موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الرابع عشر من الزّمن العادي (أ)
المقدّمة
مَن منّا لم يتمنَّ، ولا يزال يرغب، في وقتٍ للراحة، ومكانٍ للسكون والطمأنينة، والراحة من الهموم والمتاعب الحياتية التي ترافقنا، والتي غالبًا ما تُثقل كاهل حياتنا؟ مَن منّا لم يذق مرارة الشدائد والتعب، وثقل الحياة وأعبائها؟
يكشف كاتبا كلا العهدين جوهر الوعد الإلهي الآتي في الخلاص الملوكي وحمل نير يسوع. ونهدف، من خلال مقالنا هذا، إلى الكشف عن رسالة جديدة تحمل الطمأنينة وتبث السلام الباطني. فتأتينا كلمات النبي زكريا، في النص الأول من العهد القديم، حيث تمنحنا الآيات (9: 9-10) رؤيةً استباقية عن جوهر رسالة المسيّا المنتظر.
ويفاجئنا متّى الإنجيلي (11: 25-30) في العهد الجديد، إذ يكشف في هذا النص عن التوازي، بل عن إتمام نبوءة زكريا. وهذا النص قاصر على متّى الإنجيلي وحده بين كتّاب الأناجيل الأربعة، حيث يعلن الإنجيلي، على لسان يسوع، كلماته الذهبية، مستخدمًا صور عصره ليخاطب تلاميذه، ويخاطبنا نحن اليوم أيضًا، داعيًا إيّانا إلى اتخاذ قرار بالتوجّه إليه، ومعلنًا أسبابًا من دون أن يعطينا حلولًا لمتاعبنا. ولكن هناك وعدٌ خاصٌّ منه لمن يقرر أن يذهب إليه بإرادته، إذ يفاجئنا بكشف جديد عن ذاته وعنّا، كمؤمنين به أيضًا، من خلال سبل الراحة.
1. الملك المُخلِّص (زك 9: 9-10)
نقرأ في الرسالة النبوية التي يعلنها لنا النبي زكريا، وهو أحد الأنبياء الصغار. وكانت رسالته داعمةً لبني إسرائيل في وقتٍ حرج وضروري. وهنا تأتي رسالته التي تعلن الرجاء والخلاص، من خلال شخصيةٍ ملكية آتية في الطريق، أي في المستقبل القريب. فهذا الملك المنتظر، الذي يحمل الخلاص، هو محور تغيير مسار وواقع بني إسرائيل، الذين يطلق عليهم لفظا «بنت صهيون» و«بنت أورشليم». إذ تتحول حالتهم من الإنهاك والتعب إلى الابتهاج العظيم والهتاف، بسبب الراحة التامة، فيعلن: «اِبتَهِجي جِدّاً يا بِنتَ صِهْيون، وإهتِفي يا بنتَ أُورَشَليم. هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ بارّاً مُخَلِّصاً وَضيعاً راكِباً على حمارٍ وعلى جَحشٍ ابنِ أتان. وأَستَأصِلُ الـمَركَبَةَ مِن أَفْرائيم والخَيلَ مِن أُورَشليم، وتُستأصَلُ قَوسُ القِتال، ويُكَلِّمُ الأُمَمَ بِالسَّلام، ويَكونُ سُلْطانُه مِن البَحرِ إِلى البَحْر، ومِنَ النَّهرِ إِلى أَقاصي الأَرْض» (زك 9: 9-10).
هذا الملك المسياني المنتظر هو الذي يحقق السلام والراحة لشعبه. وفي الوقت ذاته، يصفه النبي بالكثير من الألقاب التي تشير إلى رسالته، فهو «الآتي لشعبه»، و«المخلِّص»، و«الوديع»، واللفظ الأخير يشير إلى تواضعه الأصيل. واللقب الآخر هو «المستأصل» لكل أدوات الحرب، كقوس القتال والمركبات والخيل، وهو بذاته «الذي يتكلم بالسلام». وكل هذه الألقاب التي يستخدمها النبي زكريا تشير إلى أن الملك الآتي هو الذي سيضع كلمته الأخيرة، معلنًا السلام بدلًا من الحرب، والطمأنينة بدلًا من التعب، والتواضع بدلًا من الكبرياء. أي إنه سيغيّر الموازين تغييرًا جذريًا، سواء على الصعيد الخارجي بين بني إسرائيل والشعوب الأخرى، أم في داخل الإنسان ذاته، كعملٍ باطني يمنح الهدوء والراحة بفضل حضوره في حياة الشعب. وبناءً على كلمات هذه النبوءة، يكشف يسوع إتمامها، كما سنرى، إذ سيعلن، بحسب متّى، هوية هذا الملك الذي يكشف عن حضوره في التاريخ البشري، ويأتي حاملًا وعدًا جديدًا لكل من يُصغي إليه.
2. البركة: وقت الأزمة (مت 11: 25-27)
يروي متّى الإنجيلي أن يسوع، بعد إتمامه الكثير من المعجزات في الخطبة الثانية (راجع مت 8-10)، يكشف أن هناك أزمة تدور حول هوية يسوع، لدرجة أن المعمدان لم يفهم حقيقة هويته وهو في السجن، لذا أرسل بعضًا من تلاميذه إلى يسوع متسائلًا: «هل أنت هو الذي ننتظره، أم علينا أن ننتظر آخر؟» (راجع مت 11: 1-10). وتأتينا إجابة يسوع، ليست مدعمة بالكلمات فقط، بل مشيرة أيضًا إلى أفعاله التي أتمها في المعجزات العشر. ثم ينوّه الإنجيلي برد فعل يسوع في وقت الأزمة بالتحديد، مشيرًا بتعبيره: «في ذلك الوقت تكلَّم يسوع» (مت 11: 25). هنا يسوع، وهو كلمة الآب، في وقت مواجهته للأزمة، ماذا يفعل في هذه اللحظة بالتحديد، حينما لا يجد من يفهمه، حتى أقرب المقربين إليه، كالمعمدان؟ يقرر يسوع أن يتكلم. مع من؟ وماذا يقول؟
نسمع يسوع، الابن الإلهي، يلجأ إلى الله الآب، قائلًا: «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. نَعَم يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك. قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه» (مت 11: 25-27). وللتغلب على أثقالنا ومتاعبنا، نحن مدعوون إلى الحوار مع الله أبينا، من دون أن نشك البتة في حبه. فكلما كان هناك مجال للشك وعدم اليقين، مررنا بأزمة وشعرنا بالضياع. إن التظاهر بفهم الآخرين والله يمنحنا وهم امتلاك الحياة وامتلاك الآخرين، ومع الأسف قد يصل إلى امتلاك الله أيضًا. وهذا هو افتراض أولئك الذين يدعوهم يسوع «حكماء» و«علماء»، فهم أولئك الذين لا يوجد لديهم أبدًا مكان لله. وهؤلاء الحكماء والعلماء، بحسب تعبير يسوع، هم في الحقيقة فقراء بسبب جهلهم، لأنهم لا يختبرون أبدًا مجانية الله وسخاءه. يسمح الله بأن يُحسّ به، ويسمح لنا برؤية آثار وجوده، لكننا لا، ولن، نتمكن من امتلاكه أبدًا. أما المتواضعون، فيعرفون كيف ينتظرون رب الحياة، فهم يدركون أنهم لا يملكون شيئًا، فكل شيء يُمنح لهم من الرب، ولمن يختار الابن أن يكشفه له. وفي صمت القلب، وأمام تحديات عصرنا وأزماته، ليس لنا سوى الله الآب لنتحاور معه من قلب أزماتنا، فهناك تفتح البركة والنعمة الإلهية أمام قلوبنا وعيوننا مسارات جديدة، ويكفينا أننا لسنا بمفردنا، بل أبناء يمكننا أن نلجأ إلى أبينا في كل الأوقات وفي جميع الأوضاع.
3. سُبل الراحة (مت 11: 28-30)
يبدع متّى بإضافة بعض الكلمات التي لا نجدها في مصادر إنجيلية أخرى، حينما يضع على لسان يسوع دعوةً لي ولك، لها نبرة الوعد الإلهي، قائلًا: «تَعالَوا إِليَّ جَميعًا أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي، فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف» (مت 11: 28-30). هذا هو الابن الحقيقي؛ ففي وقت الأزمات يجد الطريق الجديد، ليرى بعين الآب طريقًا جديدًا يفتح على خطة الله. وإذا تساءلنا: ما هو السبيل، أو ما هي السبل التي يشير إليها يسوع للوصول إلى هذا المكان من الراحة، حيث يمكننا أن نذهب بكل ما فينا من تعبٍ وأعباءٍ تُثقل كاهلنا؟ أولًا، يُقدّم يسوع ذاته سبيلًا، من خلال أسلوب حياته ومنهجه. ولوصف هذا المسار، الذي هو جوهر حياته، يستخدم يسوع مصطلحين أساسيين، هما: «الوداعة» و«التواضع». وهناك سبيلٌ مزدوج يمكننا أن نواجه به أزماتنا، بعد الحمد والتسبيح لله الآب.
أولًا: السبيل الأول لنيل الراحة هو طريق الوداعة. هذا الطريق سبق وصفه في حياة الملك الذي وعد به النبي زكريا، كما نوّهنا أعلاه. ذلك الملك الموعود، سببٌ للفرح، سيزيل كل أشكال الإساءة والعنف والفساد، ويقرر اختيار طريق مختلف، وهو طريق الوداعة. إنه طريقٌ صعبٌ علينا، ولكنه الطريق الثمين في نظر الله (راجع 1 بط 3: 4). ومدعوون، لكي ننعم بالراحة من عناء حياتنا، إلى أن نسلك طريق الوداعة، لا طريق الإساءة والعنف. هذا ما عاشه وعلّمنا إياه يسوع الوديع في حياته، ولا سيما أثناء أزماته، وخاصة أزمة الصليب التي هي مصدر قيامته.
ثانيًا: أما السبيل الثاني الذي يُرينا إياه يسوع لنيل الراحة، فهو الدخول في مدرسة التواضع. فنجد هذا النهج أيضًا في وجه الملك المنتظر الذي بشّر به زكريا. فالمتواضعون هم «الصغار»، أولئك الذين يعارضون الأقوياء. فالمتواضع ليس هو مَن يعتمد على القوة، بل مَن يضع ذاته في مواجهة مصاعب الحياة. ويؤكد يسوع أنه، في هذا التخلي عن القوة تحديدًا، نجد الراحة. غالبًا ما نفكر عكس ذلك، فنسلّح أنفسنا قدر المستطاع، لكننا نختبر أن قلوبنا لا تجد الطمأنينة في هذا «التنافس». وبالنسبة إلى يسوع، فإن التخلي عن القوة هو سبيل الراحة.
يتلخص السبيل المزدوج الذي يشير إليه يسوع، لننعم بالطمأنينة في حياتنا، في فضيلتي الوداعة والتواضع. كلمات صعبة، لكنها غير مستحيلة. ومع ذلك، يأتي تعبير يسوع الخاص بقوله: «نيري لطيف، وحملي خفيف».
في زمن يسوع، كان الحكماء والفهماء يعطون تفسيرات سهلة وجاهزة، لكنها كانت بمثابة نيرٍ ثقيل، لأنها تُرهق مَن يتبعها. علينا أن ننتبه بشدة، فقد تكون اختياراتنا نيرًا نُلبسه حول أعناقنا، فنصبح كالثيران التي فقدت حريتها. ونُجبر على الانصياع التام للقواعد، وندع أنفسنا نُقاد بالنير الذي حملناه.
وفي فكر الربانيين في العهد القديم، كان النير رمزًا للشريعة، فكان يُسمح بوضع نيرٍ على ثورين ليحرثا في مسارٍ منتظم، وكذلك كانت الشريعة تمنع من الانحراف عن المسار الذي رسمه الله لنا. يقلب يسوع هذا الاعتقاد رأسًا على عقب، ويقدم نيره الخفيف. فيستبدل يسوع التفسير بالعلاقة. فبدلًا من محاولة إيجاد تفسيرات لأنفسنا، يدعونا إلى إعطاء معنى لحياتنا بالدخول في علاقةٍ ذات معنى معه. وهناك نستطيع أن نبحث عن معنى الأشياء، وكلمات الآخرين، وحتى معنى التجارب التي تُثقلنا. وفي العلاقة مع يسوع نكتشف المسار الذي نسلكه. نحن مدعوون إلى أن نحيا حياتنا الروحية بتوطيد العلاقة مع يسوع، لا بالبحث عن تفسير كل شيء. ومدعوون أيضًا إلى التخلي عن التظاهر بالحكمة. أما إذا تحلّينا بنعمة التواضع، فإننا سنعيش بحملٍ هيّن، كأولئك الذين يشعرون بأنهم مؤتمنون على أمرٍ ما من قِبل الرب. فلنقبل اليوم دعوة يسوع، ولنذهب إليه لننال الراحة التي نفتقدها، ولنتعلم منه سُبل الوداعة والتواضع.
تأتينا رسالة يسوع اليوم، إذ لا يعلن أن كل مَن يتوجه إليه، وكل مَن يتبعه، سيجد حلًا لجميع مشاكله، وسيعيش حياة هانئة سعيدة. لكنه يعدنا بأننا، إذا كنا قد قررنا تبعيته، سنجد ملاذًا ومساحةً للراحة لمواجهة متاعب حياتنا التي لا مفر منها. لم يعدنا يسوع بحياةٍ بلا هموم، بل يفتح أمامنا سبلًا جديدة لمواجهة أتعابنا وأثقالنا، وأن نفكر بمنطقٍ جديد نحيا به، وأن ننظر إلى واقعنا الحياتي بمنظورٍ جديد، بحسب وعده.
الخلاصة
بحثنا في مقالنا هذا عن الإجابة على عدة تساؤلات تحرمنا من التمتع بالخلاص الملكي الذي كشف لنا عنه النبي زكريا (9: 9-10)، حيث ينال الشعب الابتهاج والتهليل بفضل الملك الآتي. وبالتوازي مع النص الذي ينفرد به متّى الإنجيلي (11: 25-30)، نجد أنه يجيب عن العديد من التساؤلات، مثل: كيف تؤثر دعوة يسوع اليوم علينا نحن المؤمنين المتعبين والمثقلين بالأعباء؟ ألا تتزايد أعباؤنا بشكل غير متناسب؟ وإلى أي مدى نشعر حقًا أن نير الرب عذب، وأن أعباء حياتنا اليومية خفيفة؟
نحن مدعوون إلى أن نختبر حقيقة نير الرب إذا ما احتضناه بالإيمان، وبالعلاقة معه، وقبول وعده كمحرر من أزماتنا. ومع ذلك، لا يتم كل هذا بشكل تلقائي، إذ قد يفترض توترًا في الحياة الروحية، وثقة راسخة بالعناية الإلهية، وأملًا قائمًا على وعد يسوع وحضوره الذي يشير إلى مسار حياة صحي. فقد قدّم الكاتبان معًا سبلًا لراحتنا، أهمها الثقة بالرب، وإعطاء الأولوية والاهتمام للحوار مع الآب وبركته، مع الانفصال المؤقت عن أزمات الحياة اليومية، والتشبّه بيسوع الوديع والمتواضع الذي لا يزال يدعونا لنذهب إليه.
لهذا السبب، نجدد دعوتكم للسعي إلى إتقان عملنا بروح التمييز. ولا بد أن يرافق وقت العمل وقتٌ آخر للصلاة. بهذه الطريقة، نساعد بعضنا على إدراك نعمة الراحة والسلام التي وعد بها يسوع لمن يأتي إليه بحرية ويتأمل في تواضعه وعنايته.
حينما يبدو لنا كبشر أن نير المسيح ثقيل للغاية ومُرهِق جدًا، علينا أن نتحلّى بالصبر، بل أن نجدد في تلك اللحظة روح الفرح ومباركة الرب، كما فعل يسوع الابن الإلهي. ولا ننسى أن رسالتنا هي قبول دعوة الرب الذي يلهمنا لنرافق الآخرين نحو مساراته الجديدة، ولنساعد في رسم الطريق للأجيال القادمة. دُمتم في حمل نير الرب العذب.