موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٠ أغسطس / آب ٢٠٢٦

الأنبا كيرلس الثاني مقار و«ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب»

بقلم :
د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك - كولومبيا
الأنبا كيرلس الثاني مقار

الأنبا كيرلس الثاني مقار

 

مقدّمة

 

لقد رحل عن عالَمنا مثلّثُ الرحمات غبطة البطريرك الأنبا كيرلس الثاني مقار (1867-1921)، أوّل بطريرك للكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة في العصر الحديث، في الثامن عشر من شهر مايو/أيّار لعام 1921. وقد نَشرتُ، منذ أكثر من أعوامٍ خمسة، مقالةً سابقة على "موقع أبونا"[1]، وكذلك مقالةً بمجلّة "صديق الكاهن" التي تصدر عن كليّة العلوم الإنسانيّة واللاهوتيّة بمِصر (إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك) أيضًا، في السنة الحادية والستون، العدد الرابع (أكتوبر/تشرين الأوّل) لعام 2021، ص 35-39، للحديث عن حياته وأعماله ومؤلَّفاته. وكان هذا بمناسبة المئويّة الأولى لنياحة غبطته (1921-2021). وأمّا في هذه المرّة، سأعرض بإيجازٍ الخطوطَ الكبرى لمؤلَّفه المهمّ المعنون: «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب»، الذي رَدَّ فيه عن هذا السؤال دائم التكرار: «كيف النصارى يقولون بألوهيّة رجلٍ إسرائيليّ قُضى عليه بالموت صلبًا؟».

 

 

أوّلًا: حول مؤلَّف «ألوهيّة الرجل الإسرائيليّ المصلوب»

 

بدايةً، قد سَطّر الأنبا كيرلس الثاني مقار مؤلَّفًا بعنوان: «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب». وقد نَشرته جريدةُ "الأحوال" بمدينة بيروت اللبنانيّة، في يوم "الجمعة العظيمة" الموافق الـ14 من أبريل/نيسان لعام 1911. ثمّ بعد ذلك، قد خَرج هذا المؤلَّفُ إلى النور، مرّةً أخرى، في هيئة كُتيّبٍ، في يوم "الجمعة العظيمة" الموافق الـ14 من أبريل/نيسان أيضًا لعام 1922، أي بعد نياحة غبطته بعامٍ تقريبًا.

 

يتمحور هذا المؤلَّفُ القصير حول الردِّ عن هذا السؤال المدهش والغريب لأوّل وَهلةٍ، الذي طَرحه أحدُ الأشخاص ("نائبُ آيدين") في "مقالته المشؤومة": «كيف النصارى يقولون بألوهيّة رجلٍ إسرائيليّ قُضى عليه بالموت صلبًا؟». وقد جاء توقيتُ ردِّ الأنبا كيرلس الثاني مقار موافقًا ليوم "الجمعة العظيمة"؛ «هذا اليوم العظيم الذي يُقيم فيه المسيحيّون تذكارَ آلام هذا الرجل الإسرائيليّ [يسوع المسيح]، الذي يسخر منه عبيدُ الله، وتذكارَ موته على خشبة الصليب».

 

إنّ الردَّ عن هذا السؤال لضروريٌّ للغاية، ولا سيّما في إطار الدفاع عن الإيمان المسيحيّ؛ إذ إنّ «الاعتراف بألوهيّة هذا الرجل اليهوديّ الذي مات صلبًا [...] تُشيّد عليه صرح الدين النصرانيّ، الذي ثبت هذا الثبوت المتين وانتشر هذا الانتشار المبين».

 

ولا يكمن منهجُ الأنبا كيرلس الثاني مقار، في الردِّ عن هذا السؤال المهمّ، في "شهادة العقل" فحسب؛ فوفقًا لقناعته الراسخة: «إنّ فَهْمَ الخليقة محدودٌ؛ بل نستند إلى ما هو أعظم من العقل والمخلوقات: إلى شهادة الحقّ سبحانه وتعالى كيف ومتّى شهد الخالقُ العظيم على ألوهيّة الرجل الإسرائيلي؟».

 

أمّا للردِّ عن هذا السؤال، فتوجد «ثلاثةُ أجوبة أو جوابٌ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الشهادة السابقة لمجيء الرجل والشهادة له في مدّة حياته على الأرض والشهادة اللاحقة لموته. شَهد الله جلّت قدرته على ألوهيّة المسيح قبل بعثته إذ أوحى بها الى أنبيائه الذين تنبّأوا عن حياته بكلّ أطوارها، وعن آلامه وأسبابها وظروفها ونتائجها. وقد شهد تعالى بهذه النبوءات شهادةً صريحة، فقال إنّ هذا الرجل إنّما هو ابنه المولود من عنصره منذ الأزل، وإنّه إلهٌ قويّ، إلهٌ عظيم، قدّوس إسرائيل. وفي مدّة حياته شَهد له على ألوهيّته، إذ صَرّح عنه قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا". وقد اجترح به المعجزات بأنواعها، حتّى إنهاض الموتى؛ وما ذلك إلّا ليبرهن عن ألوهيّته. وبعد موته شَهد على ألوهيّته، إذ خَتم بأُصبعه ختمًا لا تمحوه الأجيال، على الديانة التي أسّسها هذا اليهوديّ المصلوب. وهي ديانةٌ أُسُّها ودعامتها ألوهيّةُ اليهوديّ المصلوب عينه. فهذه الشهادةُ الإلهيّة المثلّثة الأطوار التي شَهد بها الربُّ القدير، قد ملأ صوته بها العصور الخالية؛ وهذا الصوتُ الإلهيّ عينه يملأ الأجيال الآتية إلى منتهى الدهور».

 

 

ثانيًا: مضمون مؤلَّف «ألوهيّة الرجل الإسرائيليّ المصلوب»

 

على هذا النحو، ينقسم الردُّ، الذي قَدّمه الأنبا كيرلس الثاني مقار عن السؤال المطروح أعلاه، إلى نقاطٍ ثلاث: 1. الشهادة التي أدّاها الله قبل مجيء المسيح؛ 2. الشهادة التي أدّاها في مدّة حياته على الأرض؛ 3. الشهادة التي أدّاها له بعد موته.

 

1. "الشهادةُ التي أدّاها [الله] قبل مجيئه"

 

يتعلّق الأمر جوهريًّا بـ"النبواءت المختصّة بالمسيح"، الواردة في العهد القديم: زمن مجيئه (تك 49: 10)؛ والأرض التي يأتي بها (ميخا 5: 2)؛ ومَن تكون أُمّه وكيف يُولَد (أشعياء 7: 14)؛ ومِن أيّ أصلٍ هو (ميخا 5: 2)؛ وماذا يُدعَى اسمه (أشعياء 7: 14؛ 9: 6)؛ وظروف إظهار رسالته (أشعياء 35: 3-6)؛ وظروف موته وتاريخ وقوع هذا الموت (دانيال 9: 23-27؛ أشعياء 53: 5)؛ وألوهيّته (مز 2: 6-7؛ دانيال 9: 23-27).

 

وبناءً عليه، «هذا وَحْيٌ إلهيّ نَقّبه علماءُ الكفر، ليجدوا بابًا على إنكاره أو على القول بعدم قدميّة أسفاره أو بتزييفها أو بتحريفها. ولكن خابت آمالهم، فالنبوءاتُ المختصّة بالمسيح هي جزءٌ جوهرىّ من أسفار العهد القديم».

 

2. "الشهادةُ التي أدّاها [الله] في مدّة حياته على الأرض"

 

وفقًا للأناجيل المقدَّسة، تشهد أعمالُ المسيح الحسنة والعجائبيّة (معجزاته وآياته)، وكذلك أقوالُه عن نفسه (يو 10: 25؛ 10: 37-38؛ 11: 25-27؛ 11: 41-43)، طوال مدّة حياته على الأرض، عن قوّته الإلهيّة. وبفضل هذا كلّه، يمكن للناس أن يروا "ألوهيّته، ويؤمنوا أنّه إلهٌ وابنُ الإله". ومن جهةٍ أخرى، قد شَهد الله ذاته –بشكلٍ صريح– على ألوهيّة المسيح؛ وهذا بدوره "شهادةٌ علويّة": أوّلًا، عند اعتماده في مياه الأردن (مر 1: 11؛ لو 3: 21؛ متّى 2: 17)؛ ثمّ، عند تجليه على جبل تابور (متّى 17: 5؛ مر 9: 6؛ لو 9: 15).

 

أمّا إذا أنكر أحدُهم "صحّةَ النصوص الإنجيليّة"، فتوجد "البراهين المفحمة، ومن جملتها البراهين التاريخيّة التي لا يمكن إنكارها": استشهاد الرسل وتضحيّتهم بحياتهم، وهم الشهود على حقيقةِ ألوهيّة هذا الرجل الإسرائيليّ المصلوب. ولا يمكن الاعتراضُ على هذا البرهان التاريخيّ، بالقول بأنّه: "كم رأينا أناسًا ضحّوا حياتهم من أجل اعتقادات غير صوابيّة!"؛ لأنّه لا يوجد في هذه الحالة التي نحن بصددها «مبدأٌ علميّ أو عقيدةٌ فلسفيّة يناضلون عن صحّتها، ولكنّها حوادث مادّيّة وقعت تحت الحواس، أي أنّها رُؤيتْ بأعيُن وسُمعتْ بالأذن ولُمستْ باليد».

 

3. "الشهادةُ التي أدّاها [الله] له بعد موته"

 

لقد قاوم الشعبُ الإسرائيليّ (اليهود)، في بلاد الختان، انتشارَ المسيحيّة التي نادتْ "بمُلكٍ روحيّ ومملكةٍ روحيّة وإنقاذِ شعب الله إنقاذًا روحيًّا وإخضاعِ الشعوب إخضاعًا روحيًّا للمسيح الإله"، وكذلك بـ"إبطالِ الناموس الموسويّ وإقامةِ ناموس العهد الجديد مقامه". وهذا لأنّ الشعبَ اليهوديّ "كان يتصوّر المسيحَ بهيئةٍ غير التي بشّرته بها هذه الديانة الجديدة"؛ ولأنّه كان "شديد التمسُّك بالناموس الموسويّ لاعتقاده أنّ هذا الناموس لا يمكن أن تزعزعه الأيّام ولفخره به فخرًا وطنيًّا إذ به كان اليهود يمتازون عن الأمم ويعلون عليهم". ومع ذلك، فقد «شهد الله لهذا الرجل الإسرائيليّ عن ألوهيّته بعد مماته، إذ خَتمَ بإصبعه الإلهيّة على الديانة التي أسّسها؛ وهي ديانةٌ بُنيتْ على القول بألوهيّة هذا الرجل اليهوديّ. ولم تصادف عند التبشير بها إلّا المقاومة والمحاربة في جميع البلاد التي دخلتها يهوديّةً كانت أم وثنيّة».

 

وعلى نحوٍ آخر، قد اضطهد الرومانُ الوثنيّون (الأمم)، في بلاد الغُرلة (عدم الختان)، أَتْباعَ المسيحيّة؛ فهي دينٌ يعلّم "ألوهيّة الرجل الإسرائيليّ المصلوب". كما أنّه «يكرز إلغاء المبادئ القديمة، والتعويض عنها بعبادة إلهٍ واحد؛ ويعلّم فلسفةً جديدة أساسها ألوهيّة رجلٍ يهوديّ مصلوب؛ ويقول باتّباع عوائد طاهرة وباحتقار المنظورات وبالتعلُّق بالخيرات الأبديّة غير المنظورة». وهذا لأنّه لم يكن بإمكان الرومان الوثنيّين التوفيق بين هذا الدين الجديد من جهةٍ، وبين "عبادة الأوثان أو بالأحرى عبادة الشهوات المشخَّصة بالأوثان وفلسفة الأثينائيّين [اليونانيّين] والرومانيّين الممثِّلة للكبرياء وفساد الأخلاق العموميّ الهائل، الذي كان منغمسًا فيه الشعب الوثنيّ وجذوعه متأصّلة فيه" من جهةٍ أخرى.

 

وبناءً عليه، إن كانت المسيحيّةُ قد انتشرت انتشارًا واسعًا، ولا سيّما في الأعوام الأولى من القرن الأوّل الميلاديّ، فليس هذا بفضل "الوسائط البشريّة" لدى رُسلها، و"لا غنى ولا بأس ولا سلاح ولا سحرِ فصاحةٍ ولا قوةِ فلسفةٍ"، وإنّما بفضل "العلّة الإلهيّة" وحدها. «وبعبارةٍ أوضح، إنّ الله تعالى بالذات قد استعمل سلطانه لتأييد دیانة تُدعَى باسم رجلٍ يهوديّ مصلوب، هو يسوع المسيح ابنه الحىّ».

 

 

خلاصة

 

هذه هي الخلاصة التي قَدّمها الأنبا كيرلس الثاني مقار في مؤلَّفه، الذي حاولتُ عرضه بإيجازٍ في هذه المقالة: «إنّ القول بألوهيّة هذا الرجل [يسوع المسيح]، لا نستند فيه إلى شهادة إنسانٍ أو إلى قوةٍ بشريّة، بل إلى شهادة الله وقوّته».

 

حواشي

https://www.abouna.org/article/100-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%84%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%83-%D9%84%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AB%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9