موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٣ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

حين تصطدم العادات بالإِنجيـل

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
بادري غييرمي Padre Guilherme، أو الملقب بالأب الـDJ، خلال حفلته في بيروت مؤخرًا

بادري غييرمي Padre Guilherme، أو الملقب بالأب الـDJ، خلال حفلته في بيروت مؤخرًا

 

في لبنان، حيث يُتقَن الجدل أكثر مما يُتقَن الإصغاء، انفجرت قضية الأب البرتغالي غييرمي – المعروف عالميًا بـ"الكاهن الـDJ " قبل أن تبدأ فعليًا. كاهن جال العالم حاملاً همّ جيلٍ غارق في ضجيج العصر، فاختار أن يقترب من الشباب بلغتهم: الموسيقى الإلكترونية، لا ليحوّل الصلاة إلى عرض، ولا الليتورجيا إلى حفلة، بل ليقول ببساطة: الله حاضر حيث أنتم، والكنيسة ليست بعيدة عن نبضكم.

 

وصول حفله في بيروت إلى مبيعات قياسية ليس تفصيلاً تسويقيًا، بل مؤشر اجتماعي وروحي: الشباب يأتون. وحين يأتي الشباب طوعًا إلى مساحة تحمل صدى ترنيمة، فهذا حدث رعوي يستحق التفكير، لا التحريم السريع. ومع ذلك، ارتفعت الاعتراضات إلى مستوى قضائي وشعبوي.

 

القضية أعمق من كونها موسيقى، فالأب غييرمي لم يُقم قداسًا في ملهى، ولم يمسّ الأسرار، ولم يبدّل جوهر العبادة. هو فقط اختار وسيلة تواصل مع جيل لا يسمع الخطب، لكنه يصغي إلى الإيقاع. وإن كان العالم يجرّ شبابنا نحو التفاهة والإدمان والفراغ، فلماذا نستنكر محاولة كاهن أن يجرّهم -ولو بخيط موسيقي- نحو المعنى؟

 

المفارقة أن كثيرين يصمتون أمام ظواهر أخطر: كالفساد، والتسلّط، خلط الدين بالمصالح، وتسييس المنابر، أو التستر على انات البيوت والطلاق والهجر وحالات الادمان والانتحار… لكن "الغيرة على الدين والقيم" تستيقظ فجأة أمام حفلة موسيقية.

 

الكنيسة ليست عدوة للإبداع والفن، المزامير صلوات مُرتلة قبل أن تكون نصوصًا مكتوبة. والليتورجيا في جوهرها نَفَس ونغمة ولحن. عبر التاريخ، لم تقدّس الكنيسة نمطًا فنيًا واحدًا، بل ميّزت بين الشكل والروح. الرسالة لا تتغيّر، لكن اللغة تتغيّر. والروح القدس يقدّس القلوب لا الأنماط الموسيقية، طالما أن الفن يقود الإنسان نحو الله.

 

الأب غييرمي لم يعمل في الظل. مسيرته نالت تشجيع وبركة البابا فرنسيس، ورسالة دعم من البابا لاوون الرابع عشر. ومصادر كنسية أكدت رضى الكرسي الرسولي عن رسالته، فيما اختارت البطريركيات الكاثوليكية والمركز الكاثوليكي للإعلام الصمت الحكيم.

 

فمن أعطى بعض المعترضين حقّ تنصيب أنفسهم مرجعية أعلى من الكنيسة الجامعة؟

 

نحن في الشرق نمتلك غيرة كبيرة على الإيمان، وهذا أمر إيجابي. لكن الخطر حين تتحوّل الغيرة إلى عقلية تحريم وإدانة. يسوع نفسه اتُّهم بأن "به شيطان"، لأنه كسر منطق الخوف والرقابة. هو لم يأتِ ليؤسس ديانة قائمة على المنع، بل ليحرّر الإنسان: "إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا".

 

الفرق الجوهري بين المسيحية وغيرها ليس في الطقوس، بل في الشخص: المسيح نفسه. العبادة ليست مكانًا ولا شكلًا، بل علاقة حيّة "بالروح والحق". ولهذا، ليس كل أسلوب مختلف خطرًا على الإيمان، وليس كل ما هو غير بيزنطي أو ماروني خارج الصلاة.

 

 

من ذاكرة التاريخ:

 

حينما بدأ القديس يوحنا بوسكو بجمع الأولاد المشردين واليتامى واللعب معهم وتعليمهم الحرف اليدوية والقراءة والكتابة، اتهمه كثيرون بالجنون. وحينما قررت الأم تريز أن تعتني بالمنازعين في الهند وتجمع التبرعات وتأوي المرضى... حاولت رئيستها في شتى الطرق أن تمنعها –ففي نظرها ما تقوم به مع المنازعين- هو وصمة عار للراهبات. ومن دون أن نذهب إلى بعيدٍ، ففي لبنان حينما بدأ الأب فادي تابت برسالته الفنية (تمثيل وغناء)، قوبل بالحملات نفسها، ثم نالت أعماله بركة البطاركة. الرسالة تُقاس بثمارها لا بصراخ معارضيها.

 

المسيح ترك التسعة والتسعين وذهب يبحث عن الواحد الضائع. وبولس الرسول صار "للجميع كل شيء ليخلّص على كل حال قومًا". الأب غييرمي يحاول أن يفعل ذلك: أن يذهب إلى الشباب حيث هم، لا أن ينتظرهم حيث نريدهم نحن أن يكونوا.

 

الإيمان لا يُحمى بالصراخ، ولا بالمنع، ولا بالإدانة، بل بالتمييز والمحبة، والحرية.

دعوا الكاهن يُجرّب.

ودعوا الشباب يقتربون.

ثم احكموا على الثمر… لا على العنوان.

فالإيمان الذي يهتز أمام إيقاع موسيقي، ليس إيمانًا ضعيفًا فقط،

بل إيمان لم يكتشف بعد أن الله قادر أن يفتح بابًا… من حيث لا نتوقّع.