موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٧ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

إنّه الرب، إعادة الانطلاق

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
فحيث نظنّ أنّ كلّ شيءٍ انتهى… يبدأ كلّ شيءٍ من جديد. ليس لأنّنا أقوى، بل لأنّه حاضر

فحيث نظنّ أنّ كلّ شيءٍ انتهى… يبدأ كلّ شيءٍ من جديد. ليس لأنّنا أقوى، بل لأنّه حاضر

 

هناك لحظات في الحياة نشعر فيها أنّ كلّ شيءٍ قد عاد إلى الصفر… كأنّ الطريق الذي سرناه طويلًا، بكلّ تعبه وانتظاراته، ينتهي فجأة عند شاطئٍ صامت. هكذا يبدأ مشهد الإنجيل بحسب يوحنا (21، 1-14) تلاميذ يعودون إلى البحر، لا بدافع الحنين فقط، بل كأنّهم يبحثون في الماضي عن شيءٍ يرمّم خيبتهم. «أَنَا ذَاهِبٌ أَصْطَادُ سَمَكًا» يقول بطرس، فيتبعه الآخرون. الليل يبتلعهم، والعمل الذي يعرفونه جيّدًا لا يعطيهم شيئًا. شباكٌ تُلقى وتُسحب، مرارًا وتكرارًا… لكنّها تعود فارغة.

 

كم يشبه هذا الليل ليالينا. حين نفعل ما اعتدنا عليه، ما كنّا نظنّه مضمونًا، ثمّ نكتشف فجأة أنّه لم يعد يحمل الثمر نفسه. حين لا تخوننا الظروف فقط، بل تخوننا أيضًا يقينياتنا. هناك، في ذلك الفراغ الثقيل، يتسلّل سؤال خفيّ: ماذا بقي؟ ماذا يُمكن أن يملأ هذا الصمت؟

 

وعند الفجر… حين يبدأ الضوء بالتسرّب خجولًا، يقف يسوع على الشاطئ. لا يقتحم المشهد، لا يفرض حضوره، بل يقفينتظر. حضورٌ هادئ، يكاد يُشبه الغياب. ومن بعيد يسألهم: « يَا فِتْيَان، أَمَا عِنْدَكُم قَلِيلٌ مِنَ السَّمَك؟» (يو 21: 5). سؤال بسيط، لكنّه كأنّه يلمس الجرح مباشرة: هل لديكم ما يشبع حياتكم؟ هل تملكون ما يملأ هذا الفراغ الذي تحمله قلوبكم؟

 

يجيبونه: «لا». جوابٌ قصير، لكنّه صادق. وربّما هنا تبدأ المعجزة: حين نعترف بفراغنا، لا حين نخفيه.

 

يطلب منهم أن يلقوا الشبكة إلى الجهة اليمنى. أمرٌ صغير، يكاد يبدو غير منطقي، لكنّهم يطيعون. وفجأة… تمتلئ الشبكة. ليس لأنّهم صاروا أكثر مهارة، بل لأنّ حضوره دخل في تعبهم. عندها فقط، يلمع شيءٌ في الداخل: «إِنَّهُ الرَّبّ» (يو 21: 7). إنّه صوت التلميذ الذي أحبّه يسوع، ذاك الذي تعلّم أن يرى بالقلب قبل العين.

 

وما إن تصل هذه الكلمة إلى بطرس الرسول، حتى يحدث شيءٌ مختلف: لا ينتظر القارب، لا ينتظر الآخرين… بل يلقي بنفسه في البحر. كأنّ المسافة بينه وبين يسوع لم تعد تحتمل الانتظار. الحبّ لا يحسب، لا يؤجّل، بل يقفز.

 

وعلى الشاطئ، لا يجدون عتابًا… بل نارًا موقدة، وخبزًا، وسمكًا موضوعًا. يسوع كان قد سبقهم. قبل أن يصلوا، كان قد أعدّ لهم كلّ شيء. ثمّ يدعوهم ببساطةٍ مدهشة: «هَلُمُّوا تَغَدَّوا» (يو 21: 12).

 

يا له من إلهٍ هذا… لا يوبّخ فشلنا، بل يحوّله إلى لقاء. لا يذكّرنا بليلنا الفارغ، بل يفتح لنا صباحًا جديدًا. لا يطلب منا أن نكون ممتلئين لنأتي، بل يدعونا ونحن فارغون، لكي يملأنا.

 

هناك، عند تلك النار، يحدث التحوّل العميق: الفشل لا يُمحى، بل يُفدى. الليل لا يُلغى، بل يُضاء. والنهاية التي ظننّاها مغلقة، تصبح بدايةً مختلفة.

 

وهكذا، في كلّ مرّة نقترب فيها من سرّ الإفخارستيا، نعود إلى ذلك الشاطئ. نحمل معنا ليالينا، تعبنا، محاولاتنا غير المكتملة… وربّما أيضًا صمتنا الداخلي. لكنّنا نجد دائمًا من ينتظرنا، من أعدّ المائدة قبل وصولنا، من يقول لنا دون ضجيج: تعال… كُل.

 

هناك نفهم، ببطءٍ عميق، أنّ الصيد الحقيقي لم يكن يومًا صيد السمك، بل صيد المعنى. وأنّ القيامة ليست ذكرى، بل خبرة تتكرّر كلّما التقينا بالمسيح في فشلنا.

 

فحيث نظنّ أنّ كلّ شيءٍ انتهى… يبدأ كلّ شيءٍ من جديد. ليس لأنّنا أقوى، بل لأنّه حاضر.