موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كثيرًا ما نقول عن قريب أو جار أو صديق: "هنيئًا له لإنه محظوظ!" لذا، فإن السؤال الذي نطرحه هو: "مَن هو بالنسبة لنا الشخص المحظوظ، ومَن هو بالنسبة ليسوع؟
أعتقد أننا نعتبر محظوظًا وبالتالي مستحقّا التهنئة من يتمتع بصحة جيدة، ومن يملك مظهرًا جميلًا وشخصية جذابة، ومن يملك بيتًا رائعًا، ومن لا يعاني من مشاكلَ مادية، ومن لديه راتب أو تقاعد يضمن له ألا يفقد نومه قلقًا على كيفية الوصول إلى آخر الشهر. علاوة على ذلك، وحتى نواكب العصر، يمكننا أن نضيف أنّ المحظوظ هو من لديه متابعون كثر على وسائل التواصل الاجتماعي ومن يتلقى الكثير من "الإعجابات".
أظن كذلك، دون ادعاء حصر قائمة المحظوظين، أننا نعتبر محظوظا من يملك ما لا نملكه نحن، أي ما ينقصنا، بغض النظر عن ماهيته: قد يكون الصحة، أو المال، أو سلام النفس، أو استقرار العائلة، وهكذا دواليك.
أما يسوع، فلديه قائمتُه الخاصة للمحظوظين أو المطوَّبين. ها هم:
· المساكين بالروح.
· الحزانى.
· الودعاء.
· الجياع والعطاش إلى البر.
· الرحماء.
· أنقياء القلب.
· صانعو السلام.
· المضطهدون من أجل البر.
· الذين يُعيَّرون ويُضطهدون ويُقال عليهم كل كلمة سوء كذبًا من أجل يسوع.
ويبدو أن الأكثر حظًا هم المضطهدون: "افرحوا وابتهجوا:إن أجركم في السماوات عظيم" (متى 5: 12).
نحن بالتأكيد لدينا أسبابنا في وضع قائمتنا للمحظوظين. وليسوع أيضًا أسبابه، وهي:
· المساكين بالروح: لأن لهم ملكوتُ السماوات.
· الحزانى: لأنهم يُعزون.
· الودعاء: لأنهم يرثون الأرض.
· الجياع والعطاش إلى البر: لأنهم يُشبعون.
· الرحماء: لأنهم يُرحمون.
· أنقياء القلب: لأنهم يعاينون الله.
· صانعو السلام: لأنهم أبناء الله يدعون.
· المضطهدون من أجل البر: لأن أجرهم عظيم في السماوات.
ولكن ربما تودون طرح السؤال التالي: لماذا يختلف يسوع عنا دائمًا، ولماذا رؤيته للأشخاص والأمور غالبًا ما تختلف عن رؤيتنا؟
هناك أسباب عدة، منها:
· نحن ننظر إلى المظاهر، بينما الله ينظر إلى الجوهر.
· نحن غالبًا ما نركّز أنظارنا على الأشياء المنظورة، وهذه تدوم إلى حين؛ أما يسوع فيعرض علينا الأشياء غير المنظورة، وهي أبدية.
· العبارة القاطعة في الكتاب المقدس: "باطل الأباطيل، كل شيء باطل" (سفر الجامعة 1: 2).
· ثم لا يغيبنّ عن بالنا هذا الإعلانُ الإلهي: "فإنّ أفكاري ليست أفكارَكم، ولا طرُقكم طرقي، يقول الرب. كما تعلو السماوات عن الأرض كذلك طرقي تعلوعن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم" (أشَعْيا 55: 8-9).
لقد لفت انتخابُ راهب أغسطيني للبابوية، في شخص الكاردينال روبرت بريفوست، الانتباه إلى ملفان الكنيسة العظيم الذي تستند إليه الرهبنة الأغسطينية: القديس أغسطينوس، أسقف هيبون (القرن الرابع-الخامس).
بالنسبة للقديس أغسطينوس، تشكّل التطويبات سُلمًا حيث ترتكز كل درجة على التي تسبقها، فتقودُ الإنسان من تواضع المخافة إلى سلام الحكمة.
إليكم اقتباسًا قصيرًا منه حول كل تطويبة:
· المساكين بالروح: "يُقصد بالمساكين بالروح المتواضعون والذين يخافون الله، أي الذين ليس لديهم روح منتفخة بالكبرياء". الدرجة هي التواضع.
· الودعاء: "هم الذين يستسلمون أمام الشرور ولا يقاومون الشر، بل يغلبون الشر بالخير". يشرح أغسطينوس أن ّالوديع هو من لا يتمرد على الكتب المقدسة حتى عندما توبخه. الدرجة هي التقوى.
· الحزانى: "البكاء هو لمن فقدوا ما أحبوه من أمور العالم... ولكن من يتجه إلى الله يفقد ما كان مائتًا ليجد ما هو أبدي". إنه الحزن على البؤس الروحي الذاتي. الدرجة هي العلم.
· الجياع والعطاش إلى البر: "يجوع ويعطش إلى البر أولئك الذين لا يكتفون بالخيرات الأرضية، بل يسعَون بشوق إلى الطعام الوحيد الذي يُشبع النفس حقًا: مشيئةِ الله". الدرجة هي القوة.
· الرحماء: "طوبى لمن يُسعفون البائسين، لأنهم سيُنالون الرحمة بحيث يتحررون من بؤسهم من خلال غفران الله". يؤكد أغسطينوس أن الرحمة هي "أخذ وعطاء" روحي. الدرجة هي المشورة.
· أنقياء القلب: "أنقياء القلب هم الذين يملكون عينًا داخلية بسيطة وحرة من كل شهوة عالمية، لكي يتمكنوا من تثبيت نظرهم على ما هو غيرِ منظورٍ وإلهي". الدرجة هي الفَهم.
· صانعو السلام: "هم الذين يسود فيهم النظام ولا تمردَ فيهم على العقل، بل تكون كلَُ أهوائهم خاضعةٌ للروح، كما يخضع الروح لله". الدرجة هي الحكمة.
· المضطهَدون من أجل البر: "هذه الجملة الثامنة تعود إلى البداية، لأنها تشير إلى الكمال المُنجَز... وهي الدليل على أن التطويباتِ السبعة الأخرى متجذرةٌ بعمق في النفس". الدرجة هي الختم.
أيها الإخوة والأخوات، لنصحح قائمة المحظوظين لدينا بناءً على المطوَّبين من قِبل يسوع. لن يكون الأمر سهلاً، ولكن لنبذل كل جهد مستطاع بإرادة طيبة، لأن هذا هو طريق السعادة الحقيقية في هذه الحياة وفي الحياة الآتية على ما وعد السيد له المجد، ووعده لا يخيب أبدًا.