موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٦ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

في كل سقوط درس ثمين

بقلم :
مايكل عادل ماركو - المجر
في كل سقوط درس ثمين

في كل سقوط درس ثمين

 

أتأمل يوميا كم مرة حاول ابني أن ينهض، فسقط... ثم حاول مرة أخرى وسقط، وهكذا آلاف المرات حتى استطاع الوقوف بثبات والخطو بخطواته الأولى المتمايلة. في كل سقوط كان يتعلم شيئًا جديدًا: كيف يوازن جسمه الصغير، كيف يقوّي عضلاته الضعيفة، وكيف ينهض بإصرار أكبر.

 

كنت أراقبه بعيون ممتلئة بالتأمل والحنان الأبوي، فبدأت أرى في طفلي مرآة حية لحياتي الروحية. تذكرتُ كم مرة سمح الله لي أن أسقط في بعض المواقف والتجارب الصعبة. ليس ليسبب لي الآلم، بل لأتعلم كيف أنهض من جديد وأسير نحو مرحلة أعمق في علاقتي به. شعرتُ بدموع الامتنان تترقرق في عينيّ وأنا أدرك أن سقوطاتي لم تكن عقابًا، بل دعوة رقيقة إلى النمو والنضج الروحي.

 

ولاحظتُ أمرًا مؤثرًا جدًا، كلما سقط ابني أمامي، كنتُ بجواره على الفور. أحميه من أي أذى جسدي قد يؤلمه، وأحيطه بذراعيّ أحيانًا من كل جانب ليشعر بالأمان التام وهو يحاول النهوض مرة أخرى. في تلك اللحظات بالذات فهمتُ، بقلب أب ينبض بالحب، كيف يعاملنا الله الآب السماوي. فهو لم يتركنا لا يتركنا ولن يتركنا أبدًا. يبقى بجوارنا في كل سقوط وفي كل محاولة للنهوض. يحمينا من مخاطر لا نراها نحن، ويسمع دقات قلوبنا عندما نسقط، ويمدّ يده الرحيمة لنقوى ونكبر.

 

كم هو جميل ومطمئن أن نشعر بحماية الله الأبوية هذه! كثيرًا ما كان من الممكن أن تحدث أمور أسوأ بكثير في حياتنا، لكن يد الله كانت – وما زالت – تحرسنا برفق. نعم، يسمح لنا أحيانًا بالتجربة والسقوط، لأنه يعلم أن في ذلك نموّنا ونضجنا الروحي. فالتجربة، كما يعلّمنا التقليد الكاثوليكي، ليست للإهلاك بل للاختبار والتقوية، كما جاء في رسالة يعقوب: «احسبوه فرحًا كلما وقعتم في تجارب متنوعة، عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبرًا» (يعقوب 1: 2-3).

 

للأسف، في زحمة الحياة وسرعتها، وفي ألم التجارب، يفوت الكثيرون منا فرصة التأمل في هذه الحقيقة الدافئة. لكن من يتوقف قليلاً، ويسمح لقلبه أن يتأمل بعمق في مشاعر السقوط والنهوض، سيلمس محبة الله الغير محدودة وحمايته الرقيقة التي لا تفارقنا أبدًا.

 

أحبائي في كل مكان، إذا كنت تمرّ اليوم بمرحلة سقوط أو صعوبة في حياتك، تذكّر طفلًا صغيرًا يحاول الوقوف بكل جهده. صدقني الله ليس بعيدًا عنك. هو بجانبك، يحيطك بذراعيه الحنونة، يحميك من كل ما يمكن أن يؤذيك حقًا، ويشجعك برفق على النهوض مرة أخرى. ثق به. استسلم لحنانه الأبوي. ففي كل سقوط درس ثمين، وفي كل نهوض نمو حقيقي، وفي كل خطوة حضوره المبارك الذي يملأ القلب سلامًا.

 

أشكرك يارب، على حضورك الدائم في حياتنا،

أشكرك أيها الأب الحنون بأنك تربّينا بحنان لا يُضاهى،

وتعلّمنا من خلال أصغر أبنائنا أعمق دروس الحياة والإيمان. آمين.