موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عالم يتغير بسرعة مذهلة، أصبح كل شيء مؤقتًا. العلاقات تتبدل، والمواقف تتغير، والوعود تتراجع أمام المصالح، وحتى الأشياء التي نظنها ثابتة قد تختفي في لحظة. يعيش الإنسان المعاصر وسط حالة من عدم اليقين، فيسأل نفسه أحيانًا: هل هناك شيء يبقى؟ هل هناك حضور لا يتخلى عني؟ هل هناك محبة لا تتراجع؟
وسط هذا الواقع، يبرز سر الإفخارستيا كواحد من أعظم أجوبة الله على قلق الإنسان وخوفه ووحدته.
فالإفخارستيا ليست مجرد طقس ديني، وليست مجرد ذكرى لحدث وقع قبل ألفي عام. إنها إعلان إلهي متجدد بأن الله لم يكتفِ بأن يخلق الإنسان أو أن يخلصه على الصليب، بل أراد أن يبقى معه.
منذ بداية التاريخ المقدس، كان الله يبحث عن الإنسان. سار مع شعبه في البرية، وكلم الأنبياء، وأرسل رسله، ثم جاء ملء الزمان فصار الكلمة جسدًا وسكن بين البشر. لكن المفاجأة الكبرى أن هذا الحضور لم ينتهِ بالصعود إلى السماء، بل استمر بطريقة تفوق كل تصور بشري.
لقد اختار الله أن يبقى.
لم يختر أن يبقى في القصور ولا في مراكز القوة والنفوذ، بل في سر بسيط ومتواضع، هو الخبز المكسور على المذبح.
وهنا تكمن عبقرية المحبة الإلهية.
فالله يعرف أن الإنسان يحتاج إلى حضوره الدائم، لا إلى ذكريات عنه فقط. يعرف أننا نحتاج إلى قوة في ضعفنا، وإلى رجاء في أوقات اليأس، وإلى نور في ساعات الظلمة. لذلك لم يتركنا وحدنا، بل جعل من الإفخارستيا علامة حضوره المستمر في قلب العالم.
وربما تكمن أزمة إنسان اليوم في أنه يعيش محاطًا بالاتصالات، لكنه يعاني من الوحدة. يمتلك وسائل تواصل لا حصر لها، لكنه يفتقد اللقاء الحقيقي. يعرف آلاف الأشخاص، لكنه أحيانًا لا يجد من يفهم قلبه.
لهذا تبقى الإفخارستيا دعوة متجددة إلى اللقاء.
لقاء مع الله الذي لا يملّ من انتظار الإنسان.
لقاء مع المسيح الذي لا يتعب من مرافقة أبنائه في مسيرتهم اليومية.
ولقاء مع الذات أيضًا، لأن من يقف أمام سر الإفخارستيا بصدق يكتشف حقيقة نفسه وحقيقة احتياجاته العميقة.
إن العالم اليوم لا يعاني فقط من أزمات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، بل من أزمة معنى. كثيرون فقدوا البوصلة التي توجه حياتهم، وأصبح النجاح هدفًا بحد ذاته، والاستهلاك أسلوب حياة، والسرعة معيارًا لكل شيء.
لكن الإفخارستيا تعلمنا من جديد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما هو عليه أمام الله. وتعلمنا أيضًا أن الحياة الحقيقية لا تقوم على الأخذ فقط، بل على العطاء. فالخبز الإفخارستي هو خبز مكسور من أجل الآخرين، وبالتالي فإن كل من يقترب من هذا السر مدعو لأن يصبح بدوره خبزًا مكسورًا في خدمة إخوته.
من هنا لا يمكن فصل الإفخارستيا عن المحبة، ولا العبادة عن الخدمة، ولا الصلاة عن الالتزام بالإنسان المتألم. فالمسيح الذي نلتقيه على المذبح ينتظرنا أيضًا في الفقير والمريض والمهمش والوحدة التي يعيشها كثيرون في عالمنا.
وفي زمن تتعالى فيه أصوات الانقسام والكراهية والعنف، تبقى الإفخارستيا مدرسة للوحدة. فالذين يشتركون في الخبز الواحد مدعوون إلى أن يكونوا جسدًا واحدًا وقلبًا واحدًا، وأن يحملوا إلى العالم ثقافة اللقاء بدل ثقافة الصراع، وثقافة المحبة بدل منطق الإقصاء.
إن عيد جسد الرب ودمه الأقدسين ليس مناسبة للتأمل في سر من أسرار الإيمان فحسب، بل هو دعوة لاكتشاف حقيقة جوهرية: أن الله ما زال هنا. ما زال حاضرًا. ما زال ينتظر. ما زال يفتح ذراعيه للإنسان مهما ابتعد أو تعب أو ضاع في طرق الحياة.
ففي كل مرة يُرفع فيها الخبز على المذبح، يتجدد الوعد ذاته: لستم وحدكم. الله اختار أن يبقى.