موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

سورة الغَضَب

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
جيوفري بينغهام - ترجمة وقراءة لاهوتية: رمزي ناري

جيوفري بينغهام - ترجمة وقراءة لاهوتية: رمزي ناري

 

ثمّة غضبٌ يسكن الأعماق، يغلي صامتًا، فورانَ السخط المتعالي، وصيحةَ الاستنكار المنبعثة من روحٍ مجروحة.

فضيحةُ الله كما يتصوّرها الإنسان، التي تستنهض غضب الشريف، وسخط النبيل على الأزلي.

 

أخرجوا السجلاّت، ارفعوا الصحائف، وازنوا الأمور بموازين الإنسان البار.

نظرته حادّة، وروحه فاحصة، وقد زعم أنّه كشف الفضيحة: إلهًا متراخيًا، إلهَ لامبالاة، لا يكترث، بينما الإنسان، المنهمك بالحرص، لا يهدأ.

 

هكذا يمضي النشيد. وهكذا يمضي الخداع، والنفاق المتعالي، والمكر العميق الكامن في روح الإنسان، تمرّدًا على كل سلطان.

 

دعوا الأرقام ترتفع، ودعوا المعاذير تتكاثر، لتبرئة الإنسان من عصيانه غير المقدّس.

 

ما أعظم الله، حتى يجرؤ إنسان يغلي بالظلم، واثقًا بالشر، متسامِيًا في عيني نفسه، أن يقيم دعواه على الأزلي!

فتّشوا إن شئتم، واكتشفوا: أيّ شرٍّ فعله الله ولم يصنعه الإنسان، والشياطين، والإنسان حين يعقد حلفه مع الشياطين؟

 

روحٌ بلا كابح تزعم العدل، وتنطق باسم القضاء، وتجري جامحة في شرايين البشر. الإنسان الجائر، الأناني، القاسي، النهم.

هذا هو الذي يُدين، ويعتلي منابر الكبرياء، مُصدرًا أحكامه، معلنًا حكمه القويم، ليُخلّص به الإنسان العابد لذاته.

 

عالٍ هو النزوع الإنساني، لكن أعلى منه غطرسة القاضي، حين يصير الإنسان مقياس كلّ شيء. هو يعلم يزعم أنّه يعلم الخير والشر، والحق والباطل، وكيف ينبغي للألوهة أن تعمل، وأيّ طريق يجب أن تسلك، وأيّ نظام ينبغي أن يكون.

 

ارفَعوا كرامة الإنسان، وقدّسوا قدرته، واندهشوا من حكمته، ولا تعيبوا حكمه. أكرموا الإنسان وهو يُحاكم الله. ليكن الله في قفص الاتهام، ولتقف الملائكة صامتة في حضرة البشر!

 

غير أنّه، في قاع الروح، في أحشاء الكيان، تغلي نقمة لا تخمد.

قايين، الأب الأول، قد أصدر حكمه: أن هابيل لا بدّ أن يهلك باسم العدالة.

وأنبياء الله عليهم أن يصمتوا، وأن يكفّوا عن دفاعهم الأحمق عن الأزلي.

 

ارفعوا كأس غضب الإنسان المتأجّج، وتأمّلوا نُبله المزعوم، واندهشوا!

غير أنّ الفوضى المرعبة تفور في الأحشاء. العقل الساكن للإنسان الحق يتوارى، ويُسلّم المقام لاضطرابٍ لا يهدأ. ينحرف المخلوق، ويصارع خالقه كراهيةً.

 

حقٌّ أنّ الإنسان يرى الشرّ ولا يكفّ عن النواح: أطفالًا مشوَّهين، وعقلًا يبتكر العذاب، وأدواتٍ للألم، وأقوامًا جمعوا الثروة وازدروا الإنسان، فلم يبصروا إلا لمعان الذهب، ولهْو اللحظة، وسُكْر اللذّة. غير أنّ هذا كلّه وجه الإنسان، لا وجه الله.

 

فتطلّعوا إلى الجسد المعلّق بين السماء والأرض. هناك يتجلّى إنسان السلام، وهناك يُكشف إنسان الوجع. هناك حُمِلَت الحروب، وانسكبت المعارك، ومُرِّرت المرارات، وانكشفت التشوّهات.

 

هناك يقف في صراعٍ مع نسل الجحيم، شياطين وبشرًا، لا بسيفٍ، بل بجراحه.

وهناك يمدّ يده إلى موضع الغليان، إلى حيث يفور غضب الإنسان المدمّر.

فانظروا، واهدأوا. ما من وجع لم يمسّه، ولا حرب لم يعبرها، ولا صرخة مكتومة، ولا انتهاك خفي، ولا كلمة كسرت روحًا إلا وقد عرفها. رآها كلّها، وحملها كلّها، وصارها كلّها.

 

ما من ساعة في ليل الإنسان إلا وقد سكنها. فانظروا، واعرفوا، واصمتوا: إنّ الله محبّة.

 

 

قراءة لاهوتية بنبرة أكاديمية

 

الغضب بوصفه احتجاجًا روحيًا لا أخلاقيًا

 

تتناول قصيدة «سورة الغضب» مسألة الشرّ لا بوصفها لغزًا ميتافيزيقيًا مجرّدًا، بل بوصفها تجربة روحية تولّد في الإنسان حالة من الاحتجاج المتراكم. الغضب الذي تصوّره القصيدة ليس انفعالًا عابرًا، بل موقفًا داخليًا يتشكّل حين يتحوّل الألم إلى يقين، وحيت يتبدّل السؤال المفتوح إلى حكم نهائي على الله.

 

 

من العداله إلى التألّه: حين يصير الإنسان قاضيًا للأزلي

 

حين تُستدعى «السجلّات» و«الإحصاءات»، ينتقل النص من الألم إلى التقنين. السرّ يُحوّل إلى ملف، والعدالة إلى أرقام، والله إلى متّهم.

 

الفضيحة في منطق القصيدة، ليست وجود الشرّ في العالم، بل تصوّر الإنسان لإله يبدو غير مبالٍ. ومن هذا التصوّر تنشأ حركة خطيرة: الانتقال من انتظار الله إلى محاكمته. في هذا السياق، لا يكتفي الإنسان بالصراخ، بل يستدعي أدوات التقويم والحساب، كأن العدالة يمكن أن تُختزل في أرقام، وكأن الألم قابل للإدارة العقلانية البحتة.

 

تكشف القصيدة أن الخطر لا يكمن في السعي إلى العدل، بل في ادّعاء امتلاك معناه المطلق. حين يصبح الإنسان هو المعيار الأخير للخير والشرّ، يعيد إنتاج لحظة السقوط الأولى: معرفة الخير والشرّ بوصفهما سلطة لا مسؤولية. هنا يتحوّل الاحتجاج الأخلاقي إلى شكل من أشكال التألّه الخفي.

 

 

قايين حيٌّ في قلب الخطاب الأخلاقي

 

استدعاء شخصية قايين ليس عرضيًا، بل يحمل دلالة لاهوتية عميقة. فقايين لا يظهر في النص كمجرّد قاتل، بل كإنسان يرى نفسه مظلومًا. هذا النوع من الغضب – الغضب المبرّر أخلاقيًا في عين صاحبه – هو الأخطر، لأنه يمنح العنف لغة العدالة. حين يُلغى الله باسم الحق، يصبح قتل الأخ فعلًا مبرّرًا، بل واجبًا أخلاقيًا في منطق الفاعل.

 

 

سقوط العقل الساكن وصعود القلب المتّقد

 

تُبرز القصيدة كذلك مفارقة دقيقة: كلما تصاعد الغضب، انسحب العقل الساكن. ليس لأن الإنسان صار أكثر شرًّا، بل لأنه صار أكثر يقينًا. اليقين المطلق، في المنظور اللاهوتي، لا يولّد سلامًا، بل صراعًا دائمًا بين المخلوق وخالقه، صراعًا تغذّيه العجلة ورفض الانتظار.

 

 

الشرّ حقيقي، لكن فاعله ليس الله

 

ومع ذلك، لا تهرب القصيدة من مواجهة الشرّ الواقعي. فهي تُقرّ بفظاعته: تشويه الأطفال، صناعة التعذيب، عبادة المال، وسحق الكرامة الإنسانية. غير أنها ترفض أن تنسب هذا الخراب إلى الله. الشرّ، كما يقدّمه النص، هو نتاج تاريخ الإنسان وخياراته، لا تعبير عن طبيعة الإله.

 

 

الجسد المعلّق: جواب الله غير النظري

 

يأتي الجواب الإلهي لا على هيئة تفسير نظري، بل كحضور متجسّد. الجسد المعلّق بين السماء والأرض لا يشرح الألم، بل يحمله. وبهذا يتحوّل السؤال من «لماذا يسمح الله بالشرّ؟» إلى «كيف يحتمل الله الشرّ؟». هذا التحوّل يشكّل قلب اللاهوت الذي تقترحه القصيدة.

 

 

«صارها كلّها»: لاهوت التماهي

 

تؤكد الخاتمة أن الله لم يمرّ بالألم مرور العابر، بل أقام فيه. لا توجد ساعة في تاريخ الإنسان لم يسكنها هذا الحضور. لا يلغي ذلك الشرّ، لكنه يمنع أن يكون الكلمة الأخيرة. لذلك لا تنتهي القصيدة بحلّ عقلّي، بل بدعوة إلى الرؤية والمعرفة والصمت، حيث يسقط الاحتجاج، لا لأن السؤال أُجيب عنه، بل لأن العلاقة استعيدت.

 

 

الإعلان الأخير

 

في هذا الأفق، يصبح الإعلان الأخير - «إنّ الله محبّة» - ليس نتيجة جدل، بل ثمرة معاينة.

 

إنّ الله محبّة، ليست لأن الشرّ غير موجود، بل لأن الله لم يهرب منه.

 

 

جيوفري بينغهام Geoffrey Bingham هو كاهن وكاتب وشاعر أسترالي، ولد في 6 كانون الثاني 1919 في غولبرن في أستراليا، وتوفي في 3 حزيران 2009. له العديد من المؤلفات في اللاهوت وتفاسير الكتاب المقدّس والمشورة الكتابية والشعر والرواية والقصة القصيرة.  القصيدة المترجمة من كتابه «قلب غاضب أم عقل هادئ؟».

 

 

الترجمة والقراءة اللاهوتية: رمزي ناري