موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٢ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

عظة الأحد الرابع والعشرين من الزمن العادي – السنة أ

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عظة الأحد الرابع والعشرين من الزمن العادي – السنة أ

عظة الأحد الرابع والعشرين من الزمن العادي – السنة أ

 

إن الموضوع المهيمن في هذا الأحد هو بلا شك الغفران، أكان ذلك الذي نقبله أم الذي نمنحه. فبعد تلاوة "المجد لله في العلى"، طلبنا من الله، من بين أمور أخرى، "قلباً أكبر من كل إساءة"، وذلك لتذكير العالم بـ "حبه الذي لا يُقاس". أفليس الغفران قبل كل شيء مسألة حب؟

 

لقد وُصّي بالغفران منذ العهد القديم. كان على اليهودي التقي أن يستبعد من مفرداته وممارساته "الحقد"، "الغضب"، "الانتقام"، و"الغيظ"، ليتخذ مواقف مختلفة تماماً: "الغفران"، "الرحمة"، "تذكُّر العاقبة والفساد والموت"، "عدم البغض"، "الكف عن العداوة"، "الشفاء"، "التضرع من أجل الخطيئة"، "الثبات على الوصايا"، "تذكُّر الأحكام"، "تذكُّر عهد العلي"، و"التغاضي عن الإهانة ".

 

كم هي مطمئنة ومبعث فرح كلمات المزمور: "هو الذي يغفر جميع آثامك، ويشفي جميع أمراضك، يفتدي من الهوة حياتك، ويكللك بالرحمة والرأفة"! عندئذ ينفجر المؤمن بإنشاد البركة والامتنان لله: "باركي يا نفسي الرب، وكل ما في داخلي اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي جميع إحساناته".

 

علاوة على ذلك، في حجنا الأرضي نحو الملكوت نحتاج إلى نقاط ثابتة وضمانات. وفي هذه المرة أيضاً يأتي القديس بولس لينوّرنا: نحن لا ننتمي إلى أنفسنا ولا لأي شخص آخر، بل للرب، في حياتنا وموتنا، لأنه بذل حياته ليعطينا الحياة الحقيقية، الحياة الأبدية، التي تبدأ يوم معموديتنا: "وهذه هي الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح" (يوحنا 17، 3).

 

قبل الاستمرار في تأملنا في الإنجيل، لنتذكّر أننا في ختام "الحياة في الكنيسة" لمتّى (الفصل 18).

 

يختار السيد له المجد في كثير من الأحيان تعليم مستمعيه، ونحن منهم، من خلال الأمثال لتسهيل الفهم ولدفعنا إلى البحث عن المعنى العميق للمثل.

 

اليوم أيضاً، "يخطف بطرس المشهد" ، متقدماً ليسأل كم مرة يجب أن يغفر لأخيه إذا خطئ إليه. وسؤاله هو بالتأكيد سؤالنا أيضاً. لنتذكّر أنّ الإجابة التساؤلية التي يقدمها موجودة في سفر التكوين: "إنه ينتقم لقاين سبعة أضعاف، وأمّا للامك فسبعة وسبعين" (4، 24). يُبنى مثل الخادم القليل الشفقة على تناقض كمّي حاد بين الدينين: الأول لا يمكن دفعه ويدل على ديننا أمام الله؛ والثاني يمثّل الخطايا المتبادَلة بيننا. هذا التباين له وظيفة بلاغية. يغدو الغفران الأخوي معياراً أُخروياً ومقياساً لأصالة علاقتنا بالله.

 

"سبع مرات": نلاحظ دائماً ميلنا إلى وضع حدود للأشياء، وتحديد نهايات. بالنسبة للحب، لا توجد حدود، بل آفاق فقط. إن الغفران سبع مرات، بالنسبة لبطرس كما بالنسبة لنا، يبدو بالفعل سخاءً زائداً عن اللزوم. يمكن فهم سؤال الرسول بطرق مختلفة: إلى متى سأتألم؟ لماذا يجب أن أكون دائماً أنا من يبدأ بالخطوة الأولى؟ متى سيفهم الآخر؟ بالتفكير في العلاقات الجدلية، والأشخاص الذين يكررون الخطأ نفسه، والجراح التي يصعب أن تلتئم، والندوب التي تبقى، ربما كنا نتوقع إجابة مختلفة من يسوع. وبدلاً من ذلك، يروي لنا مثلاً يتطلب تفكيراً متأنياً في خياراتنا.

 

إنّ تلك "المائة دينار" مقارنة بـ "العشرة آلاف وزنة" هي حقاً شيء ضئيل جداً. ولكنها موجودة! ونحن أيضاً نطالب بالتعويض عنها: الخيانات، الإساءات التي نتلّقاها، المظالم التي نتعرض لها، الإهانات المجانية، والأكاذيب التي سمعناها كثيراً.

 

أمام كل هذا، نجد صعوبة في تذكُّر كم غفر لنا الله وكذلك كم سامحنا الآخرون ولم يدينوننا قط، وكم ساعدونا ووقفوا إلى جانبنا وكانت لديهم دائماً كلمات طيبة لنا.

 

ناسياً الغفران الكريم الذي حصل عليه، يظل ذلك الخادم راسخاً بكل ما فيه  في ذكرى الظلم الصغير الذي تعرض له. نعم، إنه لأمر صعب أن نغفر، ولكن في الحياة يصبح الغفران ضرورياً حتى لا نتشبث بمواقفنا، ولا نجتر أفكارنا، ولا نغذيها بالشر، ولا نستهلك طاقتنا في تخطيط الانتقام. يساعدنا الغفران على المضي قُدماً ومنح الأمل لحياتنا ولحياة الآخرين.

 

لا يعني الصفح القول بأن "شيئاً لم يحدث". لا يطلب منا يسوع إنكار الألم أو الخيبة أو الغضب، بل تجنُّب أن تصبح هذه الأمور هوسًا ووسواسًا، وبالتالي مصدر ضرر شديد لنا. يكون الغفران ممكناً عندما يسكن الحب في القلب، ويذهب العقل لبناء السلام.

 

لهذا السبب، أختارُ ألا أستخدم خطأ قريبي ضده، ولن أسمح للشر الذي تلقيته أن يولّد شراً له أو لغيره.