موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يفتتح هذا الأحد بمقطوعة من الانجيل بحسب يوحنا، وفي كل إنجيل يوحنا لا نسمع رواية معمودية يسوع كما عند الإزائيين، بل نلتقي مباشرةً بجوهر الرسالة: "هوذا حملُ الله الذي يرفع خطيئة العالم". بهذه العبارة الواحدة يفتح المعمدان أمامنا بداية رسالة يسوع ونهايتها معًا: المعمودية، والصليب، والقيامة. بداية الطريق ونقطة العبور.
يسوع هو الحمل الفصحي، وبه يتمّ العبور الحقيقي: من العبودية إلى الحرية، من الخوف إلى الرجاء، من الموت إلى الحياة. لكن هذا العبور لا يتم بلا ثمن. فالفصح، في كل الكتاب المقدس، يمرّ عبر الذبيحة. ليس أي حمل، بل الحمل الكامل، المختار، الأفضل. والمسيح هو هذا الحمل، الذي يحمل لا خطيئته، بل خطايانا نحن.
حسب التقليد العبري كان عظيم الكهنة في يوم الكيبور يختار الخروف الشاب الذي لم يتجاوز عمره عاماً، الخروف الكامل، الخروف الأفضل، خيرة خراف القطيع ويطلق عليه خطايا، أي يحمّله ذنوب كافة اليهود، آثام كل الشعب ثم يتركه ينطلق إلى البرية محملاً بهذه الخطايا ليتيه في البرية ويموت، تكفيراً عن خطايا الشعب. بهذا الطقس تزال الخطايا ويحتفل الجميع. لأن اليهود كسائر الشعوب كانوا يؤمنون بأن أي خطيئة يجب أن تعوّض. كل مرتكب أي خطيئه يجب أن يُكفّر عنها هو أو بنوه. يجب أن يدفع أحدٌ هذا التعويض (كبش الفداء). وحتى اليوم هذا الطقس مستمر، يجب التضحية بالحمل أو الكبش، محملين اياه خطايا ليست خطاياه، تاركين اياه يموت في البراري. بالتالي شكلٌ بدائيٌ عن التكفير والتعويض عن الذنوب. المهم أن يرأف بنا الله. كذلك نجد في الدين الاسلامي في وقفة عيد الأضحى تذبح الحملان و التيوس والعجول تذكاراً لذبيحة ابراهيم، ولإستجلاب الرحمة والبركة من الله.
إنّ كلمة حمل باللغة العبرية (طليا) تعني "حمل" وتعني أيضاً "عبد" إن يوحنا المعمدان عندما أطلق كلمة حمل على يسوع لم يقصد بها الحمل الخروف إنما كان يقصد خادم الله أو العبد المتألم. وحتى أن حكم الإعدام (الصلب) الذي أطلق على يسوع كان في الرابع عشر من نيسان في وضح النهار، أي في نفس التوقيت الذي تذبح فيه الحملان. علامة على أنّ المسيح هو الحمل الحقيقي والنهائي الذي يضحى به في سبيل الكثيرين.
معمودية يسوع تكشف هذا السرّ بعمق. فهو يدخل المياه طاهرًا، ويخرج منها حاملاً أوجاع البشر وأثقالهم. يدخل بلا خطيئة، ويخرج متضامنًا مع إنسانيتنا المجروحة. كأنّه يقول لكل واحد منا: "أعطني ما يثقلك، دعني أحمل عنك ما لا تقدر أن تحمله وحدك" هنا تبدأ الحرية، وهنا يولد الفرح.
من هنا نفهم إعلان بولس: "إلى الذين قُدسوا في المسيح بدعوتهم ليكونوا قديسين". ليست القداسة ثمرة جهدٍ ذاتيّ أو كمالٍ أخلاقيّ، بل نتيجة لقاءٍ مع الحمل الذي يحمل عنّا ويهبنا حياة جديدة. لذلك يهتف أشعيا: "الشعب السائر في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا". النور ليس فكرة، بل شخص. والفرح ليس إنجازًا، بل علاقة.
في عالمٍ يبالغ في تمجيد الـ«أنا»، ويحمّل الإنسان وحده عبء الخلاص والسعادة، يأتي صوت المعمدان ليقول لنا: لستَ وحدك. لستَ مضطرًا أن تحمل كل شيء بنفسك. الفرح لا يولد من تضخيم الذات، بل من تسليمها.
يوحنا يقول بصدق: "أنا لم أكن أعرفه"، لكنه يضيف: "الذي أرسلني هو قال لي" . المعرفة هنا ليست معلومات، بل اختبار. وبعد اللقاء، تتبدّل الرؤية، ويخرج الشاهد ليقول: "أنا رأيت وشهدت أنّه ابن الله".
هكذا يضعنا يوحنا، في بداية هذا الذمن من السنة الليتورجية، على الطريق الصحيح: طريق اللقاء، طريق التسليم، طريق الحمل. وفي نهاية المسيرة، بعد أن نختبر حضوره ونذوق ثمر خلاصه، نقدر أن نقول بملء القلب:
حقًا، هذا هو ابن الله… وهذا هو الذي غيّر حياتي.