأَرض، وَالآبُ يُمَجِّدُ الِابنَ في السَّماء.

 

أَمَّا عِبارَةُ "يا أَبَتِ" فَتُشيرُ إِلى العَلاقَةِ الفَريدةِ بَينَ يَسوعَ وَالآب. فَالآبُ أَبٌ لِيَسوعَ بِالطَّبيعَةِ وَالأَزَلِيَّة، لا بِالتَّبَنّي كَما هُوَ الحَالُ مَعَ البَشَر. فَاللهُ صارَ أَبًا لِلمُؤمِنينَ بِالنِّعمَةِ وَالتَّبَنّي، أَمَّا لِلِابنِ فَهُوَ الآبُ مُنذُ الأَزَل، قَبلَ كُلِّ زَمان.

 

أَمَّا عِبارَةُ "المَجدِ" فَتُشيرُ إِلى المَجدِ الَّذي كانَ الِابنُ يَتمَتَّعُ بِهِ في وُجودِهِ الأَزَلِيِّ لَدَى الآب، كَما قالَ يوحنا الإِنجيليُّ: "وَرَأَينا مَجدَه، مَجدًا كَما لِوَحيدٍ مِنَ الآب" (يوحنّا 1: 14). وَقَد تَجَلّى هٰذا المَجدُ طَوالَ حَياةِ يَسوعَ عَلى الأَرضِ، وَخاصَّةً في آلامِهِ وَقِيامَتِهِ، لأَنَّ الصَّليبَ في إِنجيلِ يوحنّا هُوَ عَرشُ المَجد. وَقَد كَشَفَ يَسوعُ في آلامِهِ وَتَواضُعِهِ حَقيقَةَ اللهِ وَمَحبَّتَهُ لِلبَشَر، كَما يُعلِّمُ بولس الرَّسول:" وَضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حتّى المَوت، مَوتَ الصَّليب، لِذٰلِكَ رَفَعَهُ اللهُ إِلى العُلى" (فيلبّي 2: 8-9).

 

أَمَّا عِبارَةُ "كانَ لي مِنَ المَجدِ" فَتُشيرُ بِوُضوحٍ إِلى أَزَلِيَّةِ المَسيحِ وَأُلوهِيَّتِهِ. فَالِابنُ لَم يَبدَأ وُجودُهُ بِالتَّجَسُّد، بَلْ كانَ لَهُ المَجدُ مُنذُ الأَزَل، لأَنَّهُ واحِدٌ مِنَ الأَقانيمِ الثَّلاثَةِ المُتَساوِينَ في المَجدِ وَالقُدرَة. وَيَطلُبُ يَسوعُ مِنَ الآبِ أَنْ يُرفَعَ الحِجابُ عَن ناسوتِهِ الَّذي أَخفى مَجدَهُ، لِكَي يَظهَرَ بَهاءُ لاهوتِهِ لِلعالَم. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ قَولُهُ لاحِقًا: "يا أَبَتِ، إِنَّ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي أُريدُ أَنْ يَكونوا مَعي حَيثُ أَكون، فَيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد، لأَنَّكَ أَحبَبتَني قَبلَ إِنشاءِ العالَم" (يوحنّا 17: 24). وَيُعَلِّقُ اوغسطينوس قائِلًا: "إِنَّ المَجدَ الَّذي لِناسوتِ المَسيح، وَهُوَ قابِلٌ لِلمَوت، قَد صارَ خالِدًا مَعَ الآب" (PL 35: 1917-1918).  وَبِهٰذا تُصبِحُ هٰذِهِ الآيَةُ مِن أَوضَحِ التَّصريحاتِ الإِنجيليَّةِ عَن لاهوتِ يَسوعَ الأَزَلِيِّ وَشَرِكَتِهِ الكامِلَةِ في مَجدِ الآبِ قَبلَ خَلقِ العالَم.

 

أَمَّا عِبارَةُ " قَبلَ أَنْ يَكونَ العالَم" πρὸ τοῦ τὸν κόσμον εἶναι. فكلمة κόσμος هي من أغنى ألفاظ يوحنّا. وتأتي بمعانٍ متعدّدة: الكون المخلوق، البشر، البشرية الساقطة المعارضة لله. السياق هنا تعني "كونيّ أزليّ." فَتُشيرُ إِلى وجود الابن قبل الخليقة.

 

6. "أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم. كانوا لَكَ فَوَهَبتَهُم لي وَقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنّاسِ" ἐφανέρωσά σου τὸ ὄνομα (إظهار اسم الآب يعني إعلان جوهره ومحبته وحضوره) إِلى أَنَّ يَسوعَ أَعلَنَ الآبَ وَكَشَفَ حَقيقَتَهُ لِلبَشَر، كَما جاءَ في مُقَدِّمَةِ إِنجيلِ يوحنا البشير: "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحَدٌ قَطّ، الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضنِ الآب هُوَ الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنّا 1: 18). فَرِسالَةُ يَسوعَ لا تَقومُ أَساسًا عَلى تَقديمِ تَعاليمَ جَديدَةٍ فَحَسب، بَلْ عَلى إِظهارِ وَجهِ الآبِ وَطَبيعَتِهِ وَمَحبَّتِهِ لِلعالَم. فَالمَسيحُ يُعلِنُ الآبَ بِكُلِّ ما يَقولُهُ وَيَعمَلُهُ وَبِكُلِّ ما هُوَ عَلَيه، لأَنَّهُ الصُّورَةُ الكامِلَةُ لِلآبِ غَيرِ المَنظور. وَقَد قالَ يَسوع: "ما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الِابنَ إِلَّا الآب، وَلا مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلَّا الِابنُ وَمَن شاءَ الِابنُ أَنْ يَكشِفَهُ لَه" (متّى 11: 27).

 

أَمَّا عِبارَةُ "اسمَكَ" ὄνομα فَلا تَعني مُجرَّدَ لَقبٍ أَو تَسمِيَة، بَلْ تَدُلُّ، في العَقليَّةِ السّامِيَّة، عَلى الشَّخصِ نَفسِهِ وَحُضورِهِ وَصِفاتِهِ وَقُدرَتِهِ وَمَجدِهِ. فَالاِسمُ يَحمِلُ كِيانَ صاحِبِهِ وَحَقيقَتَهُ. وَمِن هُنا، فَإِظهارُ يَسوعَ لاِسمِ الآبِ يَعني إِعلانَ حَقيقَةِ اللهِ وَمَحبَّتِهِ وَرَحمَتِهِ وَقُدسِيَّتِهِ لِلبَشَر. وَقَد تَرَنَّمَ صاحِبُ المَزامير: "سَأُبَشِّرُ إِخوَتي بِاسمِكَ، وَفي وَسْطِ الجَماعَةِ أُسَبِّحُكَ" (مزمور 22: 23). وَالاِسمُ الإِلٰهيُّ، في الكِتابِ المُقَدَّس، جَديرٌ بِالمَحبَّةِ وَالتَّسبيحِ وَالتَّقديس، لأَنَّهُ يُشيرُ إِلى الحُضورِ الحَيِّ لِلهِ وَعَمَلِهِ في شَعبِهِ. وَقَد كانَ اليَهودُ يَتَجَنَّبونَ لَفظَ اسمِ اللهِ بِشَكلٍ مُباشِر، دافِعُهُم في ذٰلِكَ الخَوفُ مِن سُوءِ استِعمالِهِ أَو نُطقِهِ بِغَيرِ وَقار، فَكانوا يَكتَفونَ بِالتَّعبيرِ عَنهُ بِأَلقابٍ أُخرى. أَمَّا يَسوعُ فَقَد أَظهَرَ "اسمَ الآب" مِن خِلالِ عَلاقَتِهِ البُنُوِيَّةِ الفَريدةِ مَعَه، وَكَشَفَ أَنَّ اللهَ لَيسَ إِلٰهًا بَعيدًا وَغامِضًا، بَلْ آبًا يُحِبُّ البَشَرَ وَيَدعوهم إِلى الشَّرِكَةِ مَعَه. وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري قائِلًا: "المَسيحُ أَظهَرَ اسمَ الآبِ، لا بِالنُّطقِ بِهِ فَقَط، بَلْ بِإِعلانِ حَقيقَتِهِ وَمَحبَّتِهِ مِن خِلالِ أَعمالِهِ وَحَياتِهِ" (PG 74: 524-528).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِلنّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم" فَتُشيرُ، في البِدايَة، إِلى التَّلاميذِ الَّذينَ قَبِلوا يَسوعَ وَآمَنوا بِهِ، لٰكِنَّها تَمتَدُّ أَيضًا لِتَشمَلَ جَميعَ الَّذينَ سَيُؤمِنونَ بِهِ عَبرَ الأَجيال. فَهُم عَطيَّةُ الآبِ لِلِابن، اجتَذَبَهُم الآبُ إِلَيهِ، كَما قالَ يَسوع: "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَنْ يُقبِلَ إِلَيَّ إِلَّا إِذا اجتَذَبَهُ الآب" (يوحنّا 6: 44). وَهُنا يَظهَرُ أَنَّ الإِيمانَ لَيسَ مُجرَّدَ مَبادَرَةٍ بَشَرِيَّة، بَلْ هُوَ عَملُ نِعمَةٍ إِلٰهيَّة.

 

أَمَّا عِبارَةُ "كانوا لَكَ فَوَهَبتَهُم لي" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ التَّلاميذَ يَنتمونَ أَصلًا إِلى اللهِ بِوَصفِهِ خالِقَهُم وَراعِيَهُم. وَقَد كانُوا مُستَعِدّينَ لِقَبولِ الحَقِّ، فَلَمّا سَمِعوا كَلامَ المَسيحِ تَجاوَبوا مَعَهُ وَآمَنوا بِهِ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ بولس الرَّسول قائِلًا: "لأَنَّنا مِن صُنعِ الله" (أفسس 2: 10). فَالآبُ يَهَبُ التَّلاميذَ لِلِابن، وَالِابنُ يَقودُهُم إِلى الحَياةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ الله. وَيَتَكَرَّرُ فِعلُ "وَهَبَ" في هٰذِهِ الصَّلاةِ عِدَّةَ مَرّات، مِمّا يَكشِفُ أَنَّ العَطاءَ وَبَذلَ الذّاتِ هُما جَوهَرُ العَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالِابنِ وَالمُؤمِنين.

أَمَّا عِبارَةُ "وَقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ" (τετήρηκαν τὸν λόγον σου) فَتَحمِلُ بُعدًا لُغَوِيًّا وَلٰاهوتِيًّا عَميقًا في إِنجيلِ يوحنّا. فَالفِعلُ τετήρηκαν هُوَ صيغَةُ الماضي التامّ مِنَ الفِعل τηρέω، وَيَعني: يَحفَظ، يَصون، يَحرُس، يُراقِبُ بِعِنايَة. وَزَمَنُ الماضي التامّ في اليونانيّة لا يُشيرُ إِلى عَمَلٍ حَدَثَ في الماضي وَانتهى، بَلْ إِلى فِعلٍ تَمَّ وَما زالَت نَتائِجُهُ مُستَمِرَّة. وَبِالتّالي فَالمَعنى لَيسَ أَنَّ التَّلاميذَ سَمِعوا الكَلِمَةَ مَرَّةً ثُمَّ انصَرَفوا، بَلْ أَنَّهُم حَفِظوها وَما زالوا ثابِتينَ فيها.

 

وَلا يَعني "حَفِظوا" τηρέω مُجرَّدَ الطّاعَةِ القانونيَّةِ الخارِجيَّة، بَلْ يَحمِلُ مَعنى صِيانَةِ شَيءٍ ثَمينٍ وَحِفظِهِ بِحُبٍّ وَأَمانَةٍ داخِلَ القَلب. وَمِن هُنا يَحمِلُ الفِعلُ، في اللاهوتِ اليوحنِّيِّ، مَعنى الثَّباتِ وَالأَمانَةِ وَالالتِزامِ المُستَمِرّ. فَالتَّلاميذُ لَم يَكتَفوا بِسَماعِ الكَلِمَة، بَلْ قَبِلوها في قُلوبِهِم، وَأَطاعوها، وَعاشوا بِها، وَدَخَلوا مِن خِلالِها في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ "الكَلِمَةِ المُتَجَسِّد" نَفسِهِ، أَي يَسوعَ المَسيح. وَيَستَعمِلُ يوحنّا هٰذا الفِعلَ بِشَكلٍ مُتَكرِّر لِلدَّلالَةِ عَلى العَلاقَةِ الحَيَّةِ بَينَ المُؤمِنِ وَالمَسيح، كَما في قَولِ يَسوع: "إِن أَحَبَّني أَحَدٌ يَحفَظْ كَلامي" (يوحنّا 14: 23). فَحِفظُ الكَلِمَةِ عِندَ يوحنّا لَيسَ حِفظًا لِنَصٍّ مَكتوبٍ فَحَسب، بَلْ الثَّباتُ في شَخصِ يَسوعَ ذاتِهِ. وَمِن هُنا يَأتي رَفضُ العالَمِ لِلتَّلاميذ، لأَنَّهُم صاروا يَنتمونَ إِلى المَسيحِ وَيَحيَونَ بِكَلِمَتِهِ لا بِمَنطِقِ العالَم. فَالطّاعَةُ لِكَلِمَةِ المَسيحِ هِيَ البُرهانُ الأَوَّلُ عَلى أَنَّ الإِنسانَ تِلميذٌ حَقيقيٌّ لَه، لأَنَّ حِفظَ الكَلِمَةِ يُعبِّرُ عَنِ اتِّحادِ الإِيمانِ بِالحَياةِ. وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم هٰذا المَعنى قائِلًا: "حِفظُ الكَلِمَةِ لا يَعني سَماعَها فَقَط، بَلْ العَيشَ بِها وَالثَّباتَ فيها" (PG 59: 441–444). فَالكَلِمَةُ الَّتي تُحفَظُ في القَلبِ تُصَبِحُ حَياةً، وَالحَياةُ المَحفوظَةُ بِالمَسيحِ تُصبِحُ شَهادَةً لِلعالَم.

 

7 "وَعَرَفوا الآنَ أَنَّ جَميعَ ما وَهَبتَهُ لي هُوَ مِن عِندِكَ"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "عَرَفوا الآنَ" إِلى المَعرِفَةِ الَّتي بَلَغَ إِلَيها التَّلاميذُ مِن خِلالِ تَعليمِ يَسوعَ وَمُرافَقَتِهِم لَه. هٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مُجرَّدَ فَهمٍ ذِهنِيّ، بَلْ إِيمانٌ حَيٌّ وَدُخولٌ في سِرِّ شَخصِ المَسيح. وَقَد نَضَجَ هٰذا الإِيمانُ تَدريجِيًّا، وَسَيَبلُغُ كَمالَهُ بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيهِم، الَّذي "يُرشِدُهُم إِلى الحَقِّ كُلِّهِ" (يوحنّا 16: 13). فَالتَّلاميذُ بَدَأوا يُدرِكونَ أَنَّ يَسوعَ لَيسَ مُجرَّدَ مُعَلِّمٍ أَو نَبِيّ، بَلْ الابنُ الآتي مِن عِندِ الآب. وَيُعَلِّقُ اوغسطينوس قائِلًا: "عِندما قالَ يَسوعُ: "وَعَرَفوا الآن"، أَرادَ أَنْ يُفَسِّرَ المَعرِفَةَ بِالإِيمان، فَالمَعرِفَةُ الحَقيقيَّةُ هِيَ الإِيمانُ الَّذي يَقودُ إِلى الشَّرِكَةِ مَعَ الله" (PL 35: 1919-1920). فَالمَعرِفَةُ في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا لا تَنفَصِلُ عَنِ الإِيمانِ، بَلْ هِيَ مَعرِفَةٌ ناتِجَةٌ عَنِ اللِّقاءِ الحَيِّ بِالمَسيح.

 

أَمَّا عِبارَةُ "أَنَّ جَميعَ ما وَهَبتَهُ لي هُوَ مِن عِندِكَ" فَتُشيرُ إِلى إِدراكِ التَّلاميذِ أَنَّ كُلَّ ما يَملِكُهُ يَسوعُ، مِن تَعاليمَ وَأَعمالٍ وَسُلطانٍ وَمَجد، يَنبُعُ مِن وَحدَتِهِ مَعَ الآب. فَقَد أَدرَكوا أَنَّ يَسوعَ لَيسَ فَقَط "ابنَ النَّجّارِ" مِنَ النّاصِرَة، وَلا مُجرَّدَ نَبِيٍّ مِنَ الجَليل، بَلْ هُوَ الابنُ المُرسَلُ مِنَ السَّماءِ، المَسيحُ المَوعودُ بِهِ. وَهٰذا ما أَعلَنَهُ القديس بطرس الرسول بِإِيمانِهِ: "أَنتَ المَسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ" (متّى 16: 16). فَقَد عَرَفَ التَّلاميذُ أَنَّ كَلامَ يَسوعَ لَيسَ كَلامًا بَشَرِيًّا، بَلْ كَلامُ اللهِ نَفسِهِ، كَما قالَ يَسوع: "الكَلامُ الَّذي كَلَّمتُكُم بِهِ رُوحٌ وَحَياة" (يوحنّا 6: 63). فَكَلِماتُ المَسيحِ تَحمِلُ الحَياةَ الإِلٰهيَّة، لأَنَّها صادِرَةٌ مِنَ الآبِ وَمُعلَنَةٌ في الِابن. وَمِن هُنا، فَإِيمانُ التَّلاميذِ بِالمَسيحِ هُوَ إِيمانٌ بِالآبِ الَّذي أَرسَلَه، لأَنَّ كُلَّ ما لِلِابنِ هُوَ مِن عِندِ الآب. وَيُؤَكِّدُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ "التَّلاميذَ أَدرَكوا أَنَّ يَسوعَ لا يَتَكَلَّمُ مِن عِندِهِ كَإِنسانٍ عاديّ، بَلْ كَالِابنِ الَّذي يَحمِلُ كُلَّ ما لِلآبِ وَيُعلِنُهُ لِلعالَم" (PG 74: 529-532). وَهٰكَذا تَصيرُ مَعرِفَةُ التَّلاميذِ أُسُسًا لِإِيمانِ الكَنيسَة، الَّتي تُؤمِنُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ وَالإِعلانُ الكامِلُ لِلآب.

 

8 " وَأَنَّ الكَلامَ الَّذي بَلَّغتَنيهِ بَلَّغتُهُم إِيّاه، فَقَبِلوهُ وَعَرَفوا حَقًّا أَنِّي مِن لَدُنكَ خَرَجتُ، وَآمَنوا بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "الكَلامَ" إِلى الحَقائِقِ الإِلٰهيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللهِ وَبِخَلاصِ البَشَر، الَّتي سَلَّمَها الآبُ لِلِابنِ لِيُعلِنَها لِلعالَم. فَكَلِماتُ يَسوعَ لَيسَت تَعاليمَ بَشَرِيَّةً، بَلْ هِيَ كَلامُ الآبِ نَفسِهِ، كَلامُ الحِكمَةِ وَالحَياةِ وَالتَّعزِيَةِ وَالخَلاص. وَهٰذا الكَلامُ يَحمِلُ سُلطانًا أَبَدِيًّا، كَما قالَ يَسوع: "السَّماءُ وَالأَرضُ تَزولان، وَكَلامي لَن يَزول" (متّى 24: 35). فَالكَلِمَةُ الإِلٰهيَّةُ تَبقى لأَنَّها صادِرَةٌ مِنَ اللهِ الحَيِّ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "أَنَّ الكَلامَ الَّذي بَلَّغتَنيهِ بَلَّغتُهُم إِيّاه" فَتُشيرُ إِلى أَمانَةِ يَسوعَ الكامِلَةِ في نَقلِ إِعلانِ الآبِ إِلى التَّلاميذ. فَالمَسيحُ لا يَتَكَلَّمُ مِن عِندِهِ، بَلْ يُعلِنُ ما سَمِعَهُ مِنَ الآب. وَقَد قالَ: "إِنَّنا نَتَكَلَّمُ بِما نَعلَم، وَنَشهَدُ بِما رَأَينا" (يوحنّا 3: 11). وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيِّين: "كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيّامِ هٰذِهِ بِابنٍ، جَعَلَهُ وارِثًا لِكُلِّ شَيء، وَبِهِ أَنشَأَ العالَمين" (عبرانيّين 1: 2). فَالِابنُ هُوَ الكَلِمَةُ النِّهائِيَّةُ وَالكامِلَةُ الَّتي يُخاطِبُ اللهُ بِها البَشَرِيَّة.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَقَبِلوهُ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ التَّلاميذَ لَم يَكتَفوا بِسَماعِ الكَلام، بَلْ قَبِلوهُ بِالإِيمانِ وَالفَرَحِ وَالاِنفِتاحِ القَلبيّ. فَالْقَبولُ هُنا يَعني الاِستِعدادَ الدّاخِلِيَّ لِلاِستِجابَةِ لِنِعمَةِ الله. وَهُنا يَظهَرُ الفَرقُ بَينَ التَّلاميذِ وَالعالَم: فَبَعضُهُم سَمِعوا الكَلِمَةَ وَرَفَضوها، أَمَّا التَّلاميذُ فَقَبِلوها وَآمَنوا بِها. فَالإِيمانُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى وُضوحِ التَّعليمِ فَقَط، بَلْ عَلى اِنفِتاحِ القَلبِ وَحُرِّيَّةِ الإِنسانِ في القَبولِ أَو الرَّفض. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَقُلِ المَسيحُ إِنَّهُم سَمِعوا الكَلامَ فَقَط، بَلْ إِنَّهُم قَبِلوهُ، لأَنَّ القَبولَ هُوَ عَلامَةُ الإِيمانِ الحَيّ" (PG 59: 445-448).

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَعَرَفوا حَقًّا أَنِّي مِن لَدُنكَ خَرَجتُ" فَتُشيرُ إِلى وَصولِ التَّلاميذِ إِلى مَعرِفَةِ الأَصلِ الإِلٰهيِّ لِيَسوعَ. فَقَد أَدرَكوا أَنَّ كَلامَهُ وَأَعمالَهُ لا يُمكِنُ أَنْ تَصدُرَ عَن إِنسانٍ عاديّ، بَلْ عَنِ الابنِ الآتي مِن عِندِ الآب. وَالفِعلُ "خَرَجتُ" لا يَعني مُجرَّدَ الإِرسالِ الزَّمنيِّ، بَلْ يَحمِلُ بُعدًا لاهوتِيًّا يَدُلُّ عَلى خُروجِ الِابنِ مِنَ الآبِ أَزَلِيًّا وَتَجَسُّدِهِ في الزَّمَن. وَقَد أَعلَنَ نيقوديمس هٰذا الإِدراكَ قائِلًا: "رَبّي، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّمًا" (يوحنّا 3: 2). وَكَذٰلِكَ قالَ التَّلاميذُ: "نُؤمِنُ بِأَنَّكَ خَرَجتَ مِنَ الله" (يوحنّا 16: 30). هٰذِهِ المَعرِفَةُ قادَتهُم إِلى الإِيمانِ، لأَنَّ مَن يَعرِفُ الحَقَّ يَنفتِحُ عَلى المَسيحِ وَيُدرِكُ أَنَّهُ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ. وَيُؤَكِّدُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ "التَّلاميذَ عَرَفوا أَنَّ المَسيحَ لَيسَ إِنسانًا فَقَط، بَلْ هُوَ الِابنُ الَّذي جاءَ مِن عِندِ الآبِ لِيُعلِنَ الحَقَّ وَيَهَبَ الحَياة" (PG 74: 533-536).

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَآمَنوا بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" فَتُشيرُ إِلى اكَتِمالِ مَسيرَةِ الإِيمانِ عِندَ التَّلاميذ. فَهُم أَوَّلًا قَبِلوا الكَلام، ثُمَّ عَرَفوا أَصلَ يَسوعَ الإِلٰهيَّ، وَأَخيرًا آمَنوا بِرِسالَتِهِ الخَلاصيَّةِ. وَهٰذا التَّدرُّجُ يَكشِفُ دِينامِيَّةَ الإِيمانِ في إِنجيلِ يوحنّا: القَبول، ثُمَّ المَعرِفَة، ثُمَّ الإِيمانُ الكامِلُ. وَالإِيمانُ هُوَ الغايَةُ الَّتي كُتِبَ مِن أَجلِها الإِنجيل: "كُتِبَت هٰذِهِ لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ ابنُ الله، وَلِتَكونَ لَكُم إِذا آمَنتُم الحَياةُ بِاسمِهِ" (يوحنّا 20: 31). فَالتَّلاميذُ قَبِلوا التَّعليمَ، وَعَرَفوا الأَصلَ الإِلٰهيَّ لِيَسوعَ، وَوَصَلوا إِلى الحَقِّ، وَأَخيرًا آمَنوا بِهِ بِإِرادَةٍ ثابِتَةٍ وَقَلبٍ مُشتَعِلٍ بِالمَحبَّة. وَهٰكَذا يُصبِحُ الإِيمانُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَ مُجرَّدَ اِقتِناعٍ فِكرِيّ، بَلْ قَرارَ حَياةٍ وَدُخولًا في شَرِكَةٍ مَعَ المَسيحِ المُرسَلِ مِنَ الآبِ لِفِداءِ العالَم.

 

9 "إِنِّي أَدعو لَهُم، وَلا أَدعو لِلعالَم، بَلْ لِمَن وَهَبتَهُم لي، لأَنَّهُم لَكَ"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "أَدعو لَهُم" في الأَصلِ اليونانيّ: ἐρωτῶ وَمَعناها: "أَسأَلُ" أَو "أَتشَفَّعُ". وَتُعبِّرُ هٰذِهِ اللَّفظَةُ عَن صَلاةِ يَسوعَ الشَّفاعِيَّةِ مِن أَجلِ تَلاميذِهِ الَّذينَ اختارَهُم مِنَ العالَم، وَقَبِلوهُ وَآمَنوا بِهِ. فَالمَسيحُ، قَبلَ دُخولِهِ في الآلامِ، يَستَودِعُ تَلاميذَهُ بَينَ يَدَيِ الآبِ، وَيَرفَعُهُم في صَلاتِهِ الكَهَنوتِيَّةِ كَرَئيسِ الكَهَنَةِ الحَقيقيِّ الَّذي يَشفَعُ مِن أَجلِ شَعبِهِ. هٰذِهِ الشَّفاعَةُ تَكشِفُ عُمقَ مَحبَّةِ يَسوعَ وَاهتِمامِهِ بِالَّذينَ سَيُواصِلونَ رِسالَتَهُ في العالَم. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "المَسيحُ يُصَلّي لِتَلاميذِهِ لا لأَنَّهُم كامِلون، بَلْ لأَنَّهُم قَبِلوا الإِيمانَ وَثَبَتوا في كَلِمَتِهِ" (PG 59: 449-452).  فَالشَّفاعَةُ هُنا مُرتَبِطَةٌ بِالاِنفِتاحِ عَلى النِّعمَةِ وَقَبولِ كَلِمَةِ الله.

 

أَمَّا عِبارَةُ "العالَم" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيّ: κόσμος وَهِيَ مِن أَكثَرِ الأَلفاظِ عُمقًا وَتَعَدُّدًا لِلمَعاني في إِنجيلِ يوحنا البشير. َقَد تَعني أَحيانًا الكَونَ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ (يوحنّا 1: 10)، وَأَحيانًا الجِنسَ البَشَرِيَّ الَّذي أَحبَّهُ اللهُ حتّى جادَ بِابنِهِ الوَحيد (يوحنّا 3: 16)، وَأَحيانًا أُخرى تَعني البُنيَةَ الرُّوحيَّةَ المُعادِيَةَ لله، أَي البَشَرِيَّةَ الَّتي تَرفُضُ النُّورَ وَتُفَضِّلُ الظُّلمَة. وَهٰذا هُوَ المَعنى المَقصودُ هُنا: العالَمُ الَّذي يَرفُضُ المَسيحَ وَيُقاوِمُ مَلكوتَ الله.

 

لِذٰلِكَ، فَعِبارَةُ "لا أَدعو لِلعالَم" لا تَعني أَنَّ يَسوعَ لا يُحِبُّ العالَم، لأَنَّهُ جاءَ أَصلًا لِخَلاصِهِ، بَلْ تَعني أَنَّهُ لا يَشفَعُ هُنا لِذٰلِكَ العالَمِ الَّذي أَغلَقَ قَلبَهُ بِالكِبرِياءِ وَرَفَضَ الإِيمانَ. فَيَسوعُ جاءَ "لِيَنتَزِعَ البَشَرَ مِن سُلطانِ سَيِّدِ هٰذا العالَم"، كَما قالَ: "اليَومَ يُطرَدُ سَيِّدُ هٰذا العالَمِ إِلى الخارِج" (يوحنّا 12: 31)، وَأَعلَنَ انتِصارَهُ قائِلًا: "ثِقوا، إِنِّي قَد غَلَبتُ العالَم" (يوحنّا 16: 33). فَهُوَ لا يُصَلّي لِلعالَمِ المُصِرِّ عَلى رَفضِ الحَقّ، بَلْ لِجَماعَةِ التَّلاميذِ الَّذينَ قَبِلوا الحَقَّ وَثَبَتوا فيه. وَمَعَ ذٰلِكَ، لا يَعني هٰذا أَنَّ يَسوعَ لَم يُصَلِّ مِن أَجلِ العالَم، لأَنَّهُ سَيَقولُ لاحِقًا: "فَلْيَكونوا بِأَجمَعِهِم واحِدًا... لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنّا 17: 21). كَما أَنَّهُ صَلّى أَيضًا مِن أَجلِ قاتِليهِ عَلى الصَّليب: "يا أَبَتِ، اِغفِرْ لَهُم، لأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لوقا 23: 34). فَصَلاتُهُ مِن أَجلِ التَّلاميذِ هُنا هِيَ صَلاةٌ خاصَّةٌ بِجَماعَةِ الإِيمانِ الَّتي سَتَحمِلُ الرِّسالَةَ بَعدَ رَحيلِهِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِمَن وَهَبتَهُم لي" فَتُشيرُ إِلى التَّلاميذِ الَّذينَ كانُوا لِلآبِ قَبلَ أَنْ يَكونوا لِلمَسيح، كَما قالَ في الآيَةِ السّابِقَة: "كانوا لَكَ فَوَهَبتَهُم لي" (يوحنّا 17: 6). فَهُم عَطيَّةُ الآبِ لِلِابن، وَالإِيمانُ بِالمَسيحِ هُوَ ثَمَرَةُ عَمَلِ الآبِ الَّذي يَجتَذِبُ النُّفوسَ إِلَى الِابن. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "الآبَ يَهَبُ لِلِابنِ أُولئِكَ الَّذينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُم وَهَيَّأَهُم لِلإِيمان" (PL 35: 1921-1922).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّهُم لَكَ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ التَّلاميذَ، بِقَبولِهِم كَلِمَةَ المَسيحِ وَإِيمانِهِم بِهِ، دَخَلوا في ميثاقٍ جَديدٍ مَعَ الآب. فَهُم لِلآبِ بِالتَّبَنّي، لأَنَّهُم صاروا إِخوَةَ المَسيح، وَهُم أَيضًا عَطيَّةُ الآبِ لِلِابن، لأَنَّ ما لِلآبِ هُوَ لِلِابن، وَما لِلِابنِ هُوَ لِلآب. وَهٰذا يَكشِفُ وَحدَةَ الآبِ وَالِابنِ في العَمَلِ وَالمَحبَّةِ وَالخَلاص.

 

10 "وَجَميعُ ما هُوَ لي فَهُوَ لَكَ، وَما هُوَ لَكَ فَهُوَ لي، وَقَد مُجِّدتُ فيهِم"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "وَجَميعُ ما هُوَ لي فَهُوَ لَكَ" إِلى وَحدَةِ المَسيحِ مَعَ الآبِ في كُلِّ ما يَملِكانِه. فَكُلُّ ما لِلِابنِ هُوَ لِلآب، وَكُلُّ ما لِلآبِ هُوَ لِلِابن. وَمِن جِهَةٍ ما، يُمكِنُ لِكُلِّ خَليقَةٍ أَنْ تَقولَ لِلآب: "كُلُّ ما لي فَهُوَ لَكَ"، لأَنَّ اللهَ هُوَ مَصدَرُ كُلِّ شَيء.

 

العِبارَةَ الثّانِيَةَ "وَما هُوَ لَكَ فَهُوَ لي" لا يَستَطيعُ أَنْ يَقولَها إِلَّا المَسيحُ وَحدَه، لأَنَّهُ الِابنُ الأَزَلِيُّ المُتَّحِدُ مَعَ الآبِ في الجَوهرِ وَالطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّة. فَهُوَ لا يَملِكُ مِنَ الآبِ كَعَطيَّةٍ خارِجِيَّةٍ، بَلْ يَملِكُ كُلَّ ما لِلآبِ بِحُكمِ وَحدَتِهِ الأَزَلِيَّةِ مَعَه. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ يَسوعُ نَفسُهُ قائِلًا: "جَميعُ ما هُوَ لِلآبِ فَهُوَ لي، وَلِذٰلِكَ قُلتُ لَكُم إِنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لي وَيُخبِرُكُم بِهِ" (يوحنّا 16: 15). فَالعَلاقَةُ بَينَ الآبِ وَالِابنِ هِيَ عَلاقَةُ شَرِكَةٍ كامِلَةٍ في الحَياةِ وَالمَجدِ وَالسُّلطانِ وَالمَحبَّة. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "إِنَّ كُلَّ ما يَخصُّ الآبَ يَخصُّ الِابنَ أَيضًا، لأَنَّهُما لَيسا مُنفَصِلَينِ في الجَوهرِ وَالمَجد" (PL 35: 1923-1924).  

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَقَد مُجِّدتُ فيهِم" فَتُشيرُ إِلى تَمجيدِ المَسيحِ في تَلاميذِهِ وَمُؤمِنيهِ. فَيَسوعُ يَتَمَجَّدُ في الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَتَهُ، وَيُؤمِنونَ بِهِ، وَيُطيعونَهُ، وَيَعيشونَ وَصاياهُ، وَيَكرِزونَ بِإِنجيلِهِ لِلعالَم. فَالتَّلاميذُ، بِإِيمانِهِم وَشَهادَتِهِم، يُظهِرونَ مَجدَ المَسيحِ وَيُعلِنونَ حُضورَهُ الخَلاصيَّ. وَسَيَتَجَلّى هٰذا المَجدُ بِصُورَةٍ أَعمَقَ بَعدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيهِم، حِينَ يَصيرونَ شُهودًا لِلمَسيحِ "إِلى أَقاصي الأَرض" (أعمال الرُّسُل 1: 8). وَفِي المُقابِل، فَالعالَمُ الَّذي رَفَضَ المَسيحَ وَأَبغَضَهُ لا يَستَطيعُ أَنْ يَرى هٰذا المَجد، لأَنَّهُ يَبقى في الظُّلمَةِ وَالرَّفض. أَمَّا المُؤمِنونَ، فَيَحمِلونَ في حَياتِهِم صُورَةَ المَسيحِ وَمَجدَهُ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ بولس الرسول قائِلًا: "قَد لَبِستُمُ المَسيح" (غلاطية 3: 27). فَيَرى النّاسُ في المُؤمِنينَ وَجهَ المَسيحِ وَحُضورَهُ الحَيّ. وَهٰذا يَتَوافَقُ مَعَ تَعاليمِ يَسوع: "لِيَرَوا أَعمالَكُمُ الصّالِحَة، فَيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّماوات" (متّى 5: 16). إِنَّ تَمجيدَ المَسيحِ في التَّلاميذِ هُوَ تَجلِّي قُدرَةِ الآبِ وَالِابنِ وَوَحدَةِ مَحبَّتِهِما. فَالتَّلاميذُ يَدخُلونَ في شَرِكَةِ الحُبِّ القائِمَةِ بَينَ الآبِ وَالِابن، وَيُصبِحونَ مَكانًا يَظهَرُ فيهِ مَجدُ الله. وَبِقَدرِ ما يَهديهِم يَسوعُ إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ المُتَجَلِّي فيه، يَتَحَقَّقُ عَمَلُهُ الخَلاصيُّ وَيُتَمَّجَدُ الآبُ. وَهٰكَذا تَظهَرُ وَحدَةُ الوَحيِ وَالعَمَلِ بَينَ الآبِ وَالِابن. وَيُلاحَظُ أَنَّ يَسوعَ يَتَكَلَّمُ عَن تَمجيدِهِ في التَّلاميذِ بِصيغَةِ الماضي: "مُجِّدتُ فيهِم"، مَعَ أَنَّ هٰذا التَّمجيدَ سَيَتَحَقَّقُ بِصُورَةٍ كامِلَةٍ بَعدَ القِيامةِ وَالعَنصَرَة. وَيُعَلِّقُ اوغسطينوس قائِلًا: "يَتَحَدَّثُ يَسوعُ عَن تَمجيدِهِ كَأَنَّهُ قَد تَمَّ، مَعَ أَنَّهُ ما زالَ في المُستَقبَل، لِيُظهِرَ أَنَّ ما قَصَدَهُ اللهُ وَدَبَّرَهُ هُوَ أَمرٌ أَكيدٌ لا شَكَّ فيه"(PL 35: 1924-1925). فَفَرَحُ يَسوعَ يَكتَمِلُ حِينَ يَرى تَلاميذَهُ يَشهَدونَ لَهُ بِإِيمانِهِم وَحَياتِهِم، لأَنَّهُ يَتَمَجَّدُ في كَنيسَتِهِ وَفي المُؤمِنينَ الَّذينَ يَحمِلونَ حُضورَهُ إِلى العالَم. ومن هنا تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ مِن أَوضَحِ النُّصوصِ الَّتي تُعلِنُ لاهوتَ المَسيحِ وَوَحدَتَهُ الجَوهَرِيَّةَ مَعَ الآب.

 

11 "لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم، وَأَمَّا هُم فَلا يَزالونَ في العالَم، وَأَنا ذاهِبٌ إِلَيكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس، اِحفَظهُم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَهُ لي، لِيَكونوا واحِدًا كَما نَحنُ واحِد"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم" في الأَصلِ اليونانيّ: οὐκέτι εἰμὶ ἐν τῷ κόσμῳ وَمَعناها الحَرفيّ: "لَم أَعُد أَظهَرُ في العالَم". وَتُشيرُ إِلى أَنَّ يَسوعَ يَتَكَلَّمُ وَكَأَنَّ رِحالَهُ قَدِ اقتَرَبَت نِهايَتُها، لأَنَّهُ أَتمَّ العَمَلَ الَّذي وَكَلَهُ الآبُ إِلَيهِ (يوحنّا 17: 4). فَبِفَرطِ قُربِ الصَّليبِ، يَرى يَسوعُ أَنَّهُ قَد خَرَجَ مِنَ العالَمِ وَأَنَّهُ عائِدٌ إِلى مَجدِ الآب. َهٰذِهِ العِبارَةُ تَحمِلُ بُعدًا فِصحيًّا، لأَنَّ المَسيحَ يَعبُرُ مِن هٰذا العالَمِ إِلى الآبِ مِن خِلالِ المَوتِ وَالقِيامَةِ وَالصُّعود.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَأَمَّا هُم فَلا يَزالونَ في العالَم" فَتُشيرُ إِلى التَّلاميذِ الَّذينَ سَيَبقَونَ في وَسَطِ العالَمِ بِكُلِّ ما فيهِ مِن مِحَنٍ وَتَجارِبَ وَاضطِهادات. فَالعالَمُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَ مُجرَّدَ المَكانِ الجُغرافيّ، بَلْ القُوَّةُ المُعادِيَةُ لِمَلكوتِ الله، الَّتي تُحاوِلُ أَنْ تُبعِدَ الإِنسانَ عَنِ الحَقِّ. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ مُسبَقًا: "إِذا أَبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّهُ أَبغَضَني قَبلَ أَنْ يُبغِضَكُم" (يوحنّا 15: 18). كَما حَذَّرَهُم مِن إِغراءاتِ العالَمِ: "لأَنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِن شَهوَةِ الجَسَدِ وَشَهوَةِ العَينِ وَكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآب، بَلْ مِنَ العالَم" (1 يوحنّا 2: 16). إِنَّ يَسوعَ، في ساعَةِ آلامِهِ، لا يُفَكِّرُ في نَفسِهِ، بَلْ في تَلاميذِهِ. فَهُوَ لا يَترُكُهُم يَتامى، بَلْ يَحمِلُهُم في صَلاتِهِ الكَهَنوتِيَّةِ وَيَستَودِعُهُم لِلآب. وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري قائِلًا: "المَسيحُ، وَهُوَ مُقبِلٌ عَلى الآلامِ، أَظهَرَ أَنَّ اهتِمامَهُ الأَوَّلَ كانَ بِخَلاصِ تَلاميذِهِ وَثَباتِهِم في الإِيمان (PG 74: 548-552).

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَأَنا ذاهِبٌ إِلَيكَ" فَتُشيرُ إِلى رُجوعِ الِابنِ إِلى الآبِ بَعدَ إِتمامِ عَمَلِ الفِداء. فَيَسوعُ أَكمَلَ شَوطَهُ، أَمَّا التَّلاميذُ فَهُم يَبدَأونَ الآنَ مَسيرَتَهُم الرَّسوليَّةَ. وَإِذ كانَ يَحميهِم وَيُعَزِّيهِم بِحُضورِهِ الجَسَديِّ، فَهُوَ الآنَ يَستَودِعُهُم لِلآبِ، لِيَحفَظَهُم في وَحدَةِ الإِيمانِ وَالمَحبَّة.

 

أَمَّا عِبارَةُ "يا أَبَتِ القُدُّوس" فَتُعَدُّ مِن أَعمَقِ أَلقابِ اللهِ في هٰذِهِ الصَّلاة. فَالقَداسَةُ هِيَ صِفَةُ اللهِ الجَوهَرِيَّة، وَتُشيرُ إِلى سُمُوِّهِ وَنَقائِهِ وَكَمالِهِ. وَفِي الوَقتِ نَفسِهِ، يَبقى اللهُ "أَبًا"، أَي قَريبًا وَمُحِبًّا. فَهُوَ بِقَداسَتِهِ مَرهوبٌ، وَبِأُبُوَّتِهِ مَحبوبٌ. وَقَد دَعا اللهُ شَعبَهُ إِلى الاِشتِراكِ في قَداسَتِهِ قائِلًا: "كونوا قِدِّيسين، فَإِنِّي أَنا قُدُّوس" (أحبار 11: 44). َهٰذِهِ العِبارَةُ استَعمَلَتها اللِّيتورجيا المَسيحيَّةُ مُبَكِّرًا، كَما يَظهَرُ في Didache (تعليم الرُّسُل 10: 2).

 

أَمَّا عِبارَةُ "اِحفَظهُم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَهُ لي" فَتُشيرُ إِلى قُوَّةِ اللهِ وَحُضورِهِ الفَعّالِ الَّذي يَحفَظُ المُؤمِنينَ وَيُثَبِّتُهُم. فَالاسْمُ، في العَقليَّةِ الكِتابِيَّة، لا يَعني مُجرَّدَ لَقَب، بَلْ يَدُلُّ عَلى حُضورِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسُلطانِهِ. وَيَطلُبُ يَسوعُ مِنَ الآبِ أَنْ يُدخِلَ تَلاميذَهُ في مَجالِ حِفظِهِ وَحُضورِهِ، لِئَلّا يَرتَدّوا أَو يَصيروا فَريسَةً لِلعالَمِ الشِّرِّير. فَقَد سَلَّمَهُمُ الآبُ لِيَسوع، وَها هُوَ يَسوعُ يُسلِّمُهُم بِدَورِهِ إِلى الآب. وَيُلاحَظُ أَنَّ فِعلَ "يَحفَظ" يَتَكَرَّرُ في هٰذِهِ الصَّلاة، لأَنَّ المَسيحَ يَعرِفُ الصُّعوباتِ وَالاِضطِهاداتِ الَّتي سَيُواجِهُها الرُّسُل.

 

 أَمَّا عِبارَةُ "لِيَكونوا واحِدًا " فَتُعَبِّرُ عَن ذِروَةِ الصَّلاةِ الكَهَنوتِيَّة. فَيَسوعُ لا يَطلُبُ وَحدَةً خارِجِيَّةً أَو تَنظيمِيَّةً فَقَط، بَلْ وَحدَةً عَميقَةً في المَحبَّةِ وَالإِيمانِ وَالإِرادَةِ وَالحَياة. وَالفِعلُ "لِيَكونوا" لا يَعني أَنْ "يُصبِحوا" واحِدًا مِنَ العَدَم، بَلْ أَنْ يَثبُتوا وَيَحيَوا في هٰذِهِ الوَحدَةِ الَّتي مَصدَرُها اللهُ نَفسُه.

 

أَمَّا عِبارَةُ "كَما نَحنُ واحِد" ἵνα ὦσιν ἓν فتشير الى َمِثالُ الوَحدَةِ هُوَ وَحدَةُ الآبِ وَالِابنِ وَالرُّوحِ القُدُس. هٰذِهِ الوَحدَةُ لا تَقضي عَلى التَّمايُزِ بَينَ الأَشخاص، بَلْ تَجمَعُهُم في شَرِكَةِ المَحبَّة. وَقَد قالَ يَسوعُ لاحِقًا: "فَلْيَكونوا بِأَجمَعِهِم واحِدًا: كَما أَنَّكَ فِيَّ يا أَبَتِ وَأَنا فيكَ، فَلْيَكونوا هُم أَيضًا فينا" (يوحنّا 17: 21). فَوَحدَةُ الكَنيسَةِ هِيَ اِمتِدادٌ لِوَحدَةِ الثّالوثِ، وَشَهادَةٌ لِلعالَمِ عَلى حُضورِ اللهِ وَمَحبَّتِهِ. وَيُؤَكِّدُ قبريانس القرطاجي أَنَّ "الكَنيسَةَ تَستَمِدُّ وَحدَتَها مِن وَحدَةِ الآبِ وَالِابنِ وَالرُّوحِ القُدُس" (PL 4: 502-503). فَيَسوعُ، وَهُوَ يَستَعِدُّ لِلصَّليب، يَترُكُ لِكَنيسَتِهِ أَعظَمَ وَصيَّةٍ وَأَعظَمَ صَلاة: أَنْ تَبقى واحِدَةً في المَحبَّةِ وَالحَقِّ، لِتَكونَ أَيقونَةً حَيَّةً لِحَياةِ الثّالوثِ في العالَم.

 

أَمَّا عِبارَةُ "واحِد" في الأَصلِ اليونانيِّ ἓν ، فَلَيسَت بِصيغَةِ المُذَكَّر εἷς (واحد كشخص)، بَلْ بِالصّيغَةِ المُحايِدَة، وَهٰذا تَفصيلٌ لُغَوِيٌّ دَقيقٌ يَحمِلُ أَهمِّيَّةً لاهوتيَّةً كَبيرَة. فَلَو أَرادَ يَسوعُ الإِشارَةَ إِلى شَخصٍ واحِدٍ أَو ذَوبانِ الأَشخاصِ في شَخصٍ واحِدٍ، لَاستخدَمَ صيغَةَ المُذَكَّر εἷς؛ أَمّا استِعمالُهُ لِلمُحايِد ἓν فَيُشيرُ إِلى وَحدَةِ الشَّرِكَةِ وَالطَّبيعَةِ وَالغايَةِ وَالمَحبَّة. فَالمَسيحُ لا يَطلُبُ أَنْ يَصيرَ التَّلاميذُ شَخصًا واحِدًا، بَلْ أَنْ يَدخُلوا في وَحدَةِ الشَّرِكَةِ الَّتي تَقومُ بَينَ الآبِ وَالابنِ. إِنَّها وَحدَةٌ في الإِيمانِ وَالمَحبَّةِ وَالرِّسالَةِ وَالحَياة، وَهِيَ اِنعِكاسٌ لِلوَحدَةِ الثّالوثِيَّةِ نَفسِها. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لَم يَقُل شَخصًا واحِدًا، بَلْ واحِدًا في المَحبَّة" (PG 59: 470).

 

وَيَقومُ يوحنّا 17: 1–11 عَلى شَبَكَةٍ مُترابِطَةٍ مِنَ الأَلفاظِ اللاهوتِيَّةِ المِحوَرِيَّة: المَجد (δόξα)، الحَياة (ζωή)، المَعرِفَة (γνῶσις / γινώσκω)، الحِفظ (τηρέω)، العالَم (κόσμος)، الوَحدَة (ἓν) وَالعَطاء (δίδωμι). هٰذِهِ الأَلفاظُ لا تَظهَرُ بِصُورَةٍ مُنفَصِلَة، بَلْ تَتَشابَكُ لِتُشَكِّلَ البُنيَةَ اللّاهوتِيَّةَ لِلصَّلاةِ الكَهَنوتِيَّة. فَالمَجدُ يَقودُ إِلى الحَياة، وَالحَياةُ تُثمِرُ المَعرِفَة، وَالمَعرِفَةُ تُنشِئُ الشَّرِكَة، وَالشَّرِكَةُ تُحافِظُ عَلَيها المَحبَّةُ وَالوَحدَةُ بِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُس. وَمِن هُنا تَنكَشِفُ صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّةُ لا كَمُجرَّدِ صَلاةِ وَداعٍ أَخيرَة، بَلْ كَإِعلانٍ عَن دُخولِ المُؤمِنِ في سِرِّ شَرِكَةِ الثّالوث: مَجدِ الآب، وَحَياةِ الِابن، وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ الحَيِّ في الكَنيسَة.

 

 

ثانياً: تطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليّ (يوحنّا 17: 1-11)

 

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يوحنّا 17: 1-11)، يُمكِنُ أَنْ نَستَنتِجَ أَنَّ هٰذا النَّصَّ يَتمَحوَرُ حَولَ "صَلاةِ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة"، حَيثُ يَظهَرُ يَسوعُ رَئيسَ الكَهَنَةِ الحَقيقيَّ الَّذي يُقَدِّمُ ذاتَهُ ذَبيحَةً لِلآب، وَيُصَلّي مِن أَجلِ ذاتِهِ وَمِن أَجلِ تَلاميذِهِ وَكَنيسَتِهِ.

 

1) صَلاةُ يَسوعَ مِن أَجلِ ذاتِهِ (يوحنّا 17: 1-5)

 

صَلّى يَسوعُ كَإِنسانٍ حَقيقيٍّ كامِلٍ وَكَمُمَثِّلٍ لِلبَشَرِيَّة، حامِلًا طَبيعَتَنا وَرَافِعًا إِيّاها نَحوَ الآب. وَقَد وَصَفَ بولس الرسول هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "وَهُوَ الَّذي في أَيّامِ حَياتِهِ البَشَرِيَّةِ رَفَعَ الدُّعاءَ وَالاِبتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ وَدُموعٍ ذَوارِفَ إِلى الَّذي بِوُسعِهِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ المَوت، فاستُجيبَ لِتَقْواه" (عبرانيّين 5: 7). فَيَسوعُ لا يُصَلّي لأَنَّهُ يَحتاجُ إِلى النِّعمَةِ كَخاطِئ، بَلْ لأَنَّهُ، بِتَجَسُّدِهِ، دَخَلَ كُلِّيًّا في وُضعِ الإِنسانِ وَصارَ الشَّفيعَ وَالوَسيطَ بَينَ اللهِ وَالبَشَر.

 

وَيَشعُرُ يَسوعُ الآنَ أَنَّ "ساعَتَهُ" قَدِ اقتَرَبَت، وَهِيَ السّاعَةُ الَّتي أَشارَ إِلَيها مِرارًا في إِنجيلِ يوحنّا (يوحنّا 2: 4؛ 12: 23). إِنَّها ساعَةُ الآلامِ وَالصَّليب، لٰكِنَّها، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، ساعَةُ المَجدِ أَيضًا، لأَنَّ المَسيحَ يُمَجَّدُ مِن خِلالِ الطّاعَةِ الكامِلَةِ وَبَذلِ الذّاتِ حُبًّا بِالعالَم. لِذٰلِكَ يَقولُ: "يا أَبَتِ، قَد أَتَتِ السّاعَة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ" (يوحنّا 17: 1). فَالمَجدُ هُنا لا يَعني مَجدًا أَرضِيًّا أَو سُلطانًا بَشَرِيًّا، بَلْ مَجدَ المَحبَّةِ المُتَجَلِّيَةِ في الصَّليبِ وَالقِيامَة.

 

وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "الصَّليبُ، في نَظَرِ العالَم، عارٌ وَهَزيمَة، أَمّا في نَظَرِ المَسيحِ فَهُوَ عَرشُ المَجدِ الَّذي يُظهِرُ فيهِ مَحبَّةَ الآبِ لِلعالَم" (PL 35: 1910-1912).  فَيَسوعُ يَطلُبُ مِنَ الآبِ أَنْ يُمَجِّدَهُ، أَي أَنْ يُظهِرَ مَجدَهُ الإِلٰهيَّ مِن خِلالِ الصَّليبِ وَالقِيامَةِ وَالصُّعود، لِكَي يُمَجِّدَ هُوَ أَيضًا الآبَ بِإِتمامِ الخَلاص.

 

وَيَظهَرُ مَجدُ المَسيحِ أَيضًا في سُلطانِهِ الخَلاصيِّ: "بِما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ عَلى جَميعِ البَشَر، لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ" (يوحنّا 17: 2). فَالمَسيحُ لَم يَأتِ لِيَطلُبَ مَجدًا لِنَفسِهِ، بَلْ لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِلمُؤمِنينَ. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، في فِكرِ يوحنّا، لَيسَت مُجرَّدَ خُلودٍ بَعدَ المَوت، بَلْ شَرِكَةٌ حَيَّةٌ مَعَ الله: "وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح" (يوحنّا 17: 3). فَالمَعرِفَةُ هُنا لا تَعني مَعرِفَةً عَقليَّةً فَقَط، بَلْ اِتِّحادًا وَشَرِكَةً وَمَحبَّة. وَيُؤَكِّدُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ "المَسيحَ يَطلُبُ المَجدَ لا لِنَفسِهِ فَقَط، بَلْ لِأَجلِ خَلاصِ البَشَر، لأَنَّ مَجدَ اللهِ يَظهَرُ في إِحياءِ الإِنسانِ وَإِعادَتِهِ إِلى الشَّرِكَةِ مَعَ الآب (PG 74: 500-504).

 

وَمِن هُنا، تَكشِفُ صَلاةُ يَسوعَ مِن أَجلِ ذاتِهِ أَنَّ الصَّليبَ لَيسَ نِهايَةً مَأسَوِيَّة، بَلْ بَدايَةُ التَّمجيدِ وَالخَلاص. فَالمَسيحُ يَعبُرُ مِن خِلالِ الآلامِ إِلى المَجد، لِيَفتَحَ أَمامَ المُؤمِنينَ طَريقَ الحَياةِ الأَبَدِيَّة. وَهٰكَذا تُصبِحُ صَلاتُهُ دَعوَةً لِكُلِّ مُؤمِنٍ أَنْ يَرى في الصَّليبِ مَجدَ المَحبَّةِ، وَأَنْ يَثِقَ أَنَّ الطّاعَةَ لِمَشيئَةِ اللهِ تَقودُ إِلى الحَياةِ وَالمَجد وذلك للغايات التالية:

 

أ) الغايةُ الأولى: تَمجيدُ الآب

 

"لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ" (يوحنّا 17: 1): طَلَبَ يَسوعُ مِن أَبيهِ السَّماويِّ أَنْ يُمَجِّدَه، لا عَن كِبرِياءٍ أَو سَعْيًا وَراءَ مَجدٍ شَخصيّ، بَلْ رَغبَةً في إِظهارِ مَجدِ الآب، كَما صَرَّحَ قائِلًا: "الَّذي يَتَكَلَّمُ مِن عِندِ نَفسِهِ يَطلُبُ المَجدَ لِنَفسِهِ، أَمَّا مَن يَطلُبُ المَجدَ لِلَّذي أَرسَلَه فَهُوَ صادِقٌ" (يوحنّا 7: 18)، وَأَيضًا: "أَنا لا أَطلُبُ مَجدي" (يوحنّا 8: 50). فَمَجدُ الآبِ لا يَنفَصِلُ عَن مَجدِ الِابن، لأَنَّهُما واحِدٌ في الجَوهرِ وَالمَحبَّةِ وَالعَمَل. وَهٰذا ما أَعلَنَهُ يَسوعُ عِندَ إِقامَةِ لعازر في بيت عنيا: "هٰذا المَرَضُ لا يَؤولُ إِلى المَوت، بَلْ إِلى مَجدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِهِ ابنُ الله" (يوحنّا 11: 4). وَيَتَساءَلُ أوغسطينوس: "كَيفَ مَجَّدَ الِابنُ الآب؟ فَمَجدُ الآبِ في ذاتِهِ لا يَزيدُ وَلا يَنقُص، لٰكِنَّهُ كانَ غَيرَ مَعروفٍ بَينَ الأُمَم. وَبِإِنجيلِ يَسوعَ المَسيحِ عَرَفَ العالَمُ الآبَ بِوَاسِطَةِ الِابن، وَهٰكَذا مَجَّدَ الِابنُ الآب" (عظات على إنجيل يوحنّا 104-105).  فَالآبُ مَجَّدَ الِابنَ بِالقِيامَة، وَالِابنُ يُمَجِّدُ الآبَ بِبِشارَةِ القِيامَةِ وَالخَلاص.

 

ب) الغايةُ الثّانية: تَمجيدُ الكَنيسَة

 

ابتَدَأَ يَسوعُ صَلاتَهُ مِن أَجلِ رُسُلِهِ وَكَنيسَتِهِ بِطَلَبِ تَمجيدِ نَفسِهِ، لأَنَّهُ أَساسُ الكَنيسَةِ وَرَأسُها، وَالكَنيسَةُ تَنالُ كُلَّ بَرَكَةٍ رُوحيَّةٍ بِاستِحقاقاتِهِ. فَغايَةُ طَلَبِهِ لِلتَّمجيدِ هِيَ تَمجيدُ كَنيسَتِهِ: "مَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبَتِ" (يوحنّا 17: 5). وَلٰكِنَّ هٰذا التَّمجيدَ لا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِن خِلالِ عُبورِ الصَّليبِ وَالأَلَمِ وَالمَوت. فَالمَسيحُ قَبِلَ الآلامَ طَوعًا، لأَنَّهُ رَأى في الصَّليبِ طَريقًا إِلى المَجدِ وَالحَياة. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "إِنَّ الآبَ مَجَّدَ الِابنَ حِينَ أَسلَمَهُ لِلآلامِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَم، وَإِن كانَ قَد مَجَّدَهُ في الآلام، فَكَم بِالحَرِيِّ في القِيامَة!" (عظات على إنجيل يوحنّا 104-105). فَمَجدُ المَسيحِ يَصيرُ مَجدَ الكَنيسَة، وَقِيامَتُهُ تَصيرُ عُربونَ حَياتِها.

 

ج) الغايةُ الثّالثة: مَنحُ الحَياةِ الأَبديَّة

 

يَطلُبُ يَسوعُ مِنَ الآبِ أَنْ يُمَجِّدَهُ مِن خِلالِ التَّجَسُّدِ وَالصَّليبِ وَالقِيامَةِ وَالصُّعود، لِكَي يَمنَحَ الحَياةَ الأَبديَّةَ لِلبَشَر: "لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لَه" (يوحنّا 17: 2). فَتَمجيدُ الِابنِ شَرطٌ لِخَلاصِ البَشَرِيَّة، لأَنَّ يَسوعَ نالَ مِنَ الآبِ سُلطانًا أَنْ يُحيِيَ مَن يَشاء: "كَما أَنَّ الآبَ يُقيمُ المَوتى وَيُحييهِم، فكَذٰلِكَ الِابنُ يُحيي مَن يَشاء" (يوحنّا 5: 21).

 

وَيُعلِنُ يَسوعُ أَنَّهُ "الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6)، فَهُوَ وَحدَهُ مَصدَرُ الحَياةِ الأَبديَّة. وَالمَجدُ الَّذي يَطلُبُهُ لَيسَ لِنَفسِهِ فَقَط، بَلْ "لأَجلِكُم"، كَما قالَ عِندَما جاءَ صَوتٌ مِنَ السَّماءِ: "قَد مَجَّدتُهُ وَسَأُمَجِّدُهُ أَيضًا" (يوحنّا 12: 28)، فَأَضافَ يَسوعُ: "لَم يَكُنْ هٰذا الصَّوتُ لأَجلي، بَلْ لأَجلِكُم" (يوحنّا 12: 30). فَمَجدُ المَسيحِ هُوَ مَجدُ المُؤمِنينَ، كَما يُؤَكِّدُ بولس الرسول: " إِذا شارَكناهُ في آلامِهِ، نُشارِكُهُ في مَجدِهِ أَيضًا" (رومة 8: 17).

 

وَتَكمُنُ الحَياةُ الأَبديَّةُ في "أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح" (يوحنّا 17: 3). هٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مَعرِفَةً عَقليَّةً مُجرَّدَة، بَلْ شَرِكَةُ حُبٍّ وَاتِّحادٍ مَعَ الله. وَبِدونِ المَسيحِ يَبقى الإِنسانُ في الظَّلام، كَما يَقولُ بولس الرسول: "كُنتُم مِن دونِ المَسيح... لَيسَ لَكُم رَجاءٌ وَلا إِلٰهٌ في هٰذا العالَم" (أفسس 2: 12). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَمنَحُنا هٰذِهِ الحَياةَ وَيُثَبِّتُنا فيها بِالمَعموديَّة.

 

د) الغايةُ الرّابعة: تَكليلُ مَشيئَةِ الآب

 

لا يَطلُبُ يَسوعُ التَّمجيدَ كَمُكافَأَةٍ شَخصيَّة، بَلْ كَتَتويجٍ لِلعَمَلِ الَّذي أَوكَلَهُ الآبُ إِلَيهِ: "إِنِّي قَد مَجَّدتُكَ في الأَرض، فَأَتمَمتُ العَمَلَ الَّذي وَكَّلتَ إِلَيَّ أَنْ أَعمَلَه" (يوحنّا 17: 4). فَكُلُّ حَياةِ يَسوعَ كانَت طاعَةً كامِلَةً لِمَشيئَةِ الآبِ وَإِعلانًا لِمَجدِهِ. وَهٰذا ما أَكَّدَهُ الصَّوتُ السَّماويُّ: "قَد مَجَّدتُهُ وَسَأُمَجِّدُهُ أَيضًا" (يوحنّا 12: 28).

 

هـ) الغايةُ الخامسة: العَودَةُ إِلى حِضنِ الآب

 

صَلّى يَسوعُ أَيضًا لِيَعودَ إِلى المَجدِ الَّذي كانَ لَهُ عِندَ الآبِ قَبلَ تَكوينِ العالَم: "مَجِّدْني الآنَ عِندَكَ يا أَبَتِ بِما كانَ لي مِنَ المَجدِ عِندَكَ قَبلَ أَنْ يَكونَ العالَم" (يوحنّا 17: 5). هٰذا المَجدُ هُوَ مَجدُ الِابنِ الأَزَليِّ، الَّذي أَخفاهُ بِالتَّجَسُّدِ، وَالآنَ يَعودُ إِلَيهِ بَعدَ إِتمامِ الفِداء. إِنَّهُ يَشتاقُ إِلى الرُّجوعِ إِلى "حِضنِ الآب" (يوحنّا 1: 18)، حَيثُ يَشرُقُ مَجدُهُ وَيُنيرُ البَشَرِيَّة.

 

وَكَما ورد في مُقَدِّمَةُ إِنجيلِ يوحنّا: "الكَلِمَةُ صارَ بَشَرًا فَسَكَنَ بَينَنا، فَرَأَينا مَجدَهُ، مَجدًا مِن لَدُنِ الآبِ لِابنٍ وَحيد، مِلؤُهُ النِّعمَةُ وَالحَقّ" (يوحنّا 1: 14). وَكانَ طَريقُ الرُّجوعِ إِلى الآبِ هُوَ الصَّليب، لِذٰلِكَ صارَ الصَّليبُ طَريقَ المَجد. وَقَد شَهِدَ اسطفان لِهٰذا المَجدِ عِندَ استِشهادِهِ قائِلًا: "إِنِّي أَرى السَّمواتِ مُتَفَتِّحَة، وَابنَ الإِنسانِ قائِمًا عَن يَمينِ الله" (أعمال الرُّسُل 7: 56).

 

2) صَلاةُ يَسوعَ مِن أَجلِ التَّلاميذ (يوحنّا 17: 6-11)

 

بَعدَ أَنْ صَلّى يَسوعُ مِن أَجلِ ذاتِهِ، لا عَن حاجَةٍ شَخصيَّة، بَلْ كَإِعلانٍ لِلشَّرِكَةِ القائِمَةِ بَينَهُ وَبَينَ الآبِ وَالمَجدِ المُتَبادَلِ بَينَهُما، يَنتَقِلُ الآنَ لِيُصَلّي مِن أَجلِ تَلاميذِهِ، الَّذينَ سَيَحمِلونَ بَعدَهُ بِشارَةَ الإِنجيلِ إِلى العالَم. وَقَبلَ أَنْ يَرفَعَ صَلاتَهُ مِن أَجلِهِم، يَصِفُ العَمَلَ الَّذي أَنجَزَهُ مَعَهُم: "أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم" (يوحنّا 17: 6). فَقَد أَعلَنَ لَهُم أَنَّ اللهَ هُوَ "الآب"، وَأَنَّهُ هُوَ الِابنُ الوَحيدُ الَّذي صارَ بَشَرًا لِيُظهِرَ وَجهَ الآبِ وَمَحبَّتَهُ.

 

وَقَد عَرَفَ التَّلاميذُ كَلامَ اللهِ وَقَبِلوهُ مِن خِلالِ تَعاليمِ يَسوعَ وَأَعمالِهِ وَحَياتِهِ. "وَقَد حَفِظوا كَلِمَتَكَ" (يوحنّا 17: 6)، أَي أَنَّهُم صانوا كَلامَ اللهِ في قُلوبِهِم وَعاشوا بِهِ، كَما يَقولُ صاحِبُ المَزامير: "طوبى لِلَّذينَ يَحفَظونَ شَهاداتِهِ، وَبِكُلِّ قُلوبِهِم يَلتَمِسونَه" (مزمور 119: 2). فَالتَّلاميذُ هُم عَطيَّةُ الآبِ لِلِابن، وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُحَرِّكُ قُلوبَهُم لِيَستَجيبوا لِدَعوَةِ يَسوع. وَقَد صَلّى المَسيحُ مِن أَجلِهِم لأَنَّهُم عَلَى وَشَكِ أَنْ يَبدَأوا رِسالَتَهُم التَّبشيريَّة، وَهُم بِحاجَةٍ إِلى النِّعمَةِ وَالقُوَّةِ وَالثَّبات.

 

أ) حِفظُ التَّلاميذِ في الإِيمانِ وَالنِّعمَة

 

كانَ عَلَى المَسيحِ أَنْ يَذهَبَ إِلى الآب، أَمَّا التَّلاميذُ فَعَلَيهِم أَنْ يَبقَوا في العالَمِ لِيُواصِلوا الرِّسالَة: "كَما أَرسَلتَني إِلى العالَم، فَكَذٰلِكَ أَنا أَرسَلتُهُم إِلى العالَم" (يوحنّا 17: 18). لِذٰلِكَ صَلّى يَسوعُ مِن أَجلِهِم قائِلًا: "لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم، وَأَمَّا هُم فَلا يَزالونَ في العالَم، وَأَنا ذاهِبٌ إِلَيكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس، اِحفَظهُم بِاسمِكَ" (يوحنّا 17: 11). فَيَسوعُ لَم يَطلُبْ لَهُم غِنًى أَو مَجدًا أَرضِيًّا، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَحفَظَهُمُ الآبُ في الإِيمانِ وَالنِّعمَة، وَأَنْ يُثَبِّتَهُم وَسطَ تَجارِبِ العالَمِ وَشُرورِهِ.

 

فَقَد كانَ يَعرِفُ أَنَّ العالَمَ سَيُواجِهُهُم بِالإِغراءاتِ وَالاِضطِهادات. فَهُناكَ "شَهوَةُ الجَسَد، وَشَهوَةُ العَين، وَكِبرياءُ الغِنى" (1 يوحنّا 2: 16)، وَهُناكَ "سَيِّدُ هٰذا العالَم" (يوحنّا 12: 31) الَّذي يُحاوِلُ أَنْ يُبعِدَ الإِنسانَ عَنِ الله. لِذٰلِكَ يَحتاجُ التِّلميذُ أَنْ يَفسَحَ المَجالَ لِعَمَلِ اللهِ في داخِلِهِ، لأَنَّ المَجدَ الحَقيقيَّ لَيسَ في السُّلطانِ أَو الشُّهرَة، بَلْ في الخِدمَةِ وَبَذلِ الذّاتِ عَلى مِثالِ المَسيح.

 

وَلَم يُصَلِّ يَسوعُ كَي يَأخُذَ تَلاميذَهُ مِنَ العالَمِ بِمَوتٍ سَريعٍ، بَلْ كَي يَحفَظَهُم مِن فَسادِ العالَمِ: "لا أَسأَلُكَ أَنْ تُخرِجَهُم مِنَ العالَم، بَلْ أَنْ تَحفَظَهُم مِنَ الشِّرِّير" (يوحنّا 17: 15). فَالِاختِبارُ المَسيحيُّ لا يَعني الهُروبَ مِنَ العالَم، بَلْ الحَياةَ فيهِ بِقُوَّةِ النِّعمَةِ وَالاِنتِصارِ عَلى الشَّرّ. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "اِحفَظهُم مِنَ الشِّرِّير، أَي مِنَ الشَّرِّ الأَخلاقيِّ وَضَعفِ القَلب".  

 

إِنَّ يَسوعَ لا يُريدُ لِتَلاميذِهِ أَنْ يَنعَزِلوا عَنِ العالَم، بَلْ أَنْ يَندَمِجوا فيهِ لِيَكونوا نورًا وَمِلحًا وَخَميرَةً تُغَيِّرُهُ مِنَ الدّاخِل. فَهُم مَدعُوّونَ أَنْ يَعيشوا وَسطَ النّاسِ شُهودًا لِلحَياةِ الأَبديَّة، وَأَنْ يُكرَّسوا بِالحَقِّ: "كَرِّسهُم بِالحَقّ، إِنَّ كَلِمَتَكَ حَقّ"(يوحنّا 17: 17). وَهٰذا التَّكريسُ لا يَعني الاِنفِصالَ عَنِ البَشَر، بَلْ التَّفَرُّغَ الكامِلَ لِرِسالَةِ الله. فَهُم يَعيشونَ في العالَمِ، لٰكِنَّهُم لَيسوا "مِنَ العالَم".

 

وَقَد أَكَّدَ المجمع الفاتيكاني الثاني هٰذِهِ الحَقيقَةَ في المَرسومِ الخاصِّ بِحَياةِ الكَهَنَةِ وَخِدمَتِهِم، قائِلًا: "إِنَّ كَهَنَةَ العَهدِ الجَديدِ أَصبَحوا بِدَعوَتِهِم وَسِيَامَتِهِم مُفرَزينَ وَسْطَ شَعبِ الله، لا لِيَكونوا في عُزلَةٍ عَنه، بَلْ لِيَكونوا مُكَرَّسينَ كُلِّيًّا لِلعَمَلِ الَّذي يَدعوهُم إِلَيهِ الرَّبّ" (المجمع الفاتيكاني في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية، 3.)

 

وَنَستَنتِجُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ يَسوعَ طَلَبَ في صَلاتِهِ سِتَّ بَرَكاتٍ لِتَلاميذِهِ: أَنْ يَحفَظَهُم أُمَناءَ في الإِيمانِ وَالنِّعمَة، وأَنْ يَنصُرَهُم عَلى الشَّرِّ وَالشِّرِّير، وأَنْ يُقَدِّسَهُم بِالحَقِّ، وأَنْ يَملأَهُم فَرَحًا، وأَنْ يُقَدِّرَهُم عَلى تَمجيدِ الآبِ وَالِابن، وَأَخيرًا أَنْ يَكونوا مَعَهُ في المَجدِ الأَبديّ.

 

ب) وَحدَةُ التَّلاميذِ في اللهِ وَفيما بَينَهُم

 

لَم يُصَلِّ يَسوعُ مِن أَجلِ حِفظِ تَلاميذِهِ مِنَ الشِّرِّيرِ فَحَسب، بَلْ صَلّى أَيضًا مِن أَجلِ وَحدَتِهِم. فَقَد كانَ مَوضوعُ الوَحدَةِ يَشغَلُ قَلبَهُ الإِلٰهيَّ، لِذٰلِكَ طَلَبَ مِنَ الآب: "لِيَكونوا واحِدًا كما نَحنُ واحِد" (يوحنّا 17: 11). فَيَسوعُ لا يَطلُبُ وَحدَةً خارِجيَّةً أَو اِجتِماعِيَّةً فَقَط، بَلْ وَحدَةً عَميقَةً مَصدَرُها اللهُ نَفسُه. فَكَما أَنَّ الآبَ في الِابنِ وَالِابنَ في الآب، وَهُما واحِدٌ في المَحبَّةِ وَالجَوهر، هٰكَذا يُريدُ يَسوعُ أَنْ يَعيشَ التَّلاميذُ في شَرِكَةِ المَحبَّةِ وَالوَحدَة.

 

إِنَّ وَحدَةَ التَّلاميذِ لَيسَت عَمَلًا بَشَرِيًّا مَحضًا، لأَنَّهُ "بِدونِي لا تَقدِرونَ أَنْ تَعمَلوا شَيئًا" (يوحنّا 15: 5). فَبِدونِ عَمَلِ الآبِ وَالِابنِ وَالرُّوحِ القُدُس، لا يَستَطيعُ المُؤمِنونَ أَنْ يَتَّحِدوا اتِّحادًا حَقيقيًّا. وَهُنا يَظهَرُ دَورُ الرُّوحِ القُدُسِ، لأَنَّهُ رُوحُ الآبِ وَرُوحُ الِابن، وَهُوَ "رُوحُ الوَحدَة". فَهُوَ الَّذي يَجمَعُ الكَنيسَةَ وَيُوَحِّدُ الأَعضاءَ المُختَلِفينَ في جَسَدٍ واحِد، كَما يُؤَكِّدُ بولس الرسول: " فَهُناكَ مَواهِبُ مُختَلِفَة، وَلٰكِنَّ الرُّوحَ واحِد" (1 قورنتس 12: 4). وَبِما أَنَّ اللهَ "مَحبَّة" (1 يوحنّا 4: 8)، فَإِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَسكُبُ هٰذِهِ المَحبَّةَ في قُلوبِ المُؤمِنين، فَيَتَّحِدونَ بَعضُهُم بِبَعض، وَيَتَّحِدونَ بِاللهِ نَفسِه.

 

لِذٰلِكَ يَدعو بولس الرَّسول المُؤمِنينَ قائِلًا: "مُجتَهِدينَ في المُحافَظَةِ عَلى وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام. فَهُناكَ جَسَدٌ واحِدٌ وَرُوحٌ واحِد" (أفسس 4: 3-4). فَوَحدَةُ الكَنيسَةِ لَيسَت تَنظيمًا إِدارِيًّا فَحَسب، بَلْ شَرِكَةٌ رُوحيَّةٌ في الرُّوحِ القُدُس، تَنبَعُ مِن وَحدَةِ الثّالوثِ الأَقدَس.

 

إِنَّ أَعظَمَ أُمنِيَّةٍ طَلَبَها يَسوعُ لِتَلاميذِهِ هِيَ أَنْ يَكونوا واحِدًا، لأَنَّ وَحدَتَهُم تُصبِحُ شَهادَةً حَيَّةً لِلعالَمِ عَن حَقيقَةِ مَحبَّةِ الله: "فَليَكونوا بِأَجمَعِهِم واحِدًا، كَما أَنَّكَ فِيَّ يا أَبَتِ وَأَنا فيكَ، فَليَكونوا هُم أَيضًا فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنّا 17: 21). فَوَحدَةُ المُؤمِنينَ هِيَ شَهادَةٌ إِرساليَّة، تُعلِنُ لِلعالَمِ أَنَّ المَسيحَ هُوَ المُرسَلُ مِنَ الآب.

 

وَالوَحدَةُ أَيضًا ضَروريَّةٌ لِكَي يَتَجَلّى حُبُّ اللهِ لِلبَشَرِيَّة، ذٰلِكَ الحُبُّ الَّذي أُظهِرَ بِبَذلِ الِابنِ الوَحيد: "إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يوحنّا 3: 16). وَغايَةُ هٰذِهِ الوَحدَةِ أَنْ يَصيرَ الجَميعُ واحِدًا في المَسيح، كَما يَقولُ بولس الرسول: "فَنَصِلَ بِأَجمَعِنا إِلى وَحدَةِ الإِيمانِ بِابنِ الله" (أفسس 4: 13).

 

إِلّا أَنَّ هٰذِهِ الوَحدَةَ تَتَعَرَّضُ لِلخَطَرِ بِسَبَبِ الاِنشِقاقاتِ وَالبِدَعِ وَالخِلافاتِ الَّتي تُفَرِّقُ بَينَ المُؤمِنينَ وَتُبعِدُهُم عَنِ الرَّبّ. لِذٰلِكَ يَدعو بولس الرسول أَهلَ قورنتس قائِلًا: "أَطلُبُ إِلَيكم... أَنْ لا يَكونَ بَينَكُم اِنشِقاق" (1 قورنتس 1: 10). فَوَحدَةُ الكَنيسَةِ تَقومُ عَلى الإِيمانِ الواحِدِ بِالمَسيح: "هُناكَ رَبٌّ واحِد، وَإِيمانٌ واحِد" (أفسس 4: 5).

 

إِنَّ الوَحدَةَ الَّتي يَطلُبُها المَسيحُ هِيَ أَوَّلًا وَحدَةُ التَّلاميذِ بَعضِهِم مَعَ بَعض، ثُمَّ وَحدَتُهُم مَعَ المَسيحِ وَالآبِ. هٰذِهِ الوَحدَةُ تُدخِلُهُم في مَجدِ اللهِ وَتَقودُهُم إِلى الاِمتِلاءِ مِن حَياتِهِ، كَما يَقولُ بولس الرَّسول: "فَتَمتَلِئوا بِكُلِّ ما في اللهِ مِن كَمال" (أفسس 3: 19).

 

وَنَستَنتِجُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ الوَحدَةَ المَسيحيَّةَ لَيسَت مُجرَّدَ عَلاقاتٍ اِجتِماعِيَّةٍ أَو تَوافُقٍ بَشَرِيّ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ الاِتِّحادِ بِالمَسيحِ وَالرُّوحِ القُدُس. فَوَحدَةُ التَّلاميذِ تَنبَعُ مِن اِنفِصالِهِم عَن رُوحِ العالَمِ، وَمِن اِنجِذابِهِم المُشتَرَكِ نَحوَ الآب. هٰذِهِ الوَحدَةُ لا تُبنَى إِلّا بِالصَّلاةِ وَالثَّباتِ في المَسيحِ وَالمَحبَّةِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي تُحَطِّمُ الحَواجِزَ بَينَ البَشَر.

 

لِذٰلِكَ صَلّى يَسوعُ إِلى الآبِ أَنْ يَحفَظَ تَلاميذَهُ في وَحدَةِ المَحبَّة، لأَنَّهُ أَظهَرَ لَهُم مَحبَّةَ الآبِ وَاسمَهُ، وَهُم آمَنوا بِهِ. وَمِن هُنا يَبقى السُّؤالُ لَنا اليَوم: هَل نُؤمِنُ حَقًّا أَنَّ المَسيحَ صَلّى مِن أَجلِنا؟ وَإِذا كانَ لا يَزالُ يُصَلّي وَيَشفَعُ فينا، فَلِماذا الخَوفُ مِنَ المُستَقبَل؟ وَلِماذا لا نَثِقُ بِمَحبَّتِهِ وَنَعيشُ في وَحدَةِ القَلبِ وَالإِيمان؟

 

 

الخُلاصَة

 

يُعَدُّ يوحنّا 17: 1–11 مِن أَغنى النُّصوصِ لاهوتيًّا وَلُغويًّا في العهدِ الجديد، لأَنَّهُ يَكشِفُ عَن لاهوتِ المَجدِ، وَالعَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالابن، وَمَفهومِ الحَياةِ الأَبديَّةِ وَالوَحدَةِ. وتَأتي صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة في خِتامِ خِطابِ الوَداعِ (يوحنّا 13–16)، وَتُشَكِّلُ ذِروَةَ الكَشفِ في إنجيل يوحنا لِسِرِّ المَسيح. فَبَعدَ أَنْ حَدَّثَ يَسوعُ تَلاميذَهُ عَنِ المَحبَّةِ وَالوَحدَةِ وَالرُّوحِ القُدُسِ وَالضِّيقِ الَّذي سَيُواجِهونَهُ، يَلتَفِتُ الآنَ إِلى الآبِ في صَلاةٍ تَكشِفُ مَجدَهُ وَطاعَتَهُ وَرِسالَتَهُ الخَلاصيَّة. وَقَد دَعَتِ الكَنيسَةُ هٰذِهِ الصَّلاةَ "الصَّلاةَ الكَهَنوتِيَّة"، لأَنَّ يَسوعَ يَظهَرُ فيها كَرَئيسِ الكَهَنَةِ الحَقيقيِّ الَّذي يُقَدِّمُ ذاتَهُ ذَبيحَةً عَن خَلاصِ العالَم، وَيَتشَفَّعُ مِن أَجلِ تَلاميذِهِ وَكَنيسَتِهِ.

 

وَفِي هٰذِهِ الصَّلاةِ نَرى عَلاقَةَ الِابنِ بِالآب، وَوَحدَتَهُما في الجَوهرِ وَالمَجدِ وَالمَحبَّة. فَيَسوعُ يَرفَعُ عَينَيهِ إِلى السَّماءِ وَيَقولُ: "يا أَبَتِ، قَد أَتَتِ السّاعَة" (يوحنّا 17: 1)، مُعلِنًا أَنَّ ساعَةَ الصَّليبِ لَيسَت هَزيمَة، بَلْ ساعَةُ التَّمجيد. فَالصَّليبُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، هُوَ عَرشُ المَحبَّةِ وَمَكانُ إِعلانِ مَجدِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "الصَّليبُ لَم يَكُن عارًا لِلمَسيح، بَلْ مَجدًا، لأَنَّهُ أَظهَرَ بِهِ مَحبَّةَ اللهِ لِلبَشَر".

 

قَدَّمَ يَسوعُ هٰذِهِ الصَّلاةَ قَبلَ أَنْ يُسَلِّمَ نَفسَهُ لِلمَوتِ ذَبيحَةً عَن خَطايانا، فَكَأَنَّ صَلاتَهُ تَختِمُ خِدمَتَهُ العَلَنيَّة، وَتَفتَحُ طَريقَ الآلامِ وَالفِصح. وَهٰذا أَمرٌ مُعَزٍّ لَنا نَحنُ المُؤمِنينَ اليَوم، لأَنَّ الرَّبَّ يَسوعَ لَم يُصَلِّ فَقَط مِن أَجلِ رُسُلِهِ، بَلْ مِن أَجلِ جَميعِ الَّذينَ سَيُؤمِنونَ بِهِ عَبرَ كَرازَتِهِم (يوحنّا 17: 20). فَهُوَ لا يَزالُ يَشفَعُ في كَنيسَتِهِ وَيَحمِلُها في قَلبِهِ أَمامَ الآب.

وَصَلاةُ يَسوعَ هِيَ صَلاةُ مَجدٍ: مَجدٍ لِلآب، وَمَجدٍ لِلِابن، وَمَجدٍ لِلإِنسانِ أَيضًا. فَعَمَلُ المَسيحِ الَّذي أَتمَّهُ هُوَ أَنْ يُعيدَ الإِنسانَ إِلى مَجدِهِ الأَوَّل، وَأَنْ يَفتَحَ لَهُ بابَ الحَياةِ الأَبديَّة. وَمَجدُ الِابنِ يَتَجَلّى في صَليبِهِ، لأَنَّ الصَّليبَ يَكشِفُ شَكلًا جَديدًا لِلمَحبَّة: مَحبَّةً غَيرَ مَشروطَة، وَمُضَحِّيَة، وَسَخيَّة، تَتَجاوَزُ كُلَّ إِدراكٍ بَشَرِيّ.

 

كَما أَنَّ صَلاةَ يَسوعَ تُعلِنُ مَجدَ الآبِ الَّذي "أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يوحنّا 3: 16). فَالحَياةُ الأَبديَّةُ لَيسَت مُجرَّدَ زَمَنٍ لا نِهايَةَ لَه، بَلْ هِيَ مَعرِفَةُ اللهِ الحَيَّ وَالدُّخولُ في شَرِكَةِ المَحبَّةِ مَعَهُ: "وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح" (يوحنّا 17: 3). هٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مَعرِفَةً ذِهنيَّةً فَقَط، بَلْ شَرِكَةُ حُبٍّ وَانتماءٍ وَاتِّحادٍ بِالله.

 

وَفِي نِهايَةِ هٰذِهِ الصَّلاةِ يَبقى صَوتُ يَسوعَ يَرنُّ في الكَنيسَةِ عَبرَ الأَجيال، دَعوَةً إِلى الإِيمانِ وَالوَحدَةِ وَالثَّباتِ في المَحبَّة. فَالمَسيحُ لَم يَترُكْ تَلاميذَهُ أَيتامًا، بَلْ أَودَعَهُم في قَلبِ الآبِ، وَمَنَحَهُم رُوحَهُ القُدُسَ، لِيَبقَوا واحِدًا فيهِ، وَيَشهَدوا لِلعالَمِ أَنَّ اللهَ مَحبَّة.

 

 

دُعاء

 

أَيُّها الآبُ السَّماويّ، يا مَن أَرسَلتَ ابنَكَ الوَحيدَ يَسوعَ المَسيحَ لِيُصَلّيَ مِن أَجلِنا، كَي تَحفَظَنا مِنَ الشِّرِّيرِ وَتُثَبِّتَنا في الوَحدَةِ وَالمَحبَّة، نَسأَلُكَ أَنْ تَسكُبَ في قُلوبِنا رُوحَكَ القُدُس، لِنَعمَلَ عَلى تَحقيقِ صَلاةِ الرَّبِّ يَسوعَ الأَخيرَة: "لِيَكونوا واحِدًا كما نَحنُ واحِد" (يوحنّا 17: 11).

 

 

قِصَّةٌ وَعِبرَةٌ مِن وَحيِ صَلاةِ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة (يوحنّا 17: 1-11)

 

يُروى أَنَّ كاهِنًا مُسنًّا كانَ يَعيشُ في دَيرٍ قَديمٍ، وَكانَ الرُّهْبانُ يَستَغرِبونَ أَنَّهُ كُلَّ مَساءٍ، قَبلَ أَنْ يَنامَ، يَدخُلُ الكَنيسَةَ وَيَجلِسُ أَمامَ المَذبَحِ صامِتًا طَويلًا.

وذاتَ لَيلَةٍ، سَأَلَهُ أَحدُ الرُّهبان: "يا أَبَتي، ماذا تَقولُ لِلرَّبِّ في هٰذِهِ الصَّلاةِ الطَّويلَة"؟

اِبتَسَمَ الكاهِنُ وَقال: "في الحَقيقَةِ، أَنا لا أَقولُ شَيئًا كَثيرًا… بَلْ أَستَمِعُ"

تَعَجَّبَ الرّاهِبُ وَسَأَلَهُ: " وَماذا يَقولُ لَكَ الرَّبّ؟"

فَرَدَّ الكاهِنُ وَعَيناهُ تَلمَعانِ بِالدُّموع: " يُطَمئِنُني أَنَّهُ لا يَزالُ يُصَلّي مِن أَجلي".

ثُمَّ فَتَحَ الكِتابَ المُقَدَّسَ وَقَرَأَ: "يا أَبَتِ القُدُّوس، اِحفَظهُم بِاسمِكَ… لِيَكونوا واحِدًا" (يوحنّا 17: 11).

وَقالَ: " كُلَّما تَعِبتُ أَو خِفتُ أَو شَعَرتُ بِالوَحدَة، أَتَذَكَّرُ أَنَّ يَسوعَ، قَبلَ آلامِهِ، لَم يَفكِّرْ في نَفسِهِ، بَلْ صَلّى مِن أَجلِ تَلاميذِهِ… وَمِن أَجلِنا نَحنُ أَيضًا. فَإِذا كانَ المَسيحُ نَفسُهُ يَحمِلُني في صَلاتِهِ، فَلِماذا أَخاف؟

 

العِبرَة

 

تُعَلِّمُنا صَلاةُ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّة أَنَّ المَسيحَ لا يَترُكُ أَولادَهُ وَحدَهُم في العالَم. فَقَبلَ أَنْ يَذهَبَ إِلى الصَّليب، رَفَعَنا في قَلبِهِ إِلى الآب، وَصَلّى مِن أَجلِ إِيمانِنا وَوَحدَتِنا وَثَباتِنا.

إِنَّ أَكبَرَ تَعزِيَةٍ لِلمُؤمِنِ أَنْ يَعرِفَ أَنَّ يَسوعَ لا يَزالُ يَشفَعُ فيهِ. وَأَنَّ الوَحدَةَ وَالمَحبَّةَ وَالثَّباتَ في اللهِ لَيسَت مُجرَّدَ جُهدٍ بَشَرِيّ، بَلْ ثَمَرَةُ صَلاةِ المَسيحِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ فينا.

فَعِندَما نُصَلّي مَعًا، وَنَغفِرُ لِبَعضِنا البَعض، وَنَعيشُ في المَحبَّة، نُحَقِّقُ صَلاةَ يَسوع: "لِيَكونوا واحِدًا كما نَحنُ واحِد".