موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المحطة الأولى: كنتُ فلاحًا
لقد وُلدتُ في السادس عشر من شهر آب عام 1815، في قرية صغيرة ضائعة وسط الحقول الممتدة عبر تلال ’’المونفيراتو‘‘ الخلابة. أكواخٌ قليلةٌ، فقرٌ مدقعٌ، عملٌ شاقٌ. ربما كان منزلنا في ’’البكي‘‘ هو الأكثر فقراً. لقد عشت هنا لحظات أفراحٍ بسيطة ومتواضعة، ولكنها أيضًا كانت مليئةً بالعديد من الذكريات الجميلة.
إنَّها ذكريات فلاحٍ ابن فلاح. لم يكن والدي يمتلك قطعة أرض يمكنه وضع اسمه عليها. لقد عمل والديَّ دائمًا من أجل الآخرين. بمجرد أن أصبحت كاهنًا، تعرّفت على المباني الرائعة في تورينو وروما، وأصبحت ضيفًا على موائد أغنى وأنبل العائلات في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. لكنني أؤكد لكم: لقد كنت أشعر دائمًا بالحنين والحب والكثير من الامتنان للأماكن التي شهدت طفولتي. اختبرت العمل الشاق في الحقول؛ كانت الزراعة في تلك الأيام كلها بالأيدي وحدها. لقد كانت يدي خشنتين دائمًا، لأني كنت معتادًا على استخدام الفأس والرفش والمنجل...
ومن قرأ مخطوطاتي لاحظ أنني لم أألف القلم جيدًا، رغم أنني كتبت آلاف الرسائل وطبعت العديد من الكتب، لكن في نفس الوقت لم أكن لا أديبًا ولا كاتبًا.
أريد أن أروي لك حلقة من حياتي كي تعرفني جيدًا. لقد كان عمري قد تجاوز السبعين عامًا، وكان جسدي ضعيفًا وهزيلًا ومهترئًا. كنت عائدًا بالقطار من باريس. كان معي في المقصورة مساعدي الأيمن، الأب ميشيل روا، وسالزياني آخر. لقد كانت أيامًا صعبة ورائعة في نفس الوقت: زيارات، وجلسات استماع، وصعودًا ونزولًا على تلك السلالم الضخمة بساقي المسكينتين المتورمتين والمتعبتين؛ لقد دعوني للتحدث في أشهر كنائس العاصمة الفرنسية.
قلت: "هل تتذكر يا ميشو الطريق الذي يؤدي من ’’بوتيليرا‘‘ إلى ’’موريالدو‘‘؟ هناك على اليمين تلةٌ، وعلى التلة بيتٌ صغيرٌ. كان ذلك البيت الفقير مسكني ومسكن عائلتي. فوق تلك المروج حينما كنت صبيًا كنت آخذ بقرتين للمرعى. آه، لو علم أسياد باريس أنهم احتفلوا وبجلوا ورفعوا فلاحًا فقيرًا من البكي... " كنت فلاحًا فقيرًا، لم أنكر أبدًا أصلي المتواضع والبسيط.
لم يخِفني العمل أبدًا. إنَّها سمة، وهي نوع من القدر الذي تركته لأبنائي السالزيان. كنت أوصي: "مَن يريد أن يدخل الرهبنة السالزيانية، عليه أن يحب العمل. لا أحد يتوقع أن يظلَّ في الرهبنة مكتفًا كلتا يديه، أو واضعهما على خصره".
الزوادة: التواضع سمة الحكماء
كل قديسٍ له ما يميزه عن القديس الذي سبقه والذي سيليه. لكن هناك سمةٌ مشتركة لكل القديسين ألا وهي التواضع. "الشخص الأكثر شرفًا هو المتواضع. يتكبر الناس غالبًا بسبب شعورهم بالنقص". مَن كان له نصيب رؤية سنابل القمح قبل الحصاد يفهم هذا، فالسنبلة المستقيمة الشامخة عادة ما تكون فارغة، وعادة ما تجدها تترنح يمينًا وشمالًا مع كل نسمة هواء، أما السنبلة المليئة فتكون منحنية من عدد وكبر حجم حباتها. قال أحدهم: "إنَّ التكبر قمة الجهل، أما التواضع قمة العقل".
والدة الإله، سلطانة السماء والأرض، والبريئة من كل دنس قالت عن نفسها: "ها أنذا امة الرب". التواضع هو أول درجة في سلم السما.