موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يضعنا إنجيل اليوم حسب الطقس السرياني في أجواء الساعات الأخيرة التي سبقت آلام الرب يسوع، وكأنّ التلاميذ يعيشون حالة اختناق داخلي وصمت ثقيل يشبه انحباس النفس. لقد بدأوا يدركون أنّ المعلّم الذي تركوا كل شيء لأجله بات قريبًا من الرحيل، وأنّ الموت صار على الأبواب. وأمام فكرة الغياب هذا، اضطربت قلوبهم وازداد قلقهم وفقدوا القدرة على رؤية المعنى العميق المختبئ خلف الأحداث. فالإنسان، حين يخاف الفقدان، يعجز أحيانًا عن اكتشاف حضور الله المتخفّي داخل الألم.
لكن يسوع، بدل أن يغرق معهم في الحزن، يكشف لهم سرًّا عجيبًا من أسرار المحبة الإلهية: «إنه خيرٌ لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم» (يو 16: 7).
وهنا يكمن عمق هذا الإنجيل الذي تضعه الكنيسة في زمن العنصرة، لأنّ رحيل يسوع لا يعني أبدًا تخلّيه عن تلاميذه، بل انتقال حضوره إلى مستوى أعمق وأكثر أسرّارية. فالمسيح لم يأتِ ليبقى إلى جانب الإنسان فقط، بل ليتحد معه ويصير فيه. لذلك، بعد الصليب والقيامة، يهبهم الروح القدس، لا كتعزية خارجية، بل كحياة جديدة تنبض في داخلهم. لم يعد الله مجرد حضور منظور يسير أمامهم، بل صار نسمةً إلهية، نفحة روحية تسكن أعماقهم، وقوةً خفية ترافقهم، ونارًا داخلية لا تنطفئ.
فالروح القدس هو حضور المسيح المستمر في قلب الكنيسة. هو الصوت الذي يهمس في الداخل عندما يصمت العالم، الذي يحوّل الخوف إلى جرأة، والانغلاق إلى شهادة، والتلاميذ المرتبكين القلقين إلى شهود قادرين أن يحملوا الإنجيل إلى أقاصي الأرض. لذلك لم يكن على التلاميذ أن يتعلّقوا بحضور يسوع الجسدي فقط، بل أن يتعلّموا الإصغاء إلى حضوره الروحي الذي لن يفارقهم أبدًا.
إنها خبرة روحية عميقة: أحيانًا يسمح الله بمسافات معيّنة في حياتنا، بغياب وغروب من حياتنا، وهذا ليس تركاً أبداً، ولا تخلياً عنا، إنما هذه هي طريقة حضوره داخلنا كي ننضج وننمو. فهناك حضور نعتاد عليه بالحواس، وهناك حضور آخر لا يُدرَك إلا بالقلب والروح. والروح القدس يقود الإنسان إلى هذا العمق، حيث يصبح الله أقرب إلينا من أنفسنا، وحيث تتحوّل الصلاة من كلمات إلى سكنى، ومن طقوس إلى اتحاد داخلي.
ومن هنا نفهم أيضًا معنى المحبة الحقيقية. فالحبّ الناضج لا يقيّد الآخر ولا يخنقه باسم الاهتمام، بل يفسح له المجال لينمو ويصبح ذاته. فكما تراجع يسوع خطوة إلى الوراء لكي يولد التلاميذ روحيًا، هكذا كل علاقة حقيقية مدعوّة أن تمنح الآخر حرية النضوج. إنّ المحبة التي لا تترك مساحة للروح، تتحوّل تدريجيًا إلى امتلاك. أمّا المحبة التي تثق بالله، فهي تعرف كيف ترافق، وكيف تنتظر، وكيف تفسح المجال لعمل النعمة.
لقد كان على التلاميذ أن يخرجوا من الاتكال الكامل على حضور يسوع الخارجي، لكي يكتشفوا حضوره الساكن فيهم. وكان عليهم أن يتحوّلوا من مستمعين إلى شهود، ومن تلاميذ خائفين إلى كنيسة حيّة تحمل نار العنصرة إلى العالم، لم يكن الأمر سهلاً عليهم، لكن بهبة الروح القدس يتم التحول الحقيقي. فالروح القدس لا يُعطى للراحة فقط، بل للرسالة أيضًا. إنّه يدفع الكنيسة إلى أن تعلن للعالم أنّ الله لم يترك الإنسان وحيدًا، وأنّ السماء ما زالت تتنفّس داخل الأرض.
وهكذا يصبح عيد العنصرة ليس مجرد ذكرى لحلول الروح القدس، بل اكتشافًا دائمًا أنّ المسيح، وإن غاب عن العيون، لم يغب عن القلب. بل صار أقرب، أعمق، وأكثر حضورًا من أي وقت مضى.