موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣١ مارس / آذار ٢٠٢٦

عبور القديس فرنسيس (أيقونة القيامة)

بقلم :
الراهب بولس رزق الفرنسيسكاني - مصر
عبور القديس فرنسيس

عبور القديس فرنسيس

 

نحن اليوم نعيش الذكرى المئوية الثامنة لعبور القديس فرنسيس. وأول من استخدم هذا المصطلح (عيد الفصح والعبور) هو الكاتب في بداية القرن الثاني، فيلون الإسكندري: "عيد الفصح هو عبور، من كل شهوة وكل ما هو حسي، والعبور من الرذائل إلى الفضائل، من الحسي إلى الروحي، من العالم إلى الله، ومن العالم المادي إلى الأسرار". الفصح هو العبور باللغة العبرية.

 

وهكذا انطبعت حياة القديس فرنسيس بخبرة القيامة، وهي مركز أساسي في حياته الرهبانية والتبشيرية، لذلك انطلق من خبرة القيامة إلى العالم أجمع في إعلان يسوع المسيح القائم من بين الأموات. إذن، خبرة القديس فرنسيس في العبور هي انتقال من العبودية إلى الحرية، ومن الظلمات إلى النور. وفي صلاته أمام المصلوب يقول: "أنر ظلمات قلبي". إنه انتقاله من الموت إلى الحياة، ومن الاستبداد إلى الملكوت.

 

والحديث عن العبور عند القديس فرنسيس الأسيزي وعلاقته بسر القيامة، يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من مجرد كلمات، لأنه عاش هذا السر بجسده وروحه، فكان "أيقونة" حية للإنجيل. فالقديس فرنسيس هو أيقونة العبور في قلب يسوع، وقد جعل من صلاته وتأملاته ورسالته الدخول في قلب يسوع، وعلاقته لم تكن فكرية بل كانت علاقة قلب وروح وجسد. بهذا المعنى هو أيقونة تظهر أن الدخول إلى قلب يسوع لا يعني الانعزال عن العالم، بل على العكس كان يرى العالم بعين يسوع، ومن هنا نرى نشيد المخلوقات بعيون نقية.

 

يقول الكاتب رانييرو كنتالاميسا في كتابه "أربعة أزمنة للفصح": "إذن عيد الفصح وُلد بالجسد السري كنبتة قمح في قبر المخلص". عيد الفصح أو معنى آخر هو عيد العبور، وهو نتيجة الصدى المباشر للتجسد. ويقول العلامة أوريجانوس: "عندما تكلم عن مراحل خروج شعب بني إسرائيل من مصر التي تتضمن اثنتين وأربعين محطة، وكذلك مجيء السيد المسيح إلى العالم (مت 1: 17) تلك الاثنتان والأربعون محطة، ونجعل من أول محطة لنا هي آخر محطة له: ولادته من رحم العذراء مريم. ويبدأ سر عيد الفصح بالإيمان بالتجسد". لذلك كان لدى القديس فرنسيس هذا الوعي الكامل بسر التجسد، وهذه هي المحطة الأولى التي احتفل بها، وهذا الاحتفال فريد من نوعه في ذلك العصر. وعندما تأمل في مغارة بيت لحم، كان يشتعل بداخله نار الحب الإلهي، وكان قلبه مفعماً بالغيرة الرسولية والعمل، وأن يعيش خبرة الرعاة والمجوس حيث اختبروا ورأوا الحب الإلهي المتجسد، أي يسوع المسيح الكلمة، والعهد الذي قطعه الله مع شعبه المختار، وهذا العهد اكتمل في يسوع المسيح الابن الكلمة وتحقيق كل نبوءات العهد القديم.

 

اللاهوت الفرنسيسكاني يؤسس لفكرة أن العالم ليس مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل هو "أخ" يحمل بذرة القيامة. عندما كان فرنسيس ينادي في "نشيد المخلوقات"، أو عندما كان يعتني بالأبرص، لم يكن مجرد شاعر طبيعة، بل كان يشارك في تسبحة لله، وكان عبوراً من رؤية العالم كمادة ميتة، إلى رؤيته كأخ يشاركنا في تسبيح الخالق. هذا هو تمهيد للقيامة: المادة تدخل في مجد الله.

 

العبور عبر الجسد (الجراحات المقدسة): الحدث الأعظم في حياة فرنسيس هو استقباله لجروحات السيد المسيح على جبل لا فرنا. هذا ليس مجرد حدث فائق الطبيعة فقط، بل هو سر اتحاد حب بين يسوع والقديس فرنسيس. وقد أراد أن يتحد بآلام المسيح، لكن الهدف النهائي لهذا الاتحاد هو القيامة. جراحات فرنسيس هي "جراحات قيامية"، تشبه جراح المسيح بعد القيامة التي احتفظ بها كعلامة انتصار. إنه العبور من حب الذات إلى التخلي التام عن الجسد، ليصير الجسد نفسه ناطقاً بإنجيل المسيح. والفقر ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو "سر وجودي". القديس فرنسيس عاش خبرة الموت عن العالم لكي يقوم فيه المسيح وحده. وحين خلع ثيابه أمام الأسقف، كان هذا "موتاً" عن هويته القديمة. وهذا التخلي أي العبور من عالم أرضي إلى عالم القداسة، حين قام من هذا التجريد، صار يملك كل شيء لأنه لا يملك شيئاً. هذه هي ديناميكية القيامة: نموت عن الزمني لنقوم في الأبدي. ونحن نعبر إلى الله الذي يبقى ولا يزول، بدلاً من أن نعبر مع العالم الذي يزول.

 

العبور عبر الألم: التعليم الشهير لفرنسيس عن الفرح الكامل يقول إنه ليس في المواهب أو الكرامات، بل في احتمال الإهانة والألم بصبر. هذا هو قلب سر القيامة: والصليب هو باب المجد. الفرنسيسكاني الحقيقي هو من يختبر في أعماق اليأس البشري حضور الله القائم من بين الأموات. وعندما كان يعاني آلام الموت الجسدية، كانت ذروة لاهوته القيامي. في لحظة ضعفه الجسدي الكامل (الموت)، كان قوياً بالإيمان والتسبيح. في نهاية النشيد يتحدث عن "أخينا الموت الجسدي"، لكنه يحول الموت من نهاية مأساوية إلى أخ يدخل بالإنسان إلى بيت الآب.

 

الفصح هو إذن عبور، ولكنه عبور ناتج عن الآلام، كما كان عبور اليهود من العبودية إلى أرض الموعد قد تحقق من خلال ذبح الحمل. وعند القديس فرنسيس هو عبور من عالم الظلمة إلى عالم النور في قلبه. هكذا كان "عبور" القديس فرنسيس في هذه الحياة هو تحقيق عملي لسر الفصح: "نموت عن الخطيئة والعالم القديم"، لنقوم كخليقة جديدة نعيش في شركة مع كل المخلوقات وننتظر القيامة النهائية.

 

أسسيات العبور كتبها لنا القديس فرنسيس في وصيته: "أعطاني الرب أن أبدأ بالتوبة... أعطاني الرب إخوة... كشف لي العليّ بنفسه أنه يجب عليّ أن أعيش وفقًا لتعاليم الإنجيل المقدس". لم يكتفِ بتلقي الهبات الإلهية، بل اختار أيضًا ردّها. لذلك، اليوم، وبعد مرور 800 عام، نحتفل نحن، كعائلة فرنسيسكانية، بهذه الذكرى المئوية الثامنة، التي تدعونا إلى العيش وفقًا لمنطق المحبة، والتي تصبح عطاءً وردًّا للعطاء. كانت حياة القديس فرنسيس بأكملها رحلة تخلي، التخلي عما بدا ضروريًا لاكتشاف أن الله وحده كافٍ. وقد بلغت رحلة إنكار الذات هذه ذروتها في لقائه بالموت، الذي استقبله لا كعدو، بل كأخت تقوده إلى حضن المسيح.

 

وفي عالمٍ تسوده الحروب والعنف والإقصاء والأزمات البيئية، يذكّرنا قداسة البابا فرنسيس بأن الموت ليس له الكلمة الأخيرة. إن قبوله كأخٍ لا يعني تمجيد المعاناة، بل يعني العيش متصالحين مع حدودنا البشرية، منفتحين على رجاء القيامة، ومتعلمين حب الحياة بكل أشكالها.

 

عبور وحياة القديس فرنسيس يجذبان الآخرين. على سبيل المثال، سيمون ويل تقول: إنها انجذبت إلى القديس فرنسيس منذ اللحظة الأولى التي سمعت عنه فيها. في عام ١٩٣٧، خلال رحلة إلى أسيزي، في كنيسة سيدة الملائكة، حدث أمر غير متوقع. ولأول مرة - وهي التي لم تفكر قط في مسألة الله - شعرت برغبة جامحة في الركوع للصلاة. ومع ذلك، فإن ما أثار اهتمام سيمون ويل ووجه تفكيرها لم يكن مذهب فرنسيس بقدر ما كان اختياره لنمط حياته، ومثاله العملي. ترى سيمون ويل أن القديس فرنسيس يمثل نموذجًا للحياة الإنجيلية. تكمن أهميته في اختياره الجريء لعيش الإنجيل دون نصوص، دون أي مساومة. هذا ما جعله نموذجًا للحياة يتمتع بجاذبية قوية حتى بين عامة الناس. فالعبور عند القديس فرنسيس جعله يدخل في طريق القداسة بطرق مختلفة وجديدة في ذلك الوقت. رأت في القديس فرنسيس تجسيدًا لـ "النوع الجديد من القداسة" الذي، في رأيها، كانت الأوقات التي عاشت فيها في أمس الحاجة إليه بشدة. كتبت إلى الأب بيرين: "اليوم، لا يكفي أن تكون قديسًا: ما نحتاجه هو القداسة التي تتطلبها اللحظة الراهنة. إن نوعًا جديدًا من القداسة هو شيء ينبثق فجأة، اختراع. إن القداسة الجديدة هي اختراع اسلوبًا يقربك إلى الله". كانت سيمون ويل معجبة بشدة بالقديس فرنسيس الأسيزي، لأنه اختار بحرية الفقر والتجوال لاتباع الإنجيل.