موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
"تجرّد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله إلى العُلى ووهب له الإسم الذي يفوق جميع الأسماء" (فيلبي 2: 7-9).
ما أكده القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي يلخّص سر فصح يسوع في تواضع الآلام والموت، وفي تمجيد القيامة. هناك أيضًا "الأبطال": الآب بمشيئته الخلاصية، والإبن الذي يطيعه، ونحن كمتلقين للخلاص الذي حققه المسيح.
كم من الأشخاص ذكرهم متى في روايته لآلام الرب! كم من الأحداث والمواقف! كنا نحن أيضًا هناك كخطأة بحاجة إلى الخلاص، ولا نزال موجودين من خلال الاستجابة التي نقرر تقديمها للحب الذي يظهره يسوع لنا.
إن التناقض بين حماس "أحد الشعانين" ومأساة "الجلجلة" يستدعينا بعمق. إنه الجمع الذي كان يهتف أولاً: "هوشعنا"، هو عينه الذي بعد وقت قصير يصرخ: "إصلبه".
نحن موجودون أيضًا بخياناتنا، حتى لو لم تصل إلى مستوى خيانة يهوذا. ولكن كيف لا نفكر في أولئك الذين يتخلون عن الإيمان والكنيسة بسبب علمانية مفرطة، أو عدم مبالاة، أو مصالح مادية، أو بسبب الزواج من شخص من دين آخر. بالطبع، الشخص الذي يتصرف بهذه الطريقة يجب احترامه دائمًا، مع أننا لا نتفق معه في قراره.
نحن أيضًا، على الأقل في بعض الأحيان، ننكر الرب بطريقتنا الخاصة، كما فعل بطرس.
في آلام يسوع، لوحظت الكثير من حالات الصمت الآثم من جانب أولئك الذين كان عليهم التحدث دفاعًا عن الحق وبالتالي عن براءة يسوع، لكن الأمر لم يكن كذلك للأسف. يحدث لنا أيضًا أن نلجأ إلى صمت متواطئ.
لقد أصبح "غسل اليدين" الذي قام به بيلاطس رمزًا لمن يتخلى عن تحمل مسؤولياته من خلال اتخاذ مسافة منافقة، لإنقاذ نفسه ومسيرته المهنية.
ولكن أكثر من بيلاطس، وكما أشار يسوع نفسه، فإنّ رؤساء الكهنة وكل الطبقة الدينية هم المسؤولون بالدرجة الأولى، لأنهم أرادوا موت يسوع خوفًا من شخصه، ومن تعليمه الجديد والمعجزات التي كان يصنعها تأكيدًا لرسالته الإلهية.
ولكن هناك أيضًا وفاء، وعرفان بالجميل، ورقّة من جانب أشخاص كثيرين تجاه يسوع: فيرونيكا، والنسوة التقيات، ويوسف الرامي، واللص التائب، وخاصة أمه والتلميذ الذي كان يحبه.
في آلام يسوع، يسطع أيضًا نور أفعال المحبة والوفاء والرجاء. في يسوع الذي يسلم نفسه، نرى وجه الله الذي لا يتراجع، بل يدخل في المعاناة الإنسانية، بما في ذلك معاناة كل منا، ليفديها.
من المهم ألا نبقى متفرجين، بل أن ندخل في السر الفصحي لنتعرف على أنفسنا في شخصيات الرواية، ونسمح لقلوبنا بأن تُلمس، ونتغير، ونتوب، أي نعود إلى الله بكل قلوبنا.
فلنظهر ليسوع بوادر الحب والصداقة، مفكرين فيه أكثر مما نفعل عادةً. لنذهب لزيارته في الكنيسة، حيث هو حاضر وينتظرنا.
لنممسح وجهه ونحمل صليبه لجزء من الطريق في الأشخاص المتألمين والمحتاجين إلى المساعدة.
لنبكِ على خطايانا مثل بطرس، ولنعترف بأننا خطأة مثل اللص التائب. في هذه الأيام المقدسة، من المناسب بشكل خاص التقدم لنيل سر المصالحة، الذي تخلى عنه للأسف البعض منا.
لنقبل كلمة الخلاص بقلب مفتوح، مستعدين لاتباع الرب في طريق الصليب، واثقين أنها ليست الكلمة الأخيرة في تاريخ الإنسان، بل تنفتح على رجاء القيامة.
إن صمت يسوع أمام الاتهامات الباطلة الموجهة إليه لا يدهش بيلاطس فحسب، بل يدهشنا نحن أيضًا. إنه صمت "الحق" الذي يترك المجال لـ "حقائقنا" البائسة. هناك أيضًا تضحيته القصوى على الصليب وتسليمه الكامل للآب، الذي بين يديه "يودع" روحه: إنه الصمت العظيم الذي يتبع "تَمّ كل شيء" (يوحنا 19: 30)، حيث كل شيء قد أُحِبَّ وفُدِيَ.
أود أن أختم بكلمات البابا فرنسيس، في تعليقه على آلام الرب في إنجيل متى، الذي سمعناه للتو: "... ماذا يمكننا أن نفعل أمام الله الذي خدمنا حتى اختبر الخيانة والترك؟ يمكننا ألا نخون الغاية التي خُلقنا من أجلها، وألا نتخلى عما هو مهم. نحن في العالم لنحبه تعالى ونحب الآخرين. الباقي يمضي، وهذا يبقى. المأساة التي نمر بها تدفعنا لأخذ ما هو جدي على محمل الجد، وألا نضيع في أمور تافهة؛ لنكتشف من جديد أن الحياة لا تنفع إن لم نَخدم. لأن الحياة تُقاس بالحب. لذا، في هذه الأيام المقدسة، في بيوتنا، لنقف أمام المصلوب، مقياس حب الله لنا. أمام الله الذي يخدمنا حتى بذل حياته، لنسأل نعمة العيش من أجل الخدمة. لنحاول إغاثة من يتألم، من هو وحيد ومحتاج. لا نفكر فقط فيما ينقصنا، بل في الخير الذي يمكننا فعله".