موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نجدد في هذا اليوم صلتنا بتاريخنا ورسالتنا ومصيرنا، فالعلم مسيرة من التأسيس والبناء، وعنوانُ سيادةٍ صاغتها الإرادة الهاشمية، وعبّر عنها الأردنيون جيلاً بعد جيلٍ بالثبات والوفاء والعمل.. ومن ثم فإن الوقوف أمام الراية الأردنية في يومها الوطني هو وقوفٌ أمام معنى الوطن ذاته؛ ذلك المعنى الذي يتجاوز الجغرافيا إلى الوجدان والرمز إلى المسؤولية والاحتفال إلى الالتزام.
وحين جعل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين (حفظه الله ورعاه) العلم جزءًا من خطاب الدولة الراسخ، القائم على الاعتزاز بالهوية والتشبث بالثوابت والإيمان بأن قوة الأردن تنبع من وحدته الداخلية ومن تلاحم قيادته وشعبه ومن وفائه لتاريخه ورسالة الهاشميين فيه، أضفى عليه عمقًا وطنيًّا متجذرًا، وفي خطاب جلالته تتجلى هذه الراية الأردنية علامةَ صمودٍ واستمرار؛ تستحضر سيرة وطنٍ عرف كيف يحفظ كرامته في وجه التحديات، وكيف يصوغ من محدودية الموارد اتساعًا في الأثر، ومن صعوبة الظروف قدرةً على الإنجاز، ومن قسوة الجغرافيا طاقةً على التماسك والعطاء، فغدا علمنا في الرؤية الملكية مرآةً للكرامة الوطنية، وصيغةً بصريةً لوحدة المصير، وتعبيرًا عن دولةٍ تؤمن بأن احترام رموزها هو جزء من احترام ذاتها وتاريخها ومستقبلها.
من موقعي مدرّسةً في الدبلوم العالي لإعداد المعلمين في الجامعة الأردنية، أجد أن يوم العلم يحمل قيمةً تربويةً ومعرفيةً لا تقل شأنًا عن قيمته الوطنية، فالأردنيّة مؤسسةُ الوعي وصانعة النخبة تضيف إلى المعرفة الحس المدني، وتغرس المفاهيم التي تمكّن الطالب من ربط العلاقة بين الهوية والمعرفة، وبين الانتماء والكفاءة، وبين الرمزية الوطنية والسلوك العملي. أما إعداد المعلمين، فهو في جوهره إعدادٌ لحملة رسالة؛ لأن المعلم هو الذي ينقل إلى الأجيال معنى الوطن في صورةٍ قابلةٍ للعيش والممارسة. والاحتفاء بالعلم ينبغي أن يكون مناسبةً لترسيخ القيم التي تصنع المواطن الواعي: الاحترام، والمسؤولية، والالتزام، والاعتزاز بالهوية، والكفاءة على تحويل الانتماء إلى عملٍ نافعٍ منتج.
إن رايتنا الأردنية، بما تحمله من ألوانٍ ودلالات، تلخص سيرة أمةٍ آمنت بأن الاستقرار يُصنع؛ وأن السيادة تُصان بالمواقف... شاهدةٌ على الثورة العربية الكبرى، وعلى الامتداد الهاشمي، وعلى التجذر التاريخي لرسالة الأردن في محيطه العربي والإقليمي... فيغدو يوم العلم دعوةً صريحة إلى مراجعة علاقتنا بالوطن: كيف ندرسه؟ كيف نعلّمه؟ كيف نغرس رموزه في الناشئة؟ وكيف نحوّل هذا الرمز الوطني الكبير إلى طاقةٍ أخلاقيةٍ وتربويةٍ ترفد المدرسة والجامعة والمجتمع؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكون بوعينا وبوعي طلبتنا بانيي الإنسان، وفي إحياء هذا الموعد السنويّ مع الذاكرة والضمير، فالأوطان لا تحفظها الرايات بقدر ما تحفظها العقول المؤمنة، والقلوب الوفيّة، والأيدي العاملة، والنفوس التي ترى في خدمة الأردن شرفًا، وفي الدفاع عن رموزه عهدًا لا يسقط.
وفي هذا اليوم المجيد، نقف جميعًا أمام العلم الأردني وقفة إجلالٍ واعتزاز، مؤمنين بأن هذه الراية ستظل عاليةً ما دام في الأردن من يحملون الأمانة بصدق، ويستمدون من القيادة الهاشمية الحكمة والثبات، ويترجمون حب الوطن إلى فعلٍ نافعٍ وإنجازٍ مستمر، وسيبقى العلم الأردني، في سماء هذا الوطن، شاهدًا على تاريخٍ لم ينكسر، ورسالةٍ لم تضعف، ودولةٍ تعرف أن المجد الحقيقي يُصان بالوعي والعمل والوحدة.
عاش الأردن حرًا عزيزًا، وعاش علمه خفاقًا في عليائه، وحفظ الله جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ووفّقه لما فيه خير الوطن ورفعة أبنائه.