موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
٢١ثُمَّ خَرَجَ يسوعُ مِن هُناكَ وذهَبَ إِلى نَواحي صُورَ وصَيدا. ٢٢وإِذا ٱمرأَةٌ كَنعانيَّةٌ خارِجَةٌ مِن تِلكَ البِلادِ تَصيح: «رُحْماكَ، يا ربّ! يا ٱبنَ داود؛ إِنَّ ٱبنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطًا شَديدًا». ٢٣فلَم يُجِبْها بِكَلِمَة. فَدنا تَلاميذُه يَتَوَسَّلونَ إِليهِ فقالوا: «إِصْرِفْها، فإِنَّها تَتبَعُنا بِصِياحِها». ٢٤فأَجاب: «لَم أُرسَلْ إِلَّا إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِن بَيتِ إِسرائيل». ٢٥ولٰكِنَّها جاءَت فسَجدَت لَه وقالَت: «أَغِثْني يا رَبّ!» ٢٦فأَجابَها: «لا يَحسُنُ أَن يُؤخَذَ خُبزُ البَنينَ فيُلْقى إِلى صِغارِ الكِلاب». ٢٧فقالت: «نَعَم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها». ٢٨فأَجابَها يسوع: «ما أَعظَمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين». فشُفِيَتِ ٱبنَتُها في تِلكَ السَّاعة. (متى 15: 21-28)
إنَّ إنجيل هذا الأحد حسب الطقس الماروني "شفاء ابنة الكنعانية" يكشف لنا درسًا ثمينًا عن الصلاة والإيمان، من خلال لقاء يسوع بالمرأة الكنعانية. هذه المرأة الوثنية، الغريبة عن شعب إسرائيل، جاءت تصرخ من عمق قلبها : «رُحْماكَ، يا ربّ! يا ٱبنَ داود؛ إِنَّ ٱبنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطًا شَديدًا». ولكنَّ الرب، على غير عادته، صمت: «فلَم يُجِبْها بِكَلِمَة».
يا له من صمت مؤلم! كثيرون منّا اختبروا هذا الصمت في حياتهم: نصلي، ونبتهل، ونتضرع ونصرخ إلى الله، ولكن لا نسمع جوابًا البتة. أحيانًا يبدو الله بعيدًا عنا، صامتًا غريباً، وكأنّه غير مبالٍ بأناتنا. وهنا يتسرب الشك إلى أفئدتنا: فيراودنا السؤال: يا ترى هل نصلّي بالطريقة الصحيحة؟ أو بالأحرى، هل للصلاة جدوى أصلًا؟
لكن المرأة الكنعانية تعطينا اليوم درسًا عظيمًا في الايمان: بدلًا من أن تستسلم أو تكتئب أو تنصرف بخيبة أملٍ كبيرة، نجدها بقيت واقفة أمام الرب. بدلًا من أن تصمت، واصلت صلاتها، وبإلحاح أكبر «أَغِثْني يا رَبّ!» حتى عندما ردَّ يسوع بكلام صعب: «لا يَحسُنُ أَن يُؤخَذَ خُبزُ البَنينَ فيُلْقى إِلى صِغارِ الكِلاب»، لم تيأس. بل من عمق تواضعها وحاجتها، أجابت «نَعَم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها».
إنها صلاة عنيدة، مليئة بالإيمان والتواضع. ليست صلاة من يطالب بحقوقه، بل صلاة مَن على يقينٍ أنَّه لا يستحق، ومع ذلك يثق برحمة الله. وهنا ينكشف قلب يسوع «ما أَعظَمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين». فشُفِيَتِ ٱبنَتُها في تِلكَ السَّاعة.
أيها الإخوة، إنَّ هذا المشهد يذكّرنا بكلمة القديس أغسطينوس الذي يقول: »الله يُؤخِّر استجابته أحيانًا لا ليرفضنا، بل ليُدرِّب رغبتنا، فيُوسِّع قلبنا كي نستطيع أن نستقبل ما هو أعظم«.
الصلاة الحقيقية ليست أن ننال ما نريد على الفور، بل أن نثبت في العلاقة مع الله، حتى عندما يبدو صامتًا أو بعيدًا. الصلاة الحقيقية هي أن نصلي ضد كل دليل، أن نأمل ضد كل رجاء، كما فعلت تلك المرأة التي لم تتوقف عن القرع حتى فُتح لها الباب.
فلنتعلّم منها أنَّ الصمت الإلهي ليس رفضًا، بل هو مدرسة للإيمان. وأنّ الإلحاح في الصلاة ليس عنادًا بشريًا، بل هو تعبير عن ثقة الطفل الذي لا يكفّ عن التمسك بيد أبيه.
فلنرفع اليوم صلاتنا قائلين: «يا رب، حتى إن بدوتَ صامتًا، كلنا إيمان برحمتك، وإن لم نستحق خبز البنين، فنحن نكتفي بفتات محبتك، وهذا يكفينا ويروي ظمأ حياتنا«.
كما فعل أبو الآباء إبراهيم الخليل: « آمَنَ راجِيًا على غَيرِ رَجاءٍ فأَصبَحَ أَبًا لِعَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ الأُمَمِ«.
آمين.