موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد التاسع والعشرون من الزمن العادي (أ)
الـمقدّمة
في هذا المقال، سنبحث عن صورتنا الحقيقيّة. كيف؟ يساعدنا في المرحلة الأولى كاتبُ سفر أشعياء، من خلال المقطع (أش 45: 1-6)، على فهم صورتنا الحقيقيّة، إذ يهدف إلى جذب الشعب نحو الربّ، الإله الحقيقي. أمّا في المرحلة الثانية، فيساعدنا متّى الإنجيلي، من خلال ما يورده على لسان يسوع (مت 22: 15-21)، على اكتشاف صورتنا الحقيقيّة دون تزييف، ويقدّم لنا تفسيرًا ضروريًّا يعيننا على إدراك جمال هذه الصورة، التي ربما شوّهناها أو أفقدناها جمالها، لأسباب قد نعرفها أو نجهلها، نتيجة عدم إدراكنا لصورتنا الحقيقيّة، التي كانت منذ البدء حاضرة في المخطّط الإلهي.
1. ماذا يقول الربّ؟ (اش 45: 1. 4-6)
يفتتح النبي هذا المقطع بصيغة كتابيّة لها أهميّة خاصة في اللاهوت الكتابي: «هكذا قال الربّ». ومن خلال هذه الصيغة، يكشف لنا النبي الرسالة النابعة من الصوت الإلهي، مما يشير إلى أنّ النبي يتحدّث إلى معاصريه بوصفه وكيلًا عن الربّ، الذي أوكل إليه هذه المهمّة النبويّة. ثم تأتينا الرسالة التي يعلن فيها الربّ اسم القائد الذي أعدّه ليحمل الخلاص لشعبه، قائلًا: «هكذا قالَ الرَّبّ لِمَسيحِه: لقُورُشَ الَّذي أَخَذتُ بِيَمينِه لِأُخضِعَ الأُمَمَ بَينَ يَدَيه وأَحُلَّ أَحْقاءَ الـمُلوك لِأَفتَحَ أَمامَه الـمَصاريع ولا تُغلَقَ الأَبْواب» (أش 45: 1).
لأوّل مرّة، نجد اسم قورش، القائد الأجنبي والوثني، الذي لا ينتمي إلى بني إسرائيل. والمفاجأة هي أنّ الربّ أعدّ قورش ليكون أداة في يده، بل أطلق عليه لقب «مسيحه» (مختار الربّ). فما هدف الربّ من هذا الاختيار؟ إنّ مساعي الربّ هي لصالح شعبه، لكي يستعيد صورته الحقيقيّة بوصفه شعبًا ينتمي إلى الربّ، وينال التحرير على يد هذا القائد الوثني.
وهنا يعضد الربّ قورش الوثني لسبب خاص، يوضحه في قوله: «إِنِّي أَسيرُ قُدَّامَك فأَقَوِّمُ الـمُعوَجّ وأُحَطِّمُ مَصاريعَ النُّحاس وأُكَسِّر مَغاليقَ الحَديد وأُعْطيكَ كُنوزَ الظُّلمَةِ ودَفائِنَ الـمَخابِئ لِتَعلَمَ أَنِّي أَنا الرَّبُّ الَّذي دَعاكَ بِاسمِكَ، إِلهُ إِسْرائيل. لِأَجلِ عَبْدي يَعْقوب وإِسْرائيلَ مُخْتاري دَعَوتُكَ بِاسمِكَ ولَقَّبتُكَ وأَنتَ لم تَعرِفنْي. أَنا الرَّبُّ ولَيسَ مِن رَبٍّ آخَر لَيسَ مِن دوني إِله. شَدَدتُكَ بِزُنَّار وأَنتَ لم تَعرِفْني لِكَي يَعلَموا مِن مَشَرِقِ الشَّمسِ ومِن مَغرِبِها أَنَّه لَيسَ غَيري أَنا الرَّبّ ولَيسَ مِن رَبٍّ آخَر» (أش 45: 2-6).
ومن محبّة الربّ لشعبه، صنع أعمالًا تفوق التصوّر، مؤكّدًا أنّه الإله الوحيد، الذي لم يعرفه شعبه حقّ المعرفة، ومع ذلك لا يزال يرافقه لكي يستعيد صورته الحقيقيّة وعلاقته بالله، الذي خلقه على صورته ومثاله (راجع تك 1: 26-28). وانطلاقًا من هذا المبدأ الإلهي والتدبير الخلاصي، يستكمل يسوع هذا الكشف الإلهي، ليساعد معاصريه، من خلال حواره معهم، على استعادة صورتهم الحقيقيّة.
2. السؤال الفخ! (مت 22: 15-21)
نستمرّ في قراءتنا لنصّ إنجيل متّى، حيث نجد سؤالًا يمكن أن نطلق عليه «السؤال الفخ»، وجّهه معاصرو يسوع إليه. ويأتي هذا الحوار مباشرة بعد مثل يسوع التعليمي عن الملكوت (راجع مت 22: 1-14)، الذي ناقشناه في المقال الأخير، والذي شبّه فيه يسوع الملكوت بالعرس. فما زلنا في الهيكل، حيث يقدّم يسوع تعليمه بحضور تلاميذه وجمع من الناس ومنافسيه. ويفتتح متّى هذا المقطع بوصف دقيق لما يدور وراء الكواليس، قائلًا: «ذَهبَ الفِرِّيسيُّونَ وعَقَدوا مَجلِسَ شورى لِيَصطادوه [يسوع] بِكَلِمَة. ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: "يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس". فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: "أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟"» (مت 22: 15-17).
هذا السؤال الفخ، الذي وجّهه رجال الدين اليهود إلى يسوع، وهو رجل يهودي، جاء بعد أن وصفوه بأنّه «المعلّم». فلماذا طرحوا عليه هذا السؤال بعدما وصفوه بأنّه معلّم صادق، وأنّ سمعته تؤكّد أنّه لا يحابي أحدًا، بل يدافع عن الحقّ؟ لقد كان هدفهم من هذا السؤال الإيقاع بيسوع، من خلال فخّ أعدّوه ليقع فيه.
ويمكننا تبسيط السؤال بالقول: هل يسوع مع قيصر أم ضدّه؟ فقيصر يمثّل السلطة الرومانيّة المحتلّة لأرض إسرائيل، والتي تفرض الجزية على سكانها. ويطرح هذا التساؤل قضيّة مهمّة تتعلّق بالعلاقة بين السياسة والدين. فكم من المواطنين يجدون أنفسهم أمام السلطات السياسيّة، متسائلين عمّا إذا كان عليهم معارضتها دفاعًا عن دينهم، أم مجاملتها ومسايرتها!
3. الصورة - eikwn (مت 22: 18- 20)
نفاجأ بأنّ يسوع لا يجيب عن السؤال الفخ مباشرة، بل يردّ بسؤال جديد. ويشير الإنجيلي إلى إدراك يسوع، بوصفه معلّمًا صادقًا وحقيقيًّا، ما يدور من خبث في قلوب سائليه، إذ يقول: «شعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: "لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها الـمراؤُون! أَروني نَقْدَ الجِزيَة". فَأَتَوهُ بِدينار. فقالَ لَهم: "لِمَنِ الصُّورَةُ – eikōn هذه والكِتابة؟"» (مت 22: 18-20).
من خلال هذا التساؤل، يكشف الإنجيلي عن الجديد في فكر يسوع، إذ يبني النص حول صورتين: الأولى صورة قيصر على العملة المستخدمة لدفع الجزية، والثانية الصورة الإلهيّة المنطبعة في كلّ إنسان، الذي خلقه الربّ بحسب قول كاتب سفر التكوين: «وقالَ الله: "لِنَصنَعِ الإِنسانَ على صُورَتِنا كَمِثالِنا [...] فَخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ على صُورَتِه على صُورَةِ اللهِ خَلَقَه ذَكَرًا وأُنْثى خَلَقَهم"» (تك 1: 26-27). فهذا هو أصل الإنسان وهويّته التي خُلق عليها: أن يكون صورة (eikōn) ومثالًا لله خالقه.
عندما طلب يسوع، بذكاء، أن يرى إحدى العملات التي تُدفع بها الجزية لقيصر، أخرجها الهيرودسيّون، أنصار السلطة الرومانيّة، على الفور، في إشارة واضحة إلى أنّهم كانوا يدفعون تلك الضريبة. لقد سألوا يسوع عمّا إذا كان عليهم دفع الجزية أم لا، مع أنّهم كانوا يعرفون الجواب مسبقًا.
وكانت الجزية لقيصر ضريبة فُرضت على السكان الخاضعين للحكم الروماني في اليهوديّة، منذ عام 6 ميلادية، وشملت مناطق يهوذا والسامرة وأدوم. وكان عليهم دفعها بعملة خاصّة تحمل صورة قيصر. وهكذا، أصبح دفع الجزية بهذه العملة وسيلة لنشر صورة الإمبراطور وتعزيز سلطته.
ولم تكن مقاومة بعض اليهود، في زمن يسوع، لدفع الجزية لأسباب اقتصاديّة وسياسيّة فحسب، بل لأسباب دينيّة أيضًا، إذ كان الشريعة اليهوديّة تحظر صنع الصور التي تُستخدم للعبادة، خشية الوقوع في عبادة الأوثان، كما حدث مع بني إسرائيل في الماضي (راجع خر 32: 1-10). لذلك، كان من الممكن اعتبار استخدام تلك العملة، في نظر بعض اليهود، نوعًا من المساومة الدينيّة، وكأنّهم يعبّرون عن ولائهم للإمبراطور بالمال من خلال دفع الجزية.
وفي الواقع، تعبّر الجزية عن علاقة غير متكافئة، يربح فيها أحد الطرفين، وهو قيصر، الذي يبقى حاضرًا ومسيطرًا بصورة دائمة، بينما يُجبر الطرف الآخر، أي الشعب الخاضع لسلطته، على البقاء تابعًا له.
فهل يمكن أن يصبح أسلوب قيصر أسلوبنا نحن أيضًا؟ ربما يحدث ذلك عندما نخوض علاقات قائمة على تبادل المصالح الشخصيّة، حيث يُقاس كلّ شيء بالمال، من دون اعتبار لقيمة الإنسان، ومن دون أن نتذكّر أنّه خُلق على صورة الله، شأنه شأن قيصر نفسه!
وقد نقع أحيانًا في فخّ النرجسيّة، فنعيش علاقاتنا مع الآخرين انطلاقًا من حاجتنا إلى تقدير ذواتنا وتمجيدها، وكأنّ قيمتنا تتوقف على ما نحصل عليه من اعتراف وتبجيل. وعندئذٍ، ننسى أنّ الآخر أيضًا يحمل صورة الله، مثلي تمامًا، ولا يقلّ عنّي قيمة أو كرامة.
4. إستعادة صورة الخلق (مت 22: 15-21)
كما في هذا المقطع الإنجيلي، هكذا في حياتنا أيضًا، فإنّ أسئلتنا عن الربّ غالبًا ما تكون خادعة. فالإجابات التي نملكها، مع الأسف، نخفيها في أعماق قلوبنا، متظاهرين بعدم العثور عليها، وكأنّنا نخجل من مواجهة حقيقة تقف أمامنا!
لا يمكن، بأيّ حال من الأحوال، تفسير ردّ يسوع، كما حدث مرارًا في تاريخ المذاهب السياسيّة، على أنّه ينطوي على فصل بين السلطتين المدنيّة والدينيّة. فعند التدقيق في كلماته، نجد أنّ يسوع يعيد الإنسان، بكلّيّته، إلى أصله وانتمائه الكامل إلى الربّ الخالق، من خلال مفهوم الصورة(eikōn) . فإذا كان كلّ شيء يعود إلى مَن يحمل صورته، فإنّ العملة تعود إلى قيصر لأنّها تحمل صورته، وبالتالي يجوز إعادتها إليه. لكن من الضروري أيضًا أن يسعى الإنسان، الذي يحمل بطبيعته صورة الله في أعماقه منذ الخلق، إلى المحافظة عليها وإزالة كلّ ما يشوّهها من خداع أو تزييف.
لذلك، فإنّ كلّ واحد منّا، امرأةً كان أم رجلًا، مدعوّ، بوصفه مؤمنًا بالربّ، إلى تجديد صورة الله التي يحملها في داخله. وبناءً عليه، إذا كنّا مُلزمين بدفع الجزية استنادًا إلى الصورة (eikōn) المحفورة على العملات، فإنّنا نستنتج، وفق هذا المنطق، أنّنا، كبشر مؤمنين، ننتمي بكلّيّتنا إلى الله، وإليه نعود. فلا نسمح لمنطق العالم المادّي بأن ينتزع صورتنا الحقيقيّة أو يسيطر على صورة الله التي في داخلنا.
ومع ذلك، قد لا تكون صورة الله واضحة في حياتنا كما هي صورة قيصر المحفورة على العملات. فمَن ينظر إلى العملة يرى صورة قيصر، ولكن ماذا يرى مَن ينظر إلينا؟ هل نكشف عن صورة الله التي في أعماقنا، أم أنّها أصبحت مخفيّة بفعل الزمن؟ قد تبدو هذه الصورة باهتة، لكنّها، كالبصمة، لا تُفقد أبدًا.
علينا أن نعي وندرك أنّنا، في كلّ مرّة نسمح فيها لله بأن يعمل فينا ويجدّد صورته التي رسمها في أعماقنا، ننمو في حياتنا الروحيّة. ومن خلال إجابة يسوع، نحن مدعوّون إلى السعي لاكتشاف هذا الجمال الإلهي، الذي يشكّلنا يومًا بعد يوم.
هذه هي الصورة الوحيدة التي ينبغي أن نهتمّ بها وأن تشغلنا، لا تلك الصور الزائفة التي تطبعها علاقاتنا الأنانيّة ومصالحنا الشخصيّة. وعلى ضوء هذا النصّ الإنجيلي، نحن مدعوّون إلى التعرّف إلى الصور المشوّهة التي رسمناها للربّ في حياتنا، طالبين منه نعمة التحرّر منها، وأن يمنحنا رؤية جديدة له ولصورتنا الحقيقيّة، التي هي صورة الربّ ذاته.
5. جمال الصورة (مت 22: 15-21)
إذا وجّهتُ إلى نفسي سؤالًا: «هل أحمل الصورة التي خلقني الله عليها؟» (مت 22: 15-21)، فما الجواب؟ إنّ لفظ «الصورة» (eikōn) يحمل أهميّة خاصة، كما أشرنا سابقًا، إذ نجده في الصفحات الأولى من الكتاب المقدّس، عندما يقول الربّ: «لِنَصنَعِ الإِنسانَ على صُورَتِنا كَمِثالِنا» (تك 1: 26). والصورة عملٌ يُرسم ببطء ودقّة، لأنّه يحمل فكر الفنّان ومشاعره، ويعبّر عن رؤيته ولمسته الخاصة.
وفي حوار يسوع، بحسب إنجيل متّى (22: 15-21)، مع الذين أرادوا أن يتصيّدوه بكلمة ليحكموا عليه، يدعوهم إلى استعادة جمال صورتهم التي فقدوها، أي الصورة الحقيقيّة التي خُلقوا عليها. وهذه الصورة نابعة من علاقة محبّة الله للإنسان. أمّا الخطر، فيكمن في أن يشوّه الإنسان هذه الصورة بسبب سوء استخدامه لها، أو أن تبهت ملامحها الإلهيّة في حياته. ومع ذلك، فإنّه لن يفقدها نهائيًّا، لأنّها نعمة مجانيّة منحها الربّ للجميع.
إذًا، علينا أن نفكّر في كيفيّة استخدام هذه الصورة والكشف عن جمال العمل الإلهي فينا. ويمكن لكلّ واحد منّا أن يتساءل اليوم بصورة شخصيّة: هل تعبّر صورتي اليوم عن الصورة الإلهيّة التي شكّلها الربّ عند خلقي؟ وما الذي أدّى إلى تشويهها في حياتي؟ هل أسأتُ استخدامها أم أحسنتُ؟ وكيف أستعيد جمال الصورة التي خُلقتُ عليها؟
إنّ الربّ هو الفنّان العظيم، الذي وضع فينا، من فيض محبّته، صورته الإلهيّة. فهلّا نسعى إلى استعادة جمالها، ونقبل دعوة الربّ، ونتحدّى تجارب العالم التي تحاول أن تشوّه هذه الصورة الجميلة؟ فهي لمسة الربّ فيَّ وفيك، وعلامة محبّته التي لا تزول.
الخلاصة
قد يخفي الزمن صورتنا الأصليّة، تلك التي أرادها الله لنا. ولكن، كما يحدث مع لوحة جداريّة أفسدتها عوامل الطبيعة، يحاول الله، بصبر ورحمة، أن يعيد ببطء الصورة التي رسمها فينا منذ الخلق إلى جمالها الأصلي.
هذا ما كشفه لنا النصّان الكتابيّان: أشعياء (45: 1-6) ومتّى الإنجيلي (22: 15-21). فقد تتبّعنا كيف استمرّت محبّة الله للبشريّة جمعاء منذ بدء الخليقة، وكيف أنّه، عندما ابتعد الشعب عن الربّ إلهه، اختار قورش الوثني ليحرّره ويساعده على استعادة علاقته بالربّ، الإله الحقيقي والوحيد.
واستكمالًا لما بدأه الربّ، واصل يسوع دعوته، موجّهًا كلامه إلى رجال الدين، ومرشدًا إيّاهم وإيّانا إلى اكتشاف صورتنا الحقيقيّة، من دون أن نخشى استعادة جمالها، فهي الصورة التي مُنحت لنا بنعمة الربّ منذ الخلق.