موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عالم يتسارع نبضه الرقمي كأنه نهر جارف يحملنا إلى آفاق غير مرئية، وفي زمن تحولت فيه الشاشات الصغيرة إلى مرايا سحرية تعكس وجهاً آخر للوجود، وجدت نفسي - كغيري من البشر - مغموراً في تيار وسائل التواصل الاجتماعي الذي لا يهدأ. كنت قد بدأت رحلتي هذه بنصيحة أصدقاء أحبة، يحثونني على نشر فيديوهات تأملاتي الروحية عبر منصات متعددة، ليصل نورها إلى نفوس ظمأى تبحث عن معنى. فغصت في أعماق هذا العالم الافتراضي، بعد أن كان استخدامي مقتصراً على فيسبوك للتواصل مع الأسرة والأصدقاء. لكن الضرورة دفعتني أخيراً إلى خوض غمار منصات جديدة مثل "تيك توك" و"إنستغرام". وما إن خطوت خطوتي الأولى حتى انكشف أمامي عالم مذهل في تفاهته، مربك في تناقضاته: ملايين المشاهدات تُغدق على محتوى خالٍ من القيمة، بل أحياناً مخدش للحياء أو مهين للكرامة الإنسانية، كأنها سحر يجذب الأنظار إلى الوهم دون الجوهر.
أرقام لا يمكن تجاهلها
ليس هذا عالماً مغلقاً، بل ساحة مفتوحة على مصراعيها للعالم أجمع. فوفقاً لأحدث التقارير، بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً نحو 5.41 مليار مستخدم في يوليو 2025، أي ما يعادل 65.7% من سكان الأرض. أما المستخدم النموذجي فيقضي يومياً حوالي ساعتين و23 دقيقة على هذه الشبكات، ليست هذه أرقاماً عابرة، بل خريطة للوجوه التي نريد مخاطبتها بكلمة الرجاء والحق. ويبرز التحليل أن منصة يوتيوب تستحوذ على الحصة الأكبر من وقت المستخدمين، بينما يعرف الجميع شدة الارتباط بتطبيقات الفيديوهات القصيرة؛ إذ قضى المستخدمون على تيك توك أكثر من 35 ساعة شهرياً في عام 2024، مع مشاهدة أكثر من مليار فيديو يومياً. هذا الوقت الطويل يعيد صياغة الذوق والعادات والقيم الأخلاقية، كأنه ينحت النفس بأداة غير مرئية.
أما فيديوهات المقالب المؤذية أو العروض الفارغة، فتتصدر المشهد برصيد يفوق 100 مليون مشاهدة أحياناً، بينما يندر أن يحظى محتوى روحي أصيل بنصف هذا الاهتمام. بل إن أكثر فيديو مشاهدة على تيك توك - وهو خدعة سحرية بسيطة لزك كينغ - بلغ 2.3 مليار مشاهدة حتى وقت كتابة مقالي هذا.
وفي الوقت نفسه، يشهد عالم الفيديوهات القصيرة نمواً هائلاً، إذ يشكل 75% من إجمالي المشاهدات على يوتيوب، ومن المتوقع أن يسيطر على 90% من حركة الإنترنت بحلول نهاية 2025. أما في المنطقة العربية، فيقضي نحو 80% من الشباب أكثر من ثلاث ساعات يومياً على هذه المنصات. هذه الأرقام ليست إحصاءات عابرة، بل شهادة على جاذبية الترفيه السطحي الذي يسلب الوقت كالسارق الخفي، محذراً منه الكتاب المقدس في رسالة أفسس 5: 15-16: «فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالْحِكْمَةِ لاَ كَغَيْرِ حُكَمَاءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ».
السقوط في الفخ
بناءً على هذه الأرقام، نرى كيف يسقط الكثيرون في فخ الشاشة المسحورة، التي تقود إلى عالم رقمي يخيل للناظر أنه حي نابض، بينما هو في الحقيقة وهم مجرد من الروح. كلما ازداد وقتنا أمامها، اشتد شعورنا بالفراغ، كأننا ندور في دائرة مفرغة: نتابع لنشعر بالاتصال، ثم نكتشف أننا أكثر انعزالاً!
لا أحد ينكر أن عالم وسائل التواصل أصبح بوصلة لا يستغني عنها الكثيرون، تمس جميع أفراد الأسرة: من الطفل الذي تفتنه أضواء الشاشات اللامعة، مروراً بالشباب والكبار المحاصرين بين خوارزميات تختطف أوقاتهم وأرواحهم، تغريهم بالمزيد كمغناطيس لا ينفك، فيدوخون في دوامة فضول لا تشبع. فكلما زادت المشاهدات، ازدادت الحاجة إلى المزيد، وحياة المشاهير اللافتة تبدو كسراب بعيد المنال.
أين المحتوى المسيحي الحقيقي؟
بعد صدمة أولى، بدأت أبحث عن محتوى مسيحي يغذي الروح، سواء بالعربية أو بلغات أخرى. لكن المفاجأة كانت مُرة، إذ وجدت شحاً ملحوظاً، أو محتوى مليئاً بأخطاء لاهوتية تنقل تعاليم مشوشة تتنافى مع التعليم المسيحي والكاثوليكي الصحيح. فنسبة الكنائس النشطة على تيك توك لا تتجاوز 10%، بينما لا يتجاوز المحتوى الديني الجاد 5% من المشاهدات.
رغم وجود صفحات قيمة مثل صفحة الفاتيكان وبعض الصفحات الكاثوليكية الإخبارية، وموقع أبونا، إلا أنها قليلة جداً. وكشخص درس اللاهوت ويعلم التعليم المسيحي، طرحت على نفسي الأسئلة التالية:
- لماذا تتوانى المؤسسات الدينية الكبرى عن استثمار هذه المنصات لنشر الإنجيل؟
- لماذا يقف المحتوى المسيحي خجولاً بينما تزهو التفاهة بأرقام خيالية؟
- ماذا ينقصنا كمؤمنين في نشر المحتوى المسيحي؟
- إذا كان الملايين يصغون يومياً إلى شاشة تتكلم، فكيف لا نسمعهم صوت الرجاء؟
- لو وجد محتوى مسيحي عميق وجذاب، هل سيقبل عليه المتابعون، أم أن عقولنا قد سحرت بالبراق الزائل فلم نعد نميز الجوهري من العابر؟
أليست وصية الرب يسوع: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ» (متى 28: 19-20) تشمل العالم الرقمي أيضاً؟ وكذلك: «اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مرقس 16: 15). فالعالم اليوم أجمع من أي وقت مضى، يجتمع في راحة الكف ووميض الهاتف.
خطوات عملية لتحرير الروح
لكسر سحر الشاشة وتحويل العالم الرقمي إلى منبر للإنجيل، أقترح خطوات عملية مستلهمة من إيماننا المسيحي وعلى ضوء تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، كأنها جسور تبني بين الوهم والحقيقة:
- أولاً، الصوم الرقمي في زمن الصوم الكبير، بتخصص يوم أسبوعي للابتعاد عن الشبكات، مكرساً الوقت للصلاة والتأمل في كلام الله، كما دعا البابا فرنسيس إلى "الدخول إلى الخلوة" (مرقس 6: 31).
- ثانياً، تحديد أوقات الاستخدام بحدود يومية مثل ساعة واحدة، مستلهماً أفسس 5: 16: «مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ».
- ثالثاً، انتقاء المحتوى بحكمة، اختيار ما يعكس القيم المسيحية، كما يوصي 1 تسالونيكي 5: 21: «اِمْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ».
- رابعاً، إنشاء محتوى إيماني، نشجع الشباب على إنتاج مقاطع قصيرة تحمل شهادات إيمان، مستلهمين الطوباوي "كارلو أكوتيس" الذي استخدم الإنترنت لنشر معجزات الإفخارستيا.
- خامساً، التعاون الكنسي لتكوين فرق إنتاج محترفة، متوازنة بين العمق اللاهوتي وجمال العرض، كما في مرسوم Inter Mirifica للمجمع الفاتيكاني الثاني.
لا يكفي أن نلعن الظلام، بل يجب أن نضيء شمعة. التحدي ليس فردياً فحسب، بل مسؤولية مشتركة. ويجب نفعل رسالة البابا فرنسيس في "فرح الإنجيل"، بعمل خطة استراتيجية توازن بين العمق اللاهوتي وجمالية العرض.
كما على الأفراد دورا في تسخير مواهبهم - كتابية أو فنية أو تحليلية - لصنع محتوى يعلي كلمة الحق. هكذا على الكنيسة دورا في التوعية الروحية لتعليم المؤمنين استخدام هذه الوسائل بوعي، كما يذكرنا الكتاب: «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ» (1 كورنثوس 6: 12). وتوجيه مواهب الشباب لخدمة رسالة الفرح.
الختام
يا رب، أعطِ حكمة وقوة لكل من يحمل رسالتك في هذا العصر الرقمي.
اجعلنا - أفراداً ومؤسسات - جسوراً للخير في عالم يئن تحت وطأة الفراغ.
ساعدنا أن نحرر أنفسنا وأولادنا من سحر الشاشة الزائف،
لنعيش عميقاً في ملكوتك غير المنظور، مليئين بروح الحق والمحبة.
فلنبدأ اليوم بخطوة واحدة، نحو عالم رقمي مشبع بروحك الإلهية!