موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٥ مايو / أيار ٢٠٢٦

دومنيك سافيو: عندما يصبح الحلم قداسة

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
دومنيك سافيو: عندما يصبح الحلم قداسة

دومنيك سافيو: عندما يصبح الحلم قداسة

 

في حياة بعض الشباب، تمرّ لحظات صغيرة لكنها تغيّر كل شيء. كلمة، عظة، أو فكرة بسيطة قد تشعل في القلب نارًا لا تنطفئ. هناك لحظات تمرّ ... ونظن انها تمر مرور الكرام، لكنها في العمق تشبه شرارة خفية تلامس القلب وتترك فيه أثرًا لا يُمحى. كلمة تُقال في الوقت المناسب، فكرة بسيطة، أو صوت داخلي لا يُسمع إلا بصمت… لكنها فجأة تعيد ترتيب كل شيء في الداخل. هكذا بدأت القصة في قلب فتى صغير اسمه دومنيك سافيو.

 

لم يكن يبحث عن شيء استثنائي، ولم يكن يملك مشروعًا كبيرًا لحياته. كان فتى كغيره، يضحك، يلعب، يعيش يومه ببساطة. لكن في مساء يوم الأحد الأول من شهر نيسان سنة 1855، جلس يُصغي إلى دون بوسكو، الذي كان يتكلم بلغة سلسة دون تعقيد أو أفكار مجردة، قال شيئًا بسيطًا جدًا… بسيطًا إلى درجة أنه يبدو وكأنه كان موجّه لكل واحد شخصيًا: «الله يريدك قديسًاوالقداسة ليست مستحيلة». مقدماً أمثلة حيّة من حياة القديسين، مثل لويس غونزاغا وفرنسيس كسفاريوس وشهداء الكنيسة.

 

في تلك اللحظة، لم يحدث شيء خارجي لافت للنظر. لم يتغير المكان، ولم ينقلب المشهد. لكن في الداخل، كان هناك تحوّل صامت… كأن بابًا فُتح فجأة، وكأن نورًا دخل إلى زاوية لم يكن يعرفها من قبل. بدأ يشعر أن هذا الكلام هو رسالة من الله له، هو دعوة له هو، باسمه، بحياته الصغيرة، بفرحه اليومي.

 

ومنذ تلك اللحظة، داخله شعورٌ مميز، شعورٌ سكنه وولدت في داخله رغبة لا تهدأ. لم يعد يكتفي بأن يكون “ولداً جيدًا”، بل بدأ يسأل نفسه: «ماذا لو كان بإمكاني أن أكون قديسًا؟ ليس يومًا ما… بل الآن؟»

 

الغريب أن هذا التحوّل لم يجعله أكثر  شروداً، أو تسرعاً، بل أكثر عمقًا. صار أكثر هدوءًا، أقل انشغالًا بالمظاهر الخارجية، كأن قلبه دخل في حوار مستمر مع أمرٍ لا يُرى. وعندما سأله دون بوسكو عن حاله، جاء الجواب الذي يكشف سر ما كان يحدث فيه: «أنا لست مريضًا كما تظن… أنا مغرمٌ، أنا مولعٌ بأمرٍ جميل. هناك رغبة قوية في داخلي… أريد أن أصبح قديسًا».

 

كم يبدو هذا الكلام بسيطًا، وربما غريبًا في نظر الكثيرين… لكن في الحقيقة، هو لحظة صدق نادرة، حين يكتشف الإنسان ما يريد حقًا. ليس ما يفرضه عليه الآخرون، ولا ما تقدمه إعلانات العالم من حوله… بل ما يخرج من أعماقه هو.

 

ثم جاءت لحظة أخرى، لحظة صغيرة جدًا في ظاهرها لكنها عظيمة في معناها. في عيد القديس يوحنا المعمدان، أراد دون بوسكو أن يكافئ تلاميذه، فطلب منهم أن يكتب كل واحد ما يتمنى أن يحصل عليه. جاءت الطلبات متنوعة، بعضها بسيط وبعضها طريف. لكن عندما وصل إلى بطاقة دومنيك، وجد فيها خمس كلمات فقط، لكنها تختصر كل شيء: «ساعدني لأصبح قديسًا».

 

طلب بسيط في كلماته، لكنه عظيم في مضمونه… طلب يعبّر عن قلب يعرف ما يريد.

 

أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى كلمات كثيرة، بل إلى وضوح داخلي. أن يعرف ماذا يريد، وأن يجرؤ على قوله ببساطة.

وهنا يأتي الجمال الحقيقي في القصة… فعندما قرأ دون بوسكو ورقته، أخذ طلب دومنيك على محمل الجد، وأعطاه ثلاث  نصائح بسيطة وعميقة، لم يُطلب منه أن يغيّر العالم، ولا أن يفعل أشياء خارقة. بل أُعطي مفاتيح صغيرة… لكنها تمسّ الحياة اليومية في عمقها وتختصر الروحانية الساليزيانية:

 

أن يعيش الفرح… ليس كشيء سطحي، بل كعلامة حضور الله في القلب. أن ينتبه لكل ما يسرق هذا الفرح، لأن الله لا يقود الإنسان من خلال الحزن والاختناق، بل من خلال امتلاء داخلي هادئ.

 

أن يكون أمينًا لواجباته الصغيرة… للدراسة، للصلاة، للتفاصيل التي غالبًا ما نهملها. لأن الحياة لا تتكوّن من لحظات عظيمة فقط، بل من تكرار أشياء بسيطة، حين تُعاش بمحبة تتحوّل إلى قداسة.

 

وأن لا يغلق قلبه على نفسه… بل يخرج  نحو الآخرين ويساعد، يرافق، يكون حاضرًا. لأن المحبة، في النهاية، ليست فكرة، بل فعل يومي صغير يتكرر بصمت.

 

شيئًا فشيئًا، بدأ يفهم سرًا عميقًا… أن القداسة ليست طريقًا بعيدًا، بل طريقة عيش. ليست في الأشياء الكبيرة التي نُعجب بها، بل في الطريقة التي نعيش بها الأشياء الصغيرة.

 

وهنا ربما السؤال الذي يبقى لنا نحن… ماذا عنّا؟ كم مرة سمعنا كلمات جميلة ولم نسمح لها أن تنزل إلى أعماقنا؟ كم مرة شعرنا بنداء خفيف في داخلنا، ثم تجاهلناه لأننا ظنناه أكبر منا أو أصعب مما نحتمل؟

 

قصة دومنيك سافيو لا تقول لنا إننا يجب أن نصبح نسخة عنه، بل تفتح أمامنا احتمالًا… أن حياتنا العادية، بكل ما فيها، يمكن أن تصبح مكانًا للقاء الله. أن الطريق ليس في مكان آخر، بل هنا… في ما نعيشه الآن.

 

ربما القداسة ليست إلا هذا القرار الصغير الذي نؤجله دائمًا: أن نعيش ما نحن فيه بمحبة أكبر… بصدق أكثر… وبقلب مفتوح.

 

ومن يدري… ربما هناك في داخل كل واحد منا تلك الشرارة نفسها، تنتظر فقط لحظة صمت… لتشتعل.