موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قد تبدو مقطوعة انجيل أحد الأحبار والكهنة الراقدين، للوهلة الأولى، كإنذارٍ يزرع الخوف في القلوب، وكأنّ الإنجيل يقرع أبوابنا بيدٍ قاسية. غير أنّ يسوع لا يريد أن يُدخلنا في مناخ الرعب، بل في مدرسة الواقعية الروحية. إنّه لا يهدّد، بل يوقظ. لا يرهب، بل يحرّر.
فنحن كثيرًا ما نؤجّل التفكير في الموت، كأنّه حقيقة تخصّ الآخرين وليس نحن، أو كأنّه حادث بعيد لن يطرق بابنا. لكنّ الإنجيل يرفض أن يتركنا أسرى لهذه الحيل النفسية الدفاعية أو هذا الوهم اللطيف. هو يدعونا إلى أن ننظر إلى حياتنا كما هي: رحلة مقدّسة لها بداية، ولها أيضًا نهاية.
يقول القديس أغسطينوس: » وُلدنا مسافرين، لا مقيمين. السفينة ليست وطننا، بل الوسيلة التي تحملنا إلى الوطن«.
حين ندرك أنّنا مسافرون، تتغيّر نظرتنا إلى كلّ شيء. تسقط من أعيننا أثقال كثيرة كنّا نظنّها ضرورية: صراعات فارغة، كبرياء متضخّم، تشبّث مرضي بما يزول.
فكلّ ما نملكه في هذه الحياة من الصحّة، البيت، الذكاء، الأصدقاء، المواهب... ليس امتيازًا نفاخر به، بل أمانة نُسأل عنها. لسنا مالكين بل وكلاء. لسنا أصحاب خزائن بل خدّام تدبير.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: »إن لم تكن أموالنا ومواهبنا لخدمة الآخرين، فهي شهادة علينا لا لصالحنا.« الله لا يضع الحياة في أيدينا كمن يسلّم ممتلكاته لشخص غريب، بل كأب يضع طفله بين ذراعي خادم أمين، ويقول له: “احفظه، نمّه، ولا تدعه يضيع”. لأن المالك الحقيقي ليس “أنا”، بل “الله”.
أن أعيش حياتي كملكية خاصة يعني أن أُقنع نفسي، سرًّا، بأنّ الربّ لن يعود ليسأل، وأنّ الحساب لن يأتي. لكنّ الإيمان المسيحي يقول بهدوء حاسم: سيعود. لا كجلّاد، بل كأبٍ يسأل عن الثقة التي منحها، وعن البذار التي زرعها، وعن الوزنات التي أودعها في أيدينا الهشّة.
وهنا نفهم كلام الرب: » العبد الذي عرف إرادة سيّده ولم يستعدّ ولم يعمل بحسب إرادته يُجلد كثيرًا، وأمّا الذي لم يعرف وفعل ما يستوجب الجلد فيُجلد قليلاً. فكلّ من أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثير، ومن أُودع كثيرًا يُطالَب بأكثر» (لوقا 12: 47–48).
هذه الكلمات أيضاً ليست تهديدًا، بل إعلان كرامة. إنّها تقول لنا: أنت مهمّ إلى درجة أنّ الله يثق بك. والثقة الإلهية ليست امتيازًا مريحًا، بل دعوة ومسؤولية في آن.
واللافت أنّ يسوع يوجّه هذا الكلام إلى تلاميذه، وبخاصة إلى بطرس. بطرس الذي سيتعثّر، وينكر، ويبكي، ثم يقوم ويصير صخرة. كأنّ الرب يقول له: “أنا أعرف ضعفك، ومع ذلك أضع بين يديك مسؤوليّة عظيمة”.
يعلّق القديس غريغوريوس الكبير قائلاً: »الخدمة في الكنيسة ليست مقام شرف، بل موضع محاسبة أشدّ«
وهكذا، فالسهر الذي يطلبه الإنجيل ليس سهر القلق، بل سهر الحب. ليس ترقّب الكارثة، بل انتظار العريس. ليس خوف العبد، بل أمانة الابن.
أن نكون مستعدّين يعني:
- أن نعيش كلّ يوم كعطيّة.
- أن نستخدم ما لدينا لخير الآخرين.
- أن نحبّ كأنّ الزمن ثمين.
- وأن نخدم كمن يعرف أنّ الحياة وديعة، لا غنيمة.
حينها، إذا جاء الربّ في ساعة لا ننتظرها، لن نجد قلوبنا مغلقة، بل موقدة، وممتلئة بما صنعه الحبّ.