موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنجيلي (مرقس 1: 21-28)
21 ودَخلوا كَفَرناحوم. وما إن أَتى السَّبْتُ حتَّى دَخَلَ المَجمَعَ وأَخَذَ يُعَلِّم. 22 فأُعجِبوا بِتَعليمِه، لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان، لا مِثلَ الكَتَبَة. 23 وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس، فصاحَ: 24 ((ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله)). 25 فانتهاره يسوعُ قال:( (اِخْرَسْ واخرُجْ مِنه!)) 26 فخَبَطَه الرُّوحُ النَّجِس، وصرَخَ صَرخَةً شَديدة، وخَرجَ مِنه، 27 فدَهِشوا جَميعًا حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: ((ما هذا؟ إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسةُ يأمُرُها فَتُطيعُه!)) 28 وذاعَ ذِكرُهُ لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ مِن ناحِيَةِ الجَليلِ بِأَسْرِها.
مقدمة
في الأحَد الرَّابع للسَّنة يَصف مرقس الإنجيلي سُلطان يسوع المسيح في تَعْليمه وانتصاره على روح الشَّر لدى زيارته الأولى إلى كَفَرناحوم (مرقس 1: 21-28)؛ إنَّه يظهر صاحب السُّلطان الحقيقي على حياة الإنسان
نفسًا وجَسدًا ولكلمته القوّة على الشِّر وتحرير الإنسان وتغيير حياته وإعادته إلى الملكوت القريب. وبهذا اثبت يسوع أنَّ رسالته لا تقوم على القول فحسب، إنَّما على التَّعليم العجيب والعمل المُعجز أيضًا. ومن هنا تكمن أهميَّة البحث في وقائع النَّص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولاً: وقائع النَّص الإنجيلي (مرقس 1: 21-28)
21 ودَخلوا كَفَرناحوم. وما إن أَتى السَّبْتُ حتَّى دَخَلَ المَجمَعَ وأَخَذَ يُعَلِّم.
تشير عبارة "ودَخلوا كَفَرناحوم" إلى استكمال النص السابق حول دعوة يسوع لتلاميذه الأوائل (مرقس 1: 16-20) حيث ينتقل يسوع وتلاميذه من النَّاصرة إلى كَفَرناحوم (متى 4: 12) وكانت هذه زيارة يسوع الأولى إلى مدينته الثَّانية كَفَرناحوم (متى 9: 1)؛ في حين يقول لوقا الإنجيلي أنَّ يسوع "نزَلَ إلى كَفَرناحوم" (لوقا 4: 31)، مما يدلُّ أنَّ موقعها الجغرافي أوطئ من النَّاصرة. أمَّا عبارة "كَفَرناحوم" فتشير إلى مدينة تقع على الشَّاطئ الشِّمالي الغَربي من بُحَيْرَة طَبَريَّة. وكانت من أعظم مُدن الجَليل على شاطئ طَبَريَّة (متى 4: 12)، وكان لها مكان الصَّدارة في الإنجيل؛ اختارها يسوع كمدينته (متى 9: 1) ومركزاً لنشاطه التَّبشيري الرَّئيسي في الجَليل (متى 9: 1). وصفها متى الإنجيلي كحَامية رومانيَّة (متى 8: 5)، وملتقى للطُرق وممرًّا للقوافل ومحطَّة للتُّجّار ومركزًا للجباية (متى 9: 9)؛ وكانت موطنًا للصَّيَّادين. ومنها اختار يسوع رسله الخمسة: بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا ومتى (مرقس 1: 16-20). واتَّخذها يسوع في مطلع رسالته مَقرًّا لتقديم إنجيله عن المَلَكُوت لليهود والوَثنيين. وفيها أجرى كثيرًا من المُعجزات (متى 9: 1)، وفيها عَلّم ولا سيما في مَجْمَعها الذي بناه قائد المِائة (لوقا 7: 5). واتَّخذ يسوع من المَجْمَع موضعًا للصَّلاة ومنبرًا للتَّعليم، ومثله فعل بولس الرَّسول (أعمال الرُّسُل 13: 15، 14: 1). أمَّا عبارة " وما إن " في الأصل اليوناني εὐθὺς (معناها في الحال أو للوقت) فتشير إلى تعبير مرقس الإنجيلي الذي تكرَّر 41 مرة، وهو دليل لأهميَّة كبرى. أمَّا عبارة " السَّبْتُ " في الأصل اليُوناني σάββατον مشتقة من كلمة عبرانيَّة שַּׁבָּת معناها راحة) فتشير إلى أوّل يّوم ليسوع في كفرناحوم. السبت اليوم السَّابع من الأُسبوع الذي يترك فيه يُستريح اليهود فيه بعد ستَّة أيام من العمل، كما جاء في الوصايا العشر "أُذكُرْ يَومَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَه. في سِتَّةِ أيام تَعمَلُ وتَصنَعُ أَعمالَكَ كلَّها. واليَومُ السَّابِعُ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فلا تَصنَعْ فيه عَمَلاً" (خروج 20 :9-10)، فهو يوم ٌ مكرّسٌ للرب (خروج 31 :15)؛ وذلك تذكارًا لليوم السَّابع من الخليقة " بارَكَ اللهُ اليَومَ السَّابِعَ وقَدَّسَه، لأَنَّه فيه اَستَراحَ مِن كُلِّ عَمَلِه الَّذي عَمِلَه خالِقًا" (تكوين 2: 3) ويُعلن يسوع "أن السَّبتَ جُعِلَ لِلإِنسان، وما جُعِلَ الإِنسانُ لِلسَّبت" (مرقس 2: 27). ويُعلق القدّيس أمبروسيوس " لقد بدأ الرَّبّ يسوع القيام بالشِّفاء في يومَ سبتٍ، للدَّلالة على أنّ الخليقة الجديدة تبدأ حيث توقّفت الخليقة القديمة مُشدِّدًا منذ البدء على أنّ ابن الله ليس خاضعًا للشَّريعة، بل هو فوق الشَّريعة، وأنّه لم يأتِ ليُبطل الشَّريعة بل ليُكمِّلها (متى 5: 17) " (تعليق على إنجيل القدّيس لوقا 4: 57). ولم يجرِّد المسيح يوم السَّبْت من قيمته كيوم للعِبادة، فقد ذهب إلى المَجْمَع للصَّلاة في يوم السَّبْت، ولكنَّه كان يصنع المُعجزات في يوم السَّبْت، لأنَّه ربُّ السَّبْت (مرقس 2: 28)، لأنَّه كان يريد أن يكون يوم السَّبْت يوم الخدمة وعمل الرَّحمة. ومن هذا المنطلق، يوم السبت في إنجيل مرقس له أهميّة أساسيّة، حيث يظهر العمل المجاني لله الخالق وأيضًا عمله التَّحريري في شخص يسوع. أمَّا عبارة "المَجْمَع" في الأصل اليوناني συναγωγή (معناها جمع النَّاس معًا أو مكان اجتماع) فتشير إلى المكان الذي يجتمع فيه اليهود لقِراءة الكتب المُقدَّسة وتفسيرها وللصَّلاة أيضًا. فهو المكان شاهد عيّان على تحقيق الكلمات الإلهيّة الّتي يسمعها المؤمنيّن وفي ذات الوقت مكان لإتمامها وتحققّها. هذا بالإضافة، إلى أنّ المجمع هو مكان المجانيّة، كما أن السبت هو يّوم العطاء المجانيّ. كذلك يذهب المؤمنين إلى المجمع ليس لأجل العمل وكسب المال، ولكن لسماع كلمة الله للنمو في العلاقة بالله. وكان للمَجْمَع مدرسة تَعْليم، ومحكمة للقضاء (لوقا 12: 11) حيث يُنفَّذ العِقاب (متى 10: 17). وفي بداية عهد عزرا كان بإمكان جماعة مؤلَّفة من عشر عائلات يهوديَّة أن يُقيموا مَجمعًا. وجرت العَادة أن رئيس المَجْمَع يُعيّن من يقرأ نُصوص الأسفار المقدَّسة ويُفسّرها كلَّ سبتٍ. ويُروي مرقس الإنجيلي أنَّ يسوع لم يَعظْ في المَجْمَع سوى ثلاث مرات، وكانت المرة الثَّالثة والأخيرة في النَّاصرة حيث طردوه من المَجْمَع (مرقس 6: 2). أمَّا عبارة "وأَخَذَ يُعَلِّم" فتشير إلى خدمة يسوع التَّعليميَّة في المَجْمَع. فقد كان رئيس المَجْمَع يدعو بعد قراءة الشَّريعة من هو ذو معرفة بالدِّين ولديه مقدرة على مخاطبة الشَّعب وإن لم يَكن من الكهنة (أعمال الرُّسُل 13: 15). ولم يوضِّح مرقس الإنجيلي موضوع "ما علَّمه يسوع" لكنَّه يذكر تأثيرَ تَعْليمه في سامِعيه (مرقس 6: 2، 10: 26، 11: 18).
22 فأُعجِبوا بِتَعليمِه، لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان، لا مِثلَ الكَتَبَة
تشير عبارة "أُعجِبوا" لا إلى الدهشة فحسب، إنَّما أيضًا إلى الذعر الذي يثيره تَعْليم يسوع في سامعيه، إذ هو جديد، كما صرّح سامعوه "إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان!" (مرقس 1: 27). أمَّا عبارة " تَعْليمه " فلا تشير فقط إلى تأثير تَعْليمه إنَّما أيضًا طريقة التَّعليم والرُّوح الذي أورده به في سامعيه علمًا أنَّ مرقس الإنجيلي لم يذكر مضمون التَّعليم بعكس الإنجيليين الثَّلاثة الآخرين (لوقا 4: 31-37)، لكنَّه يُظهر كيف كان تأثيرُ تَعْليمه على السّامعين، إذ كان كلامه يُحرِّك القُلوب. أمَّا عبارة " كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان (ἐξουσία)" فتشير إلى سُلطَة يسوع التَّعليميَّة التي تصدر عن داخله، وتستند على الآب السَّماوي، لأنَّه هو الكلمة المُتجسد الذي يعرف ما تقوله الأسفار المقدسة وما تعنيه، لأنَّه هو المَرجع النَّهائي بعكس المُعلِّمين اليهود الذين غالبًا ما كانوا يستشهدون بأقوال المُعلِّمين المشهورين لدعم كلامهم. ويُعلق العلامة بونافَنتورا: "إننا نقرأ أن الرَّبّ يسوع هو كلمة الآب الكاملة السُّلْطان في نصّ " لأَنَّ كَلامَ المَلِكِ ذو سُلْطان فمَن يَقولُ لَه: ((لِمَ فَعَلتَ؟ " (جامعة 8: 4) والرَّبّ يسوع المسيح هو كلمة الآب، صاحب السُّلْطان والحكمة، فيه إذًا تأسسّت صلابة السُّلْطان واستكملت" (الرَّبّ يسوع المسيح هو المعلّم الأوحد). عندما كان يسوع يتحدّث لم يكن بحاجة إلى أي سُلْطان كي يدعم أقواله، لأنّه هو السُّلْطان المتجسّد – كلمة الرَّبّ المتجسّد. وتأتي قوّة تَعْليم يسوع أيضًا من مخاطبته للنَّاس من خلال واقعهم. ويُعلق القديس كيرلس الكبير" رأوا أمامهم معلمًا لا يُخاطبهم كنبي فحسب، بل كإلهٍ عظيم ٍتجثو له الرُّوح قبل الجَسَد، لأنَّه ربُّ النَّاموس". أمَّا عبارة "الكَتَبَة" فتشير إلى مُفسري الشَّريعة الرَّسّميِّين والمُختصِّين بالكُتب المقدَّسة الذين يُكرِّرون فقط الدُّروس التي تلقّنوها. وهم خلفاء عزرا (عزرا 7: 6) وكثيرًا ما ذُكر في الإنجيل أنهم معلمو الشَّعب (متى 23: 2-5)، وسلطتهم التَّعليميَّة تستند على التَّقليد أو السُّنة، ويستشهدون بأقوال مشاهير المُعلمين الرَّبّيين القُدماء لتأييد كلامهم (متى 2: 4).
23 وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس، فصاحَ
تشير عبارة " وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس" إلى رجل مُمارس الإيمان ظاهريًا أيّ إنه شخص يتردّد عادة على المجمع، إنه يحيا في زمن ومكان القداسة ويستمع إلى كلمة الله ويصلي، لكن استحوذ عليه روحٌ نجسٌ، فهو يعيش في تناقض. هذا الرجل يُمثلنا جميعًا نحن الّذين كثيرًا ما نعيش في ازدواجية الإيمان، عندما نُصلِّي في الكنيسة ونحن عبيدٌ للخطيئة. كلمة يسوع موجهة لنا اليّوم تكشف صراعنا الداخلي واغترابنا. أمَّا عبارة " رُوحٌ نَجِس" فتشير إلى الشَّيْطَان الذي تسلط على جَسَد الرَّجل وعقله كما أشار إليه لوقا الإنجيلي (4: 33) حيث يجمع بين الرُّوح النَّجِس والشَّيْطَان الذي اعتاد استعماله (23 مرة). والشَّيْطَان هو الملاك الذي يقاوم الله. أمَّا عبارة " نَجِس " فتشير إلى موقفه الذي يعارض قداسة الله؛ وتأثيره المناقض لقداسته تعالى وشعبه، أمَّا الأرواح النَّجِسة فتنتمي إلى مملكة الشَّيْطَان التي كانت تعمل بنشاط خاص أثناء وجود المسيح بين النَّاس. وورد تسلَّط الرُّوح النَّجِس على النَّاس مرتين في العهد القديم، ومرتين في العهد الجديد خارج الأناجيل. ويجمع مرقس الإنجيلي عدة مرات بين المرض وتأثير الرُّوح الشَّرير، بين المرضى والممسوسين (مرقس 1: 34، 3: 10-11 و6: 13)؛ أمَّا عبارة " فصاحَ " فتشير إلى استخدام الشَّيْطَان لفم الرَّجل، وهذا يبُين أنَّ الشَّيْطَان تسلَّط على ذلك الرَّجل إلى حدٍ سلبه حريته وأستنفد قواه. وهذه الصَّرخة تدلّ أيضًا على انتفاض الرُّوح النَّجِس أمام مواجهة المسيح. إن هذا الرَّجل الممسوس هو صورة لكل إنسان في هذا الوجود، وعذابه صورة لعذاب النَّاس كما جاء في تَعْليم يعقوب الرَّسول " لِكُلِّ إِنسانٍ شَهوَةً تُجَرِّبُه فتَفتِنُه وتُغْويه" (يعقوب 1: 14). ونتساءل اليوم في كنيستنا، هل بيننا إنسان فيه روحٌ نَجِس؟ لنتقدم أمام يسوع ليُحرِّرنا من كل نَجس فينا، ويشفينا فنعيش حقيقة إيماننا قولاً وفعلاً.
24 ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله
تشير عبارة "لَنا" إلى استعمال صيغة الجمع تأكيدًا أنَّ في داخل الشَّخص المتكلم شخصًا آخر يتكلم بلسانه نيابة عن كثير من الأبالسة الذين دخلوا في الرَّجُل النَّجِس لتعذيبه. أمَّا عبارة "ما لَنا ولكَ؟" Τί ἡμῖν καὶ σοί (معناها ما شأنك؟ أو " لا علاقة لنا بك ، أو في الدارج "شو خصَّك فينا "، كما ورد في انجيل يوحنا (2: 4) فتشير إلى تعبير مألوف في البيئات اليهوديَّة واليونانيَّة، وهي تدلُّ على بعض التَّفاوت في المستوى بين المُتحاورين، وفي الواقع، هناك مسافة بعيدة بين الله والشَّياطين علمًا أنَّ الشَّياطين هم أعداء، وحيث يكون الواحد لا يكون الآخر. كما أشار إلى ذلك بولس الرَّسول وأَيُّ ائتِلافٍ بَينَ المسيحِ وبَليعار؟ (2 قورنتس 6: 14-15)، أَيُّ صِلَةٍ بَينَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ اتِّحادٍ بَينَ النُّورِ والظُّلْمَة؟ وتدلُّ هذه العبارة أيضًا على التَّصدِّي لكل تدخّل في غير مكانه أو للتَّعبير عن الرَّفض. والمعارضة التي تأتي من قبل الشَّيْطَان، لا تبني، بل تُعيق وتهدم فقط. وتصف الآية ّالصِّلة بين المرض وتأثير الشَّيْطَان (الرَّوح النَّجِس)، لأنَّه حين يمتلك الشَّيْطَان إنسانًا يُعذِّبه ويُدمّر ذاك المخلوق على صورة الله. أمَّا عبارة " يا يَسوعُ النَّاصِريّ " فتشير إلى "النَّذير" بصفة يسوع "قدوس الله" (قضاة 13: 5)، وتدل على لفظ جليلي (متى 26: 69)، وقد دُعي بهذا اللَّقب لأنَّه من سكان النَّاصرة، كما ورد في الإنجيل "وجاءَ مَدينةً يُقالُ لها النَّاصِرة فسَكنَ فيها، لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ الأَنبِياء: إِنَّه يُدعى ناصِريًّا (متى 2: 23)، أو ربَّما إهانة للمسيح " أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمكِنُ أَن يَخرُجَ شيء صالِح؟ " (يوحنا 1: 46). أمَّا عبارة "أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟" فتشير إلى الروح النجس الذي يعلن أمور الصحيحة، فقد جاء يسوع ليُدمر إمبراطورية الشّر، وسيادتها على الإنسان. فغاية عمل يسوع هي التَّعزيم بطَرْد الشَّياطين والقضاء على تأثيرهم، كما تدلُّ العبارة أيضًا على اعتراف الشَّيْطَان أن يسوع هو خصمٌ قويٌ له قادر أن يدمّره. إنَّ الشَّيْطَان الذي يتكلم بلسان الرَّجل المريض، فَهِم أنَّ سُلْطانه على هذا الرَّجل أوشك على النِّهاية، كما أعلن يسوع لتلاميذه " كُنتُ أَرى الشَّيْطَان يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق" (لوقا 10: 18). أمَّا عبارة "أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ" فتشير إلى معرفة الشَّياطين هويَّة يسوع ومركزه باعتباره "المسيح" قبل أن يعرفه التَّلاميذ. الشَّياطين يعرفون الله جيدًا، عرفوه وهم ملائكة واختبروا محبته. وعرفوه بعد سقوطهم وأدركوا عدله. وهم يعرفون قوة الله وسُلْطانه. ولكن يسوع لم يسمح لهم بإعلان تلك الحقيقة، لأنَّ الشَّياطين هم السَّباقون الأوائل الذين اكتشفوا هويَّة يسوع وأعلنوا عن ألوهيته. عرفوا من أول وهلة أنَّ يسوع هو ابن الله، هو المسيح المنتظر. أمَّا عبارة "أَنتَ قُدُّوسُ الله" فتشير إلى كشف الشَّيْطَان عن هويَّة يسوع الحقيقيَّة، لأنَّه لم يكن فقط النَّاصري ولكنَّه أيضًا قدوس الله، كما أعلن بطرس الرسول إيمانه بيسوع باسم الرُّسل قائلا: " يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك؟ ونَحنُ آمَنَّا وعَرَفنا أَنَّكَ قُدُّوسُ الله" (يوحنا 6: 68-69). وهذا لقب مسيحاني قديم (أشعيا 53: 11، أعمال الرُّسُل 2: 27)، حيث أنَّ يسوع هو بكل معنى الكلمة "قدوس الله، لأنَّه ابن الله. الله وحده قدوس، يسوع قدوس، لأنه يُشارك الآب في طبيعته الإلهيَّة. ويُعلق القديس أوغسطينوس: "يظهر في هذه الكلمات أن الشَّياطين هم أصحاب معرفة، لكن بلا مَحَبَّة، والسَّبب في هذا أنهم كانوا يرتعبون من عقوبتهم بواسطته ولا يُحبون برّه. الإيمان له قدرته، لكنَّه بدون المَحَبَّة لا ينفع شيئًا". الشَّياطين تعرف المسيح دَيانًا لها يأتي ليُهلكها، وترتعب منه، لأنَّ ملؤهم كراهيَّة وحقد. وهم يعرفون الله، لكن معرفتهم بلا مَحَبَّة ولا رجاء، فهم يؤمنون ويقشعرون، كما صرّح يعقوب الرَّسول "الشَّياطينُ هي أيضًا تُؤمِنُ بِه وتَرتَعِد" (يعقوب 2: 19).
25 فانتَهَرَه يسوعُ قال: اِخْرَسْ واخرُجْ مِنه!
تشير عبارة " فانتَهَرَه يسوعُ " إلى قدرة يسوع الخارقة بالتَّحدِّي والتَّصدِّي والمُجابهة العَلنيَّة للشَّيطان، رئيس الشَّر. لقد رفض السَّيد المسيح شهادته زاجرًا إيَّاه؛ لأنَّ الرَّبّ يفرّق بين الإنسان وبين ما يقوم به الرُّوح الشَّرير في داخله. أمَّا عبارة "فانتَهَرَه" في الأصل اليوناني ἐπετίμησεν (معناها ينذر بشدِّة، ويأمر بصرامة، ويزجر) فتشير إلى مصطلح يستخدمه الإنجيلي مرقس غالباً للحديث عن فعل يعيد الأمور إلى نصابها، كما زجر يسوع بطرس لمَّا حاول بطرس أن يُبعد يسوع عن تحقيق مشيئة الآب في طريقه إلى الآمه وموته (مرقس 8: 33). فهناك الرُّوح النَّجس الذي يصرخ بصوت عالٍ، خالقاً الفوضى والارتباك. وهناك يسوع الذي يوبَّخ، ويعيد الأمور إلى نصابها، ويمنحها الحياة. أمَّا عبارة "اخْرَسْ" فتشير إلى إسكات كل الأصوات الداخلية الغريبة والتي تمنعنا من الإصغاء إليه. الخطوة الأولى على طريق التحرر هي إعادة فتح قناة الإصغاء، وتحريرها من كل تلك التداخلات التي تربك صوت الرب وكلمته. فرض يسوع السُّكوت على الشَّياطين مع أنهم يُعبّرون عن حقيقة كشفها الله في عِمَّاده المقدس (مرقس 1: 11)، لكن يسوع لم يكن يسمح لها بإعلان هويته (مرقس 1: 34)، ولا يريد يسوع أن يُفشي هذا السِّر (مرقس 1: 25)، لأنَّه لم يحنْ وقت كشف معناها بوجهٍ نهائيٍ (مرقس 1: 44). وشهد الإيمان المسيحي أنَّ يسوع هو المسيح ابن الله وقدوس الله. لكن يسوع لا يريد أن يُفشى هذا السِّر إلاَّ تدريجيًا كي يتجنب حماسة الجمهور التي قد تشوّه وتحرّف رسالته. فقدرة يسوع تسيطر على عالم الشَّر وتُسكته كما تُسكت شخصًا حيًا. لم يسمح يسوع للشيطان بأن يتكلم، لأنه لا يوجد تفاوض بينهما، كما جاء في تَعْليم يعقوب الرَّسول "فاخضَعوا للهِ وقاوِموا إِبليسَ يُوَلِّ عنكُم هارِبًا" (يعقوب 4: 7). وقد فرضَ يسوع السُّكوت على الشَّياطين، لأنَّ عظمته تخفى على البشر (مرقس 1: 27) لكن الشَّياطين يعرفون من هو كما جاء في تَعْليم يعقوب الرَّسول "الشَّياطينُ هي تُؤمِنُ بِه "(يعقوب 2: 19). والمجابهة بين يسوع والشَّيْطَان هنا هي علنيَّة، وتدلُّ على قدرة الله الخارقة التي تحدُّ من قدرة الشَّيْطَان، فهو لا يستطيع أن يفعل شيئا بدون إذنه. وفي كل مرة واجه الرَّبّ يسوع الشَّيْطَان، فقدَ الشَّيْطَان قوته وانهزم. أمَّا عبارة " اخرُجْ مِنه " فتشير إلى وجود شخصين في جَسَد واحد. ومن هذا المنطلق، يأمر يسوع الرُّوح النَّجِس أن يترك الرَّجل في حالته الطَّبيعيَّة مُحقِّقا نبوءة النَّبي زكريا " ويَكونُ في ذلك اليَوم، يَقولُ رَبُّ القُوَّات، ...وأُزيلُ الرُّوح النَّجِس عنِ الأَرض" (زكريا 13: 2). طرد يسوع الرُّوح النَّجسة من داخل الرَّجُل لكي يُحرِّره منها ً. ويعلق القدّيس ايرونيموس: "الحقيقة ليست بحاجة إلى شهادة أبي الكَذِب. لم آتِ لأثبت نفسي بشهادتك، ولكن لأخرجك من الّذي خلقتُه... اخرس واخرج من الرّجل! كما لو كان يقول: أخرج من مَسكِني؛ ماذا تفعل في منزلي؟ أنا أرغب في أن أدخل: إذًا اخرسْ واخرجْ من الرّجل، هذا المخلوق العاقل. اخرجْ من الرّجل! اخرجْ من هذا المنزل المُعَدّ لي! الرَّبّ يريد بيته، اخرجْ من الرّجل. أنظروا إلى أيّ مدى هي ثمينة روح الإنسان. "(العظات عن إنجيل مرقس، العظة 2). وفي هذه المعجزة الثَّالثة أعلن يسوع سلطته على القوات الشَّيْطَانيَّة. وعجائب يسوع ليست مقصورة على زمانها بل يجب أن نفتح عيوننا، حتى نرى أن عجائب الله لا حدود ولا زمان لها، بل هي وسط حياتنا اليوميَّة.
26 فخَبَطَه الرُّوح النَّجِس، وصرَخَ صَرخَةً شَديدة، وخَرجَ مِنه:
عبارة "خَبَطَه" في الأصل اليوناني σπαράξαν(معناه صرعه) تشير إلى يسوع الذي أوقع الرجل المصاب بالروح النَّجِس في حال الصِّرع والتَّشنج واضطراب الأعضاء من شدة الألم أو الانفعالات. ودون هذا الألم لا يمكن للرَّجل أن يتحرّر من الرُّوح النَّجِس. أمَّا عبارة "خَبَطَه الرُّوحُ النَّجِس " فتشير إلى الشَّيْطَان الذي صرع الرَّجل، لكنَّه لم يؤذِه، كما يُخبرنا لوقا الإنجيلي (لوقا 4: 35). ويُعلق القديس ايرونيموس: "هذه هي طريقة الشَّيْطَان للتَّعبير عن ألمه: من خلال الخبط. كون الشَّيْطَان عجز عن إفساد نفس الإنسان، أخذ يمارس العنف على جَسَده. هذه التَّجليّات الجَسَديَّة كانت الطَّريقة الوحيدة المتوفّرة لديه ليُظهر أنّه كان يخرج." أمَّا عبارة "صرَخَ صَرخَةً شَديدة" فتشير إلى غيظ الشَّيْطَان وعجزه، وكان ذلك بلا كلام، لأنَّ المسيح منعه من التَّكلم. أمَّا عبارة "خَرجَ مِنه" فتشير إلى الرُّوح النَّجِس الذي عندما سمع امر يسوع، صرع الرَّجل وخرج منه. لم يلمسْ يسوع أبدًا رجلاً به روح نَجِس ليُخلصه، بل كانت كلمته كافية. هذه حالة نموذجيَّة لسيطرة الشَّيْطَان، وطريقة المسيح في علاجها. تصف الآية انتصار يسوع على الشَّيْطَان بطَرْده إياه، وهذا دليل على ان ملكوت الله قريب. كما ورد في إنجيل لوقا "إذا كُنتُ بإِصبَعِ اللهِ أَطرُدُ الشَّياطين، فقَد وافاكُم ملَكوتُ الله" (لوقا 11: 20). وبدأ مرقس التَّكلم عن معجزات السَّيد المسيح بهذه المُعجزة، ليعلن للأمم التي يكتب لها أن السَّيد المسيح أتى ليعطي الرَّاحة للمُتعبين ويُحررهم من الأرواح النَّجِسة التي سيطرت عليهم زمانًا طويلا وأتعبتهم بل استعبدتهم. ومن بين هذه العَلامات المسيحانيَّة نرى طَرْد الأرواح، الّذي يُثبت بوضوح أنّ ملكوت الرَّبّ هو أيضًا التَّحرير من الشَّرّير، كما يُثبت أيضًا أنَّ يسوع، هو الأقوى، كما أوضح يسوع للكتبة " فَما مِن أَحدٍ يَستَطيعُ أَن يَدخلَ بَيتَ الرَّجُلِ القَوِيِّ وينهَبَ أَمتِعَتَه، إِذا لم يُوثِقْ ذلكَ الرَّجُلَ القَوِيَّ أَوَّلاً، فعِندئذٍ يَنهَبُ بَيتَه " (مرقس 3، 27).
27 فدَهِشوا جَميعًا حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: ما هذا؟ إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسةُ يأمُرُها فَتُطيعُه! فدَهِشوا:
تشير عبارة "فدَهِشوا جَميعًا" إلى تعبير جديد ينفرد به إنجيل مرقس للدلالة على تعجّب النَّاس وذُعْرهم وتساؤلهم (لوقا 4: 36) الذي تُثيره مُعجزات يسوع وأقواله (مرقس 10: 24). نحن هنا نرى سُلْطان كلمة يسوع ليس في تَعْليمه فقط، إنما أيضًا في سُلْطان كلمته الآمرة. أمَّا عبارة "يَتَساءَلون: ما هذا؟" فتشير إلى محاولة إنجيل مرقس بكامله الإجابة عن هذا السُّؤال. لم تكن أعمال يسوع المسيح أقلّ تأثيرًا من تَعْليمه، فقد جعلت النَّاس يقفون مندهشين منها. أمَّا عبارة "إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ" فيتساءل القديس ايرونيموس "ما الجديد بهذا التَّعليم؟ لقد أمر الأرواح النَّجِسة بسُلْطانه. لم يذكر أيّ شخص آخر: لقد أصدر الأوامر بنفسه؛ لم يتكلّم باسم شخص آخر، بل بسُلْطانه الخاص". أما عبارة " يُلْقى بِسُلْطان!" فتشير إلى سؤال معاصري يسوع عن السلطة التي يسمح بها لنفسه بتفسير الكتب المقدسة. فهو ليس أحد الكتبة أو الكهنة أو الأنبياء، إذن كيف يتمكن بتفسير الكتب المقدسة علنًا بيّوم السبت وفي المجمع؟ لكن من يستمع إليه يكتشف أنّ هناك سلطانًا يُدرك في كلامه لا يملكه مُعلّمِي عصره. أمَّا عبارة " يأمُرُها فَتُطيعُه " فتشير إلى المسيح الذي ليس كمن لديه موهبة إخراج الشَّياطين بالصَّلاة والتَّضرعات، لكن لديه أيضًا المقدرة بكلمة واحدة أن يأمر الشَّيْطَان فيخرج فورًا. أمَّا عبارة " يُلْقى بِسُلْطان" فتشير إلى سُلطَة يسوع التي تكررَّت مرتين (مرقس 22:1، 27) إنها آتية من الله (مرقس 1: 27، 2: 10)، دون أن يستند إلى سُلطَة النُّصوص أو السُّنة، كما يفعل الكتبة. كان الكتبة يقولون، النَّاموس يقول... أو المعلم فلان يقول، أمَّا السَّيد المسيح فكان يقول. أمَّا أنا فأقول كذا وكذا (متى 5: 20-38)، ويُظهر مرقس سُلْطان كلمة يسوع في تَعْليمه (مرقس 1: 21) وفي طَرْده الشَّيْطَان (مرقس 1: 26).
28 وذاعَ ذِكرُهُ لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ مِن ناحِيَةِ الجَليلِ بِأَسْرِها
تشير عبارة "لِوَقتِه" في الأصل اليوناني εὐθὺς (معناها في الحال) إلى السُّرعة في التَّنفيذ، وهو تعبير خاص بإنجيل مرقس الذي تكرَّر 41 مرة لأهميَّته الكبرى. أمَّا عبارة "في كُلِّ مَكانٍ مِن ناحِيَةِ الجَليلِ بِأَسْرِها" فتشير إلى سُرعان ما انتشرت شُهرة يسوع في ناحية الجليل التي كان تضم نحو 240 من المدن والقرى كما ورد في كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس.
ثانيًا: تطبيقات النَّص الإنجيلي (مرقس 1: 21-28)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النَّص الإنجيلي (مرقس 1: 21-28)، نستنتج انه يتمحور حول نقطتين: سُلطَة يسوع ومجابهته لسُلطَة الشَّيْطَان.
النُّقطة الأولى: سُلطَة يسوع
منذ اليوم الأوَّل لكرازته في كَفَرناحوم كشف يسوع عن سُلطِته في التَّعليم وطَرْد الشَّياطين وشِفاء المرضى. فأدرك المُستمعون "إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان" (مرقس 1: 27). ومن هذا المنطلق، نستنتج أنَّ تَعْليم يسوع جديد، لأنَّه يبدو في حياته العَامة صَاحب سُلطَة فريدة من نوعها، إذ يَعظ مثل من له سُلْطان (متى 7: 29). ومن هنا لماذا تَعْليم يسوع يعتبر جديدًا وما هي مجال سلطته؟
(ا) تَعْليم يسوع جديد
تَعْليم يسوع جديد، لأنَّه "يُلْقى بِسُلْطان!" (مرقس 1: 27). لا يقتصر على تَعْليم الشَّريعة أو تفسيرها، إنما يتكلم يسوع عن نفسه وهويته وانتمائه وخبرته وحياته، وبالتحديد يتحدث عما هوله وعمَّا فيه. إنَّه ربُ الشَّريعة، لقد أصدر الأوامر بنفسه؛ لم يتكلّم باسم شخص آخر، بل بسُلْطانه الخاص". ويلقي تَعْليمه بسلطان حيث أنَّ سُلطَة يسوع التَّعلميَّة تُحرِّر النَّفس وتُعيد إليها كرامتها، وتمنحها الرَّاحة، كما جاء في قوله "لأنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف" (متى 11: 30)، بعكس عُلماء الشَّريعة من الكتبة والفَرِّيسيِّين الذين "يُحَمِّلونَ النَّاسَ أَحمالًا ثَقيلة بتعاليمهم (لوقا 11: 46) ويُظلمونهم ويُضللونهم.
تَعْليم يسوع جديد ليس لأنَّه يقول شيئا جديدًا، فإنَّه يسوع جاء كما صرّح: "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل"(متى 5: 17)، إنَّما الجديد في أسلوب تَعْليمه، لأنَّه يجُدد الحياة ويُغيِّرها ليس بزيادة معرفة المستمعين، بل بالعمل على توبتهم لله ومنحهم الحياة الجديدة، كما صرّح يسوع "أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم" (يوحنا 10: 11). إنه يُحوّل الحياة ويجعلها جديدة.
تَعْليم يسوع جديد، لأنَّه "قادِرُ على أَن يُخَلِّصَ " (يعقوب 4: 12). لقد صاريسوع، كلمة الله، إنسانًا، ليكون قريبًا من البشر، ويساعدهم. وفي مقدّمة برنامجه، قرّر أنَّ يُخلِّص والمَرضى والمَرذولين والمَساكين والمُحتقرين والخطأة من ناحية، كما ورد في الإنجيل " العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْيًا سَوِيًّا، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون" (متى 11: 5).
تَعْليم يسوع جديد لأنَّه، قادِرُ على أَن قادرٌ أن يُهلك، كما أعلن الرُّوح النَّجِس "أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ " (مرقس 1: 24). إن تعاليمه تُهلك أولئك الذين يظلمون الآخرين، ويُحطوّن من كرامتهم، كما فعل الرُّوح النَّجِس التي استولى على الرَّجل الذي كان حاضرًا في المَجْمَع. إن تعاليمه تهلك أيضًا أولئك الذين يرفضون دعوته للتَّوبة والتَّغيير في حياتهم الشَّهوانيَّة " شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى" (1 يوحنا 2: 16)؛ وفي الواقع، أبتدأ َ الله بتطهير العَالَم مع دخول ابنه يسوع فيه، بل ابتدأ ملكُه يمتدُّ وينتشر على الأرض مع ابنه يسوع كما هو صرّح: "إن كنتُ أنا أُخرج الشَّياطين من بينكم بروح الله، فقد أقبل عليكم ملكوت الله"(متى 12: 28). وأخيرًا إن تَعْليم يسوع تُهلك أولئك الذين يرون في المسيح وتَعْليمه عائقًا بسبب التَّمسُّك في سلطتهم الظالمة ونشر أنواع الفساد والعُنف والخوف والانقسام والنِّزاعات والعبث في حياة الآخرين، كما تنبأ عنه سمعان الشَّيخ "ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض".
(ب) سُلطَة يسوع في مجالات متعددة
تظهر سُلطَة يسوع في مجالات متعدِّدة: له سُلطَة على طَرْد الشَّياطين والأرواح النَّجِسة، كما لاحظ أهل كَفَرناحوم بقولهم "حتَّى الأَرواحُ النَّجِسةُ يأمُرُها فَتُطيعُه!" (مرقس 1: 27)، وله أيضًا سُلطَة غفران الخطايا (متى 9: 6-8)، وهو سيّد السَّبْت (مرقس 2: 28). ويشمل سُلْطانه، حتى الأمور السِّياسيَّة. وفي هذا الميدان، يرفض أن يستمدّ سُلْطانه من إبْليس (لوقا 4: 5-7)، لأنَّ سُلْطانه تقلّده من الله.
لا يتباهى يسوع بهذا السُّلْطان أمَام النَّاس. وبينما يستغلُّ رؤساء هذا العَالَم ما لديهم من سُلطَة للسيطرة على الآخرين، في حين يقف يسوع بين خاصته موقف من يَخدم (لوقا 22: 25-27). إنه ربُّ ومعلمٌ (يوحنا 13: 13)، ولكنَّه أتى ليَخدم وليبذل نفسه "مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيرًا فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِمًا. لأنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس". (مرقس 10: 42-44)، ولأنَّه هكذا اتَّخذ صورة العبد، فسوف تجثو له كلُّ ركبة في النِّهاية (فيلبي 2: 5-11). لذلك بعد قيامته، سوف يستطيع القول لخاصته "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلْطان في السَّماءِ والأَرض" (متى 28: 18).
تتميّز سُلطَة يسوع بأنَّ لها طابعًا روحيًا مَحْضًا، لا يتمالك أمامها اليهود من طرح هذا التَّساؤل باندهاش. "بِأَيِّ سُلْطان تَعمَلُ هذِه الأَعمال؟ " (متى 21: 23). وعلى هذا السُّؤال لا يُعطي يسوع إجابة مباشرة (متى 21: 27)، ولكنَّه يُعطي علامات توجَه الأذهان نحو الإجابة: له سُلْطان على المرض (متى 8: 8-9)، وعلى عناصر الطَّبيعة (مرقس 4: 41)، وعلى الشَّياطين (مرقس 1: 25، ومتى 12: 28). لقد آتى المسيح إلى العَالَم لتحرير الإنسان من الشَّيْطَان وأتباعه. ومن هنا نسأل كيف واجه يسوع الشَّياطين؟
النُّقطة الثَّانيَّة: مجابهة يسوع لسُلطَة الشَّياطين
قبل البحث عن مواجهة يسوع للشَّيطان نطرح سؤال ما هو مفهوم الشَّيْطَان.
(ا) تَّسمية الشَّيْطَان وتعريفه
تدلّ كلمة شَيْطَان في العبريَّة שָׂטָן بشكل عام على الخَصِم، على المتّهم في المحكمة (مزمور 109 :6)، وهو يعني المُفتري أو المُشوِّه للسُّمعة. لكن الكلمة تنطبق بصورة خاصة على كائن علوي مهمّته أن يتَّهم النَّاس بلا رحمة أمام منبر الله ويقف في طريقهم لعَرْقلتهم. فهو المُجرِّب (1أخبار 21 :1) الذي يحاول أن يُبلبل علاقات الله مع شعبه فيدفع النَّاس إلى الخطيئة ثم يشكوهم أمام الله، وهكذا يُعرقل مُخطّط الله الخلاصي.
في العهد الجديد يُسمّى الشَّيْطَان Σατανᾶ (متى 4: 10) لا اسم علم له إلا اسم "بَعلَ زَبول" (مرقس 3: 22) وله القاب أخرى، ومنها: " سيِّدَ هذا العَالَم" (يوحنا 14: 30) المُتَّهِمُ (رؤيا 12 :10)، "الشِّرِّيرُ" (متى 13 :19) و "العَدُوُّ" (متى 13 :39). وتتضمّن فكرة الشَّيْطَان في العهد الجديد ميزتين: إنّه الملاك الجَاحِد (2 بطرس 2: 4) وعدو الله العظيم وسيّد هذا العَالَم (يوحنا 14: 30). إنّه سيُغلب أمام المسيح ومملكته. ويطلق اسم "شياطين" على الذين يسلكون سلوك الشَّيْطَان من البشر. فالشَّيْطَان هو عدو الإنسان الدائم إلى يوم القيامة.
هناك اسم آخر مستخدم للشيطان هو "إبْليس". يعتقد أن أصل كلمة إبْليس في اللغة العربيَّة هو من الفعل بَلَسَ (بمعنى طَرْد)، عندها يكون معنى إبْليس هو "المطرود من رحمة الله". ولكن العديد من اللغويين يجمع أن معنى الفعل هو "يئس" وبالتالي يكون المعنى "الذي يئس من رحمة الله". وأمَّا المستشرقون فيرجعون أصل كلمة إبْليس إلى اللغة اليونانيَّة "διάβολος"؛ ويعني من "يلقي بذاته ليعيق قصد الله" و "عمله الخلاصيّ " الذي أتمّه في الرَّبّ يسوع المسيح، كما جاء في تَعْليم يوحنا الرَّسول " كانَ مُنذُ البَدءِ قَتَّالًا لِلنَّاس ولَم يَثبُتْ على الحَقّ لأَنَّه ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب" (يوحنا 8: 44)، إنّه "إِبْليسُ والشَّيْطَان، مُضَلِّلُ المَعْمورِ كُلِّه" (رؤيا 12: 9). إنه يتّهم بالكَذِب، ويُشهّر وينتقد ظلما لإفساد العلاقة بين الله والنَّاس وبين النَّاس فيما بينهم. ولذلك اسم إبْليس يعني المخالف أو "المُعترض". لقد رافق إبْليس قصّة البشر منذ البداية، وأظهر قوّته وتملُّكَه من الإنسان تحت وجوه الشَّر المختلفة، التي كانت وتبرز في العَالَم: في الحروب، والمناوشات المُسلّحة الشَّرِسة، والأمراض والآلام على أنواعها، ونقدر أن نقول عن آلامنا اليوم تحت سيطرة كورونا، هي أيضًا من عمل الشَّرير.
يُعرِّف الكتاب المقدس إبْليس أنَّه كائن ملائكي، خلقه الله، لكنَّه سقط من مركزه في السَّماء نتيجة لخطيئته. ويُطلق أشعيا النَّبي على إبْليس قبل السُّقوط اسم "لوسيفر" Lucifer) ) كلمة لاتينيَّة تعني "حامل الضوء" كما قال أشعيا " كَيفَ سَقَطتِ مِنَ السَّماء أَيَّتُها الزُّهرَةُ، اِبنُ الصَّباح؟ " (أشعيا 12:14). وأمَّا النَّبي حزقيال فيقول إن إبْليس قد خُلق كملاك، وكان يفوق الملائكة المخلوقة مكانةً وجمالاً (حزقيال 12:28-14) وقرَّر الجلوس على عرش أعلى من عرش الله (حزقيال 15:28 و1 طيموتاوس 6:3). وأدَّى غرور إبْليس وكبرياؤه إلى سقوطه. وبسبب خطيئته طُرِد خارج السَّماء، وأصبح رئيس هذا العَالَم (يوحنا 31:12). وهو المُشتكي (رؤيا يوحنا 10:12)، والمُجرِّب (متى 3:4) والمُخادع (تكوين 3). وبالرَّغم من أنه طُرد من الجنَّة، إلاَّ أنَّه ما زال يسعى إلى رفع سُلْطانه إلى درجة أعلى من الله، ويقوم بتزوير كل ما يفعله الله، كي يحصل على عبادة العَالَم، ويبني جبهة معارضة لملكوت السَّماوات. وهذا الإبْليس وراء كل بدعة ودين واعتقاد خاطئ. ويفعل كل ما في وسعه ليُخالف الله، ولكنَّ نهايته محتومة أبديَّة في بُحَيْرة النَّار (رؤية 10:20).
(ب) مواجهة يسوع للشيطان
إنَّ الشَّيْطَان كائنٌ روحيٌ شريرٌ نَجِس يتميَّز بالكِبرياء والفجور ويقوم بتعذيب البشر، ويسعى لإيقاعهم في الشَّر (طوبيا 6: 8 ومتى 12: 17). لذلك يواجه يسوع شخصيًا الشَّيطان وينتصر عليه (متى 4: 11) ويواجه أيضًا الأرواح الشَّريرة ذات السُّلْطان على البشريَّة الخاطئة، ويهزمها في عقر دارها. هذا هو المعنى في العديد من المشاهد بين يسوع وممسوسين: ممسوس كَفَرناحوم (مرقس 1: 23-27)، وممسوس الجراسيين (مرقس 5: 1-20)، وابنة المرأة الكنعانيَّة (مرقس 7: 25-30)، والصَّبي المَصروع (مرقس 9: 14-29)، والممسوس الأخرس (متى 12: 22-24)، ومريم المجدليَّة (لوقا 8: 2) وفي أغلب الأحيان، يختلط الاستحواذ الشَّيْطَاني مع المرض (راجع متى 17: 15-18). ولهذا يُقال أحيانًا إن المسيح يشفي الممسوسين (لوقا 6: 18)، وأحيانًا إنَّه يَطْرُد الشَّياطين (مرقس1: 34-39).
في ممسوس كَفَرناحوم الذي نحن بصدده (مرقس 1: 23-27) يعلن يسوع تَعْليمه عن ملكوت الله القريب ويُعطي علامات لهذا المَلَكُوت بأقواله وأفعاله، ولكنَّه لم يتكلم عن شخصه. حاول الشَّيْطَان أن يكشف عن شخصية يسوع وهويته بعبارة "ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله" (مرقس 1: 24)، لكن يسوع يمنعه من التَّكلم، ويُعلق القديس أوغسطينوس " الحق لا يحتاج إلى شهادة أرواح نَجِسة".
قام يسوع بإسكاته على الفور؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" لم يدع المسيح الشَّياطين أن يعترفوا به، لأنَّه لا يليق أن يغتصبوا حق الوظيفة الرَّسوليَّة. كذلك لا يجوز أن يتكلموا بألسنة نَجِسة عن سرّ المسيح الفدائي، نعم يجب ألا تصدق هذه الأرواح الشَّريرة حتى ولو تكلمت بالصِّدق، لأنَّ النُّور لا يُكشف بمساعدة الظلام الدامس، كما أشار إلى ذلك رسول المسيح بالقول أَيُّ صِلَةٍ بَينَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ اتِّحادٍ بَينَ النُّورِ والظُّلْمَة؟ وأَيُّ ائتِلافٍ بَينَ المسيحِ وبَليعار؟ (2 قورنتس: 5: 14-15). لأنَّ هناك سرٌّ لا يريد يسوع النَّاس أن يعرفوه. غير أنَّ النَّاس "أَخذوا يَتَساءَلون: ما هذا؟ إِنَّهُ لَتَعْليم جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسةُ يأمُرُها فَتُطيعُه! فدَهِشوا" (مرقس 1: 27). إنَّ الوحي السَّابق لأوانه، كما أراد الشَّيْطَان إفشاءه، هو أفضل وسيلة لإفشال الإنجيل وهويَّة المسيح التي لا تُفهم إلاَّ في سياق الآلام، وفي خارج هذا الإطار ستفهم هويَّة المسيح في معنى سياسي مُعادٍ للرُّومان، والسَّيد المسيح لا يريد في البداية الإعلان عن أنه المسيح المنتظر حتى لا تحدث ثورة سياسيَّة، إذ يظنُّ الشَّعب خطأ أنه جاء ليُحرِّرهم من الرومان. وهذا التَّفسير خاطئ لنوايا يسوع ومسيرة حياته. لذلك الإيمان المُعَلن في بداية إنجيل مرقس لا يمكن إعلانه إلاَّ بعد الآلام والقيامة، وإذا أُعلن قبل ذلك، نكون قد ضللنا الطَّريق التي تقود إلى المسيح، ابن الله القدوس.
بكلمة أخرى، الشَّياطين هي أرواح نَجِسة تسعى لتجربة النَّاس بالخطيئة. وفي حالتها هذه الفاسدة المنحطَّة تستطيع أن تجعل الشَّخص أبكمًا أو أصمًّا أو أعمى أو مجنونًا، ولكنَّها في كل مرة واجهت فيها المسيح، فقدت قوَّتها. لانَّ المسيح يحدّ من قدراتها، فلا تستطيع ان تفعل أي شيء دون إذنه تعالى. ومن الواضح في نص إنجيل مرقس أنَّ شَيْطَانا كان يسيطر على الرَّجل. (مرقس 1: 21-28)، ويسوع واجه القوى الشَّريرة مبيِّنًا تفوقه عليها. ولم يكن بحاجة إلى إجراء طقوس معيَّنة لطَرْد الشَّياطين، بل كانت كلمة منه تكفي لطَرْدهم لأنَّ الشَّياطين أدركت من أول وهلة أن يسوع هو" قُدُّوسُ الله " ابن الله، وهو المسيح المُنتظر.
كل مرض هو علامة لقدرة إبْليس على البشر (لوقا 13: 11)، لذلك عندما يواجه المسيح المرض إنَّما يواجه إبْليس. وفي منح المريض الشِّفاء، إنَّما يظهر انتصاره على الشَّيْطَان (مرقس 1: 24). وأمام السُّلْطان الذي يظهره تجاهه، تدهش الجموع (متى 12: 23)، ويتّهمه أعداؤه أنه ببعل زبول سيّد الشَّياطين، يطَرْد الشَّياطين (مرقس 3: 22). ولكن يسوع يقدّم التَّعليل الحقيقي: إنه بروح الله يطرد الشَّياطين، وهذا يدلّ على أن ملكوت الله قد وافى البشر، كما اكَّد يسوع " أمَّا إِذا كُنتُ أَنا بِروحِ اللهِ أَطرُدُ الشَّياطين، فقد وافاكُم مَلكوتُ الله"(متى 12: 28).
كان إبْليس يعتقد أنه قويُ، ولكن يسوع أقوى منه فطرَده (متى 12: 29). ومن الآن وصاعدًا سيتم إذن طَرْد الشَّيْطَان باسم يسوع (مرقس 9: 38-39). وعندما يوفد يسوع التَّلاميذ للرِّسالة، يمنحهم سُلْطانًا على الأرواح الشَّريرة، كما جاء في إنجيل مرقس "ودَعا الآثَنيْ عَشَر وأَخَذَ يُرسِلُهُمُ اثنَينِ اثنَين، وأَولاهُم سُلْطانًا على الأَرواحِ النَّجِسة"(مرقس 6: 7). وبالفعل يتحقق التَّلاميذ أن الشَّياطين قد أُخضعت لله: هذا برهان جليَ على سقوط إبْليس حيث "رَجَعَ التَّلامِذَةُ الاثنانِ والسَّبعونَ وقالوا فَرِحين: ((يا ربّ، حتَّى الشَّياطينُ تَخضَعُ لَنا بِاسمِكَ)) (لوقا 10: 17). وهكذا يُشكلّ إخراج الشَّياطين، على مدى الأجيال، علامة من العلامات التي ستصاحب البشارة بالإنجيل، بالإضافة إلى المُعجزات.
في الأزمنة الأخيرة، نرى الشَّيْطَان يُضاعف جهوده ليدمّر مملكة الله ويطغي الشُّعوب (رؤيا 20 :7). ويحاول الشَّيْطَان أن يُسيطر على الإنسان من خلال صور جذَّابه وأقنعة يموّه بها على النَّاس حقيقة أمره، ومنها: المال، والهوى، والشَّهوة الجنسيَّة والمُخدَّرات وحبُّ الدُّنيا وكراهيَّة القريب والكِبرياء. فلنبحث في ذاتنا عن الصُّور التي استحوذت علينا، ونأتي بها إلى أقدام يسوع، لأنَّه هو وحده القادر أن يُحرِّرَنا منها بقوة كلمته وسُلْطانه. فالمسيح نزع سُلْطان الشَّيْطَان (متى 12 :28)، وبدأ هذا النَّصر بمجيئه على الأرض (لوقا 10 :18) وموته على الصَّليب (يوحنا 12 :31) وظهر هذا النَّصر بصورة واضحة في إخراج الشَّياطين من الممسوسين. وسيتمّ التَّنصر النِّهائي عند مجيئه الثَّاني (رؤيا 12 :12).
الخلاصة
قدَّم لنا مرقس الإنجيلي، في بدء رسالته في الجليل، أول عمل للسيد المسيح في يوم سبت داخل المَجْمَع اليهودي في كَفَرناحوم حيث كان يُعلِّم بسُلْطان، وليس كالكتبة، وأخرج روحًا شريرًا بعد أن انتهره رافضًا شهادته له، لذلك " فدَهِش النَّاس جَميعًا حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: ما هذا؟ إِنَّهُ لَتَعْليم جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! (مرقس 1: 27)، لأنَّه ابن الله، الكلمة المتجسّد. إلهٌ حق وإنسانٌ حق، لذا فهو يُعلِّم بسُلْطان، ولكونه إله متجَسّد فهو يعلن أسرار الله ومشيئته ويعلن رسالة الخلاص للبشر أجمعين.
أراد مرقس الإنجيلي أن يعلن أن المسيح معلمٌ فريد ٌ في نوعه، شهد له السَّامعون أنفسهم الذين بهتوا من تَعْليمه، وعلَّم بسلطته وليس مثل الكتبة الذين كانوا يكرِّرون الدروس التي تلقنوها، وفي هذا الصَّدد يقول القدِّيس كيرلُّس الكبير: "رأوا أمامهم معلمًا لا يخاطبهم كنبي فحسب، إنما كإله عظيم تجثو له الرَّوح قبل الجَسَد، وهو ربُّ النَّاموس".
تعرَّف الشَّيْطَان أو الرُّوح النَّجِس على السَّيد المسيح كَوْنه قدوس الله الذي تجسَّد بتواضع. ويُعلق الأب ثيؤفلاكتيوس "عرفته الشَّياطين بالقدر الذي سمح الله لهم أن يعرفوه، لكنَّهم لم يعرفوه، كما يعرفه الملائكة القديسون الذين ينعمون بشركة أبدية بكونه كلمة الله". وتحدَّى المسيح الرُّوح النَّجِس الذي كان يسيطر على رَجلٍ من الحاضرين في المَجْمَع، حيث أنَّه بقوة سُلطَة كلمته استطاع أن يطرد الشَّيْطَان الرجيم الذي كشف هويَّة يسوع والسِّر المسيحاني، إلاَّ أنَّ يسوع أسكته كي يتجنَّب حماسة النَّاس التي تشوّه وتحرّف رسالته، لأنَّ يسوع أراد أن يكشف هذا السِّر تدريجيًا، حيث أنَّ المرحلة الأولى هي أنَّ النَّاس كانوا يتساءلون ويندهشون.
إنَّ كلمة المسيح لها القدرة على تحريرنا من كلّ عبوديَّة للشَّيْطَان والخطيئة والخِداع واليأس، وتحطيم أَركَانَ الشَّر. وفي سرّ العِمَّاد، يُمارَس طَرْد الأرواح النَّجِسة وتتمّ نجاتنا من سُلْطان الشَّرّ، حيث نُنقل من الظلمات إلى ملكوت النُّور، الّذي هو المسيح الرَّبّ. وتصبحت حياتنا في يدِ الرَّبّ، ولا يستطيع أيّ أحد أن يختطفها، ما لم نتخلّىَّ عنها نحن من تلقاء أنفسنا حيث أنّ الشَّيْطَان لا يستطيع حرماننا من حرّيتنا، وفي هذا الصَّدد يقول القدّيس يوحنّا فم الذهب "ليس الشَّيْطَان، بل إهمال البشر، هو سبب كل سقطاتهم والويلات الّتي يشكون منها". ومن هذا المنطلق يحذِّرنا صاحب المزامير ويناشدنا للتَّخلّي عن كبريائنا وقساوة قلوبنا والأنانيَّة فينا" اليوم إِذا سَمِعتُم صَوتَه فلا تُقَسُّوا قُلوبَكم كما في مَريبة وكما في يَوم مَسَّة في البَرِّيَّة حَيثُ آباؤكَمُ اْمتَحَنوني واْختَبَروني وكانوا يَرَونَ أَعْمالي" (مزمور 95، 5-9).
دعاء
أيها الآب السَّماوي، يا من أرسلت ابنك ليُحرِّرنا بكلمته من الرُّوح النَّجِس، نسألك أن يُلقي نورَه على الزوايا المُظلمة في حياتنا، ويكشف لنا حقيقة حالنا، فتطهرنا من الأرواح النَّجِسة ومن كل ما يُكبل عقولنا وقلوبنا وأجسادنا كي نتغلب على كبرياء وأنانيَّة فينا وتعلّق بالخطيئة فنعيش حياة جديدة مع الرَّبّ. آمين